لا يبدو احتفال اليمنيين بالذكرى الـ36 للوحدة لوحدة بلادهم مجرد مناسبة رمزية لإحياء الحدث التاريخي الذي جمع شطري الوطن في 22 مايو 1990، بل تحول إلى محطة سياسية لاستعراض التحديات والمخاطر التي تواجه هذا المنجز، في ظل واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث.
فبعد أكثر من ثلاثة عقود على إعلان الوحدة، يعيش اليمن واقعاً مختلفاً تماماً عما حلم به اليمنيون عام 1990، إذ تبدو البلاد اليوم منقسمة سياسياً وعسكرياً، مع استمرار سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء وأجزاء واسعة من الشمال، مقابل تراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي خلال الأشهر الماضية، وتصاعد الحديث عن الحكم الذاتي في حضرموت، إلى جانب عودة مشروع الدولة الاتحادية بوصفه الخيار الأقرب لمنع الانهيار الكامل.
وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت المحافظات الجنوبية والشرقية تحولات سياسية وأمنية لافتة، خصوصاً بعد أحداث أواخر ديسمبر 2025 ومطلع يناير 2026، التي انتهت بإضعاف حضور المجلس الانتقالي الجنوبي وإعلان حلّه، بعد سنوات كان خلالها الطرف الأكثر نفوذاً في جنوب البلاد، بل وكان قريباً من الدفع نحو مشروع انفصال فعلي.
وجاء ذلك وسط تحركات سعودية مكثفة لإعادة ترتيب المشهد داخل معسكر الشرعية، ومنع انزلاق المناطق المحررة إلى صراعات داخلية جديدة، في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية تتداخل فيها التوترات الإقليمية مع هشاشة الوضع اليمني.
وفي خطابه بمناسبة الذكرى الـ36 للوحدة، قدم رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي مقاربة مختلفة لملف الوحدة والقضية الجنوبية، تقوم على الاعتراف بالمظالم والدعوة للشراكة وربط استعادة الدولة بالحفاظ على وحدة اليمن.
وأكد العليمي أن "القضية الجنوبية هي جوهر أي تسوية عادلة"، مشدداً على التزام مجلس القيادة بمعالجة آثار الماضي وضمان الشراكة العادلة في السلطة والثروة، في رسالة بدت موجهة للقوى الجنوبية وللرعاة الإقليميين والدوليين في آن واحد.
ولم يقتصر الخطاب على الرسائل السياسية، بل تضمن إجراءات عملية، أبرزها توجيه الجهات المختصة بمراجعة وإسقاط أوامر التوقيف بحق شخصيات جنوبية لم يثبت تورطها في الإرهاب أو الفساد، وهي خطوة فُسرت على أنها محاولة لاحتواء تداعيات الأحداث الأخيرة وفتح الباب أمام تسويات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
كما دعا العليمي إلى إعادة الأسلحة والمعدات العسكرية التي جرى الاستيلاء عليها خلال الأحداث الأخيرة وتسليمها لمؤسسات الدولة، في رسالة تعكس حجم القلق من استمرار تعدد التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة.
وفي المقابل، ما تزال بعض القوى الجنوبية تتبنى خطاباً انفصالياً، بينما برزت خلال العام الأخير نزعات محلية متصاعدة في حضرموت والمهرة، تدعو إلى تمثيل مستقل بعيداً عن الاستقطاب التقليدي بين صنعاء وعدن، وهو ما يكشف حجم التحولات التي شهدها الجنوب اليمني خلال السنوات الأخيرة.
وتقف اليمن اليوم أمام مشهد شديد التعقيد؛ فلا الوحدة بقيت بصيغتها القديمة، ولا مشاريع الانفصال نجحت في إنتاج واقع سياسي مستقر، إذ أظهرت الأحداث الأخيرة محدودية قدرة مشاريع التشظي على تقديم بديل قابل للحياة، في ظل الانقسامات الداخلية والتداخلات الإقليمية.
وفي هذا السياق، برزت أصوات يمنية جنوبية تؤكد أن الوحدة لا يجب أن تُحاكم بأخطاء الأنظمة السياسية، بل ينبغي إصلاح الخلل داخل الدولة دون إسقاط فكرة الوحدة نفسها، باعتبارها الإطار الذي يحفظ ما تبقى من مؤسسات الدولة ويمنع الانهيار الكامل.
ووصف البرلماني اليمني علي عشال، وهو من أبناء المحافظات الجنوبية، الوحدة اليمنية بأنها "أعظم منجز تحقق في تاريخ اليمن المعاصر"، معتبراً أن الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في الخلافات السياسية، بل في "هدم مداميك الدولة وتقويض مؤسساتها"، مؤكداً أن غياب الدولة هو ما فتح الباب أمام مشاريع التشظي والفوضى.
من جانبه، قال الصحفي اليمني فتحي بن لزرق، في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، إن "الوحدة ليست محطة عابرة، بل البيت الكبير الذي يتسع للجميع مهما اشتدت الخلافات"، مشيراً إلى أن معالجة الإخفاقات لا تكون بتمزيق البلاد، بل بالحوار والشراكة.
كما أعادت الحرب الطويلة مشروع الدولة الاتحادية إلى الواجهة، باعتباره صيغة وسطية بين المركزية والانفصال، خصوصاً مع تزايد القناعة بأن إدارة اليمن بصيغته السابقة أصبحت أكثر صعوبة بعد سنوات الحرب والانقسام.
وخلال الأشهر الماضية، لعبت السعودية دوراً محورياً في احتواء التوترات داخل المناطق الخاضعة للشرعية، ضمن سياسة واضحة تقوم على دعم نموذج الدولة اليمنية الموحدة، ومنع انزلاق البلاد نحو سيناريوهات التفكك، التي قد تنتج كيانات هشة وتفتح الباب أمام صراعات أوسع في منطقة شديدة الحساسية جغرافياً وأمنياً.
ويعكس خطاب العليمي هذا التوجه بوضوح، خصوصاً مع حديثه عن ضرورة تطوير العلاقة مع الرياض من مستوى التحالف إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، إلى جانب طرح فكرة الاندماج التدريجي لليمن في المنظومة الخليجية.
ورغم كل هذه التحركات، لا تزال اليمن تواجه تحديات وجودية معقدة، تبدأ من استمرار الانقسام العسكري والسياسي، ولا تنتهي عند الأزمة الاقتصادية والانهيار الخدمي، إلى جانب المخاوف من انعكاسات التوترات الإقليمية على الداخل اليمني، خصوصاً مع تصاعد التهديدات المرتبطة بالممرات البحرية وأمن البحر الأحمر.
وفي مقابل الاحتفاء الرسمي بذكرى الوحدة والتأكيدات الخليجية والدولية على دعم وحدة اليمن، ما تزال بعض القيادات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي تواصل انتقاد خطاب السلطة الشرعية، معتبرة أن الحديث عن الوحدة بصيغتها السابقة يتجاهل تعقيدات الواقع السياسي الذي فرضته سنوات الحرب والانقسام.
والمؤكد الآن، أن اليمن تقف الآن، أمام لحظة مفصلية تتعلق بمصير الوحدة والاستقرار، وفق المحلل السياسي اليمني الدكتور عادل المسني، مشيراً إلى أن هزيمة مشروع الانفصال فتحت الباب لمرحلة جديدة: معركة تثبيت الوحدة وبناء السلام والاستقرار
وأضاف المسني في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن استقرار اليمن مرتبط بوحدة التراب، لافتاً إلى أن التقسيم يغذي الفوضى والصراعات ويعيد إنتاج الحروب، وهذا ما ظهر بوضوح خلال فترة صعود المجلس الانتقالي وشعار الانفصال الذي كانت تدعمه الإمارات، حسب قوله.
وعن الدور السعودي، قال المسني، إن المملكة لعبت دوراً محورياً في منع انزلاق اليمن نحو التقسيم، لأن انهيار الدولة يعني تهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها، ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع.
واستطرد قائلاً: "في المقابل، ظلت الشرعية اليمنية متمسكة بخيار الوحدة حتى في أصعب الظروف، مما ساعد على ترسيخ إجماع وطني وإقليمي ودولي حول هذا المبدأ".
وأضاف: "اليوم مع تراجع الدور الإماراتي وحلّ المجلس الانتقالي، يتعزز مسار الوحدة بدعم إقليمي ودولي أوسع، هذا يعطي اليمن فرصة لاستعادة تماسكه الداخلي، ويجعل مستقبل الوحدة أكثر رسوخاً وإيجابية.
وأشار المسني إلى أن هذا الزخم لا يعني غياب التحديات، فالاقتصاد والفساد وهيكلة الجيش، والتأخر في تطبيع الأوضاع أمنياً واقتصادياً وسياسياً تظل من الكوابح التي تعيق مسيرة الوحدة والاستقرار.
Loading ads...
ولفت إلى أن "التحول الإيجابي يتمثل في القضاء على التهديد المباشر الممثل بمشروع الانفصال الذي من شأنه أن يخلق بيئة مساعدة تساهم في تجاوز بقية التحديات الأخرى".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






