13 أيام
ما لا تقوله الخرائط تحكيه اللوحات... أيام مع الفن السوري في باريس - رصيف22
الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

هناك رحلات تختلف عما نعرفه من معنى لـ"الرحلة"، فهي ليست انتقالاً من مكان إلى آخر، ومن جهة جغرافية إلى أخرى. إحدى نماذج هذه الرحلات المختلفة عن السائد هي ما نبدأها بسؤال: ماذا يبقى من المكان حين نغادره، وكيف يمكن للفن أن يمنحه حياة جديدة بعيداً عن الجغرافيا؟
بهذا السؤال يمكن قراءة الرحلة التي ينظمها برنامج "سفرات سفير" بين مدينتي روان وباريس، من 21 إلى 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، بالتزامن مع أسبوع باريس للفن. ثلاثة أيام يقترب زائروها من محترفات صانعي اللوحات، ومن الحكايات التي تستقر في الألوان والطين والأشياء الصغيرة وتفاصيلها. فهناك فنانون سوريون وعرب، من المقيمين في فرنسا ومن القادمين إليها، تجمعهم "سفرات سفير" عبر زيارات إلى محترفات الفنانين ومعارض فنية، ولقاءات مهنية ومساحات غير رسمية للحوار والتعارف.
تأسّست مؤسسة "سفير" عام 2015، بمبادرة من مجموعة من الأصدقاء والمهنيين الثقافيين، استجابةً للتحديات التي واجهت الفنانين والممارسين الثقافيين السوريين. ومنذ انطلاقتها، عملت على إتاحة الفرص، وبناء القدرات، وتعزيز الروابط مع المشهد الثقافي الأوسع، عبر الإرشاد والدعم المهني والإقامات الفنية والمعارض والشراكات. وكانت الإمارات، بما احتضنته من فنانين سوريين، إحدى المساحات الأساسية لهذا العمل.
في مرحلة تتباين فيها تجارب الفنانين السوريين بين العودة إلى الوطن وبناء حياة في بلدان الاغتراب، تسعى سفير إلى فتح مساحة مشتركة تتيح لهذه التجارب أن تلتقي، من دون اختزال اختلافاتها أو فرض تعريف واحد لما يجمعها. مساحة قد تفضي إلى تعاون فني، أو تبادل معرفة، أو صداقة، أو ببساطة إلى شعور بأن هناك من يصغي ويشارك الطريق.
تبدأ الرحلة صباح الأربعاء 21 تشرين الأول/ أكتوبر، حين يغادر المشاركون باريس إلى روان، المدينة التي رسم كلود مونيه كاتدرائيتها مرات كثيرة وهو يحاول الإمساك بالضوء قبل أن يتغيّر. لكن المحطة الأولى ليست معلماً سياحياً، بل مكان العمل اليومي لفنانين سوريين.
في محترف ريم يسوف تلتقي الذاكرة بالتهجير، وتصير المواد والأشياء والأمكنة وسيلة لقول ما يصعب قوله. وهناك لقاء مع الفنان والمصمم رافي ساركي، ثم زيارة عالم وليد المصري، حيث تتكرر الشرنقة والطاووس، كعنصرين كإشارتين إلى التحول والقلق والأمل، خارجَين عن سياقهما التقليدي المرتبط بالزخرفة والتزيين.
وفي روان أيضاً تستقبل الفنانة والباحثة نور عسلية المشاركين بأعمال تمزج النحت والكولاج والبحث، وتتناول هشاشة الجسد وما نحاول الاحتفاظ به من الذاكرة. بعدها تأخذ الرحلة زوارها إلى كاتدرائية روان، وهناك يبدو الوقوف أمام عمارتها استمراراً للحديث عن الفن، فالمكان واحد لكنه يتغيّر بتغيّر من ينظر إليه. وهنا تتبادر إلى الذهن تلك المقولة الخارقة لمحي الدين بن عربي: "المكان زمان متجمّد"؛ وكأنه يرسم لوحة انطباعية مذهلة الجمال في ثلاث كلمات، ويجاريه اليوم فنانون جاؤوا من حيث وطئت قدماه ذات يوم ورقد إلى الأبد.
أما مساء الأربعاء فيعود المشاركون إلى باريس، وينتقل الفن السوري من هدوء المحترف إلى العرض العلني. تستضيف صالة مارك هاشم معرضاً جماعياً لاثني عشر فناناً سورياً من أجيال وتجارب مختلفة، بينهم سارة شمة ومصطفى علي وسبهان آدم وأحمد معلا وفادي يازجي وسعيد تحسين. وتتيح الأمسية فرصة للقاء عدد من الفنانين، والاطلاع على كتاب جديد بعنوان "سعيد تحسين: الفنان والإنسان"، أعدّه وقدّمه حفيده سمير عيطة، ويحتفي فيه بتجربة التشكيلي السوري سعيد تحسين (1904–1985)، أحد رواد الفن الحديث في سوريا. في هذه الأمسية يلتقي تاريخ الفن السوري الحديث بحاضره، وتصبح الصالة مكاناً للتعارف وتبادل القصص، إضافة إلى مشاهدة اللوحات والاستمتاع بها.
في اليوم الثاني، الخميس، تتجه الرحلة إلى محترف علا عبد الله في باريس. في أعمالها التجريدية يعود المربع شكلاً مفتوحاً على احتمالات اللون والضوء والسطوح المتراكبة. ومن هذا الجو الهادئ نسبياً ينتقل المشاركون إلى دار كريستيز، في جولة خاصة تتناول أعمالاً من القرنين العشرين والحادي والعشرين، وإرث تاجر الفن بول دوران رويل، الذي ساهم في دعم فنانين ناشئين وغيّر وظيفة الوسيط الفني. ويطرح هذا الانتقال سؤالاً يهم "سفير" في عملها مع الفنانين السوريين: كيف يُكتشف الفنان، ومن يسانده حتى يصل صوته إلى جمهور أوسع؟
بعد ذلك يأتي معرض "مينارت"، المخصص للفن الحديث والمعاصر من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ليضع التجارب السورية في مشهد إقليمي أوسع. يركّز البرنامج على فنانين وصالات مشاركة، منها "بلو هاوس" و"سامر قزح" من دمشق، إلى جانب أعمال غالية قلعجي ويعقوب إبراهيم وآخرين. وبين المعارض واللقاءات تبدو باريس أكثر من عاصمة طالما استضافت الفن، فهي الآن مكان تتجاور فيه لغات بصرية كثيرة، وتجد فيه الهويات المختلفة طرقها إلى الظهور.
وبما أن الفن لا يعيش في المتاحف والصالات وحسب؛ فسيفتح مساء الخميس جامعا الأعمال الفنية لينا العطار عجمي وعامر عجمي منزلهما الباريسي للمشاركين، في أمسية تجمع الفن السوري والضيافة والطعام. تعدّ العشاء آية عجمي وكِنان منصور، وهما يريان في الطبخ تجربة إبداعية ووسيلة لرواية الثقافة وجمع الناس. وهنا تتغيّر أدوات التعبير، فبدل الريشة والإزميل تصبح المائدة مكاناً لاستحضار الذاكرة وبناء علاقات جديدة.
Loading ads...
أما الجمعة فتقترب الرحلة من سؤال الانتماء أكثر؛ في محترف رندا مداح، الفنانة السورية القادمة من الجولان المحتل، تحضر علاقة الإنسان بأرضه وغيابه عنها عبر النحت والتجهيز والرسم والفيديو. ثم يأتي اللقاء مع نغم حذيفة، التي تشتغل على الهوية والأنوثة والجسد وتجارب الاقتلاع والانتماء. وبين التجربتين يظهر الوطن أقرب إلى أثر تتركه الأماكن في أصحابها منه إلى حدود على الخريطة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





