للوهلة الأولى، كان من المفترض أنها انتهت، فقد أغلقت متاجرها، وانهارت أمام جبال ديونها، وأصبحت أشباح مالية بلا أمل، ما دفع المستثمرين للفرار من أسهمها، فيما كتب المحللون نعيها، وراهن مديرو الصناديق على اختفائها نهائيًا من الساحة.
هذا حال كثير من الشركات التي لم تستطع الصمود لسبب أو لآخر، لكن في واحدة من الظواهر النادرة في تاريخ الأسواق، يعود بعضها إلى الحياة مجددًا إما عبر تعافٍ حقيقي، أو نتيجة مضاربات قد تكون غذّتها وسائل التواصل الاجتماعي، أو لأسباب أخرى.
من تمرد "جيم ستوب"، إلى الانتعاش غير المتوقع لـ"هيرتز" بعد الإفلاس، ومن عودة "إيه إم سي" بدعم المضاربين الأفراد، إلى قصة "أبل" التي نجت من حافة الانهيار لتصبح واحدة من أعلى الشركات قيمة في العالم، أثبتت الأسواق مرارًا أن الموت التجاري ليس نهاية حتمية.
ففي بعض الحالات، تعيد الأسواق بعض الأشباح إلى الحياة ليصبح السؤال ليس هل يمكن للشركات الساقطة أن تعود مجددًا، بل: هل تحولت الأسواق الحديثة إلى قوة دفع قادرة على تحويل الرماد إلى أصول جديدة لشركات ظن الجميع أنها انتهت؟
عندما يتحول الفشل إلى وقودًا للمضاربة
لطالما كان إعلان "الفصل الحادي عشر" من قانون الإفلاس الأمريكي بمثابة جرس إنذار للمستثمرين للهروب، إلا أن هذا المفهوم شهد تحولاً جذرياً في السنوات الأخيرة.
وتحول الإفلاس من وصمة عار تقصي الشركة من السوق إلى "مغناطيس" لجذب المضاربين الذين يبحثون عن تقلبات حادة في الأسعار في بعض الأحيان.
والمثال الأبرز الذي لا يزال حاضراً في ذاكرة الأسواق هو شركة "هيرتز"؛ ففي مايو 2020، أعلنت الشركة إفلاسها تحت وطأة ديون بلغت 19 مليار دولار أمريكي، وتوقف حركة السفر العالمية.
وبدلاً من أن يختفي السهم، شهد طفرة جنونية قادتها جيوش من صغار المستثمرين، ليرتفع السهم من أقل من 0.80 دولار أمريكي إلى أكثر من 5.50 دولار في غضون أيام قليلة من إعلان الإفلاس.
لم تكن هذه الحركة مبنية على تحسن في الأصول، بل على مضاربة بحتة راهنت على أن العلامة التجارية لن تموت.
وفي تحول نادر في تاريخ الإفلاس، خرجت "هيرتز" من الحماية في يونيو 2021 بعد ضخ سيولة بقيمة 5.9 مليار دولار أمريكي من مجموعة استثمارية، مما منح المساهمين القدامى تعويضات فاقت التوقعات.
تلك الواقعة رسخت في أذهان المتداولين فكرة أن "الموت المالي" قد يكون مجرد فرصة لإعادة الولادة بأسعار مضاعفة.
هذه الظاهرة لم تقتصر على "هيرتز"، بل امتدت لتشمل شركات مثل تابروير التي واجهت أزمات سيولة حادة وهددت بالإغلاق في عام 2023، لتعود وتعلن إفلاسها رسمياً في سبتمبر 2024 بمديونية تجاوزت 700 مليون دولار أمريكي.
ومع ذلك، شهد السهم قفزات مضاربية قبل وبعد الإعلان، حيث استغل المتداولون انخفاض سعر السهم إلى مستوى "البنسات" لتحقيق أرباح سريعة من خلال عمليات "البيع المكشوف".
لا شيء يجسد هذه الظاهرة أكثر من جيم ستوب، فشركة بيع ألعاب الفيديو كانت تعاني تراجعًا هيكليًا واضحًا، لكنها تحولت عام 2021 إلى أيقونة أسهم الميم عندما أشعل مستثمرو التجزئة على منصة ريديت موجة ضغط شراء تاريخية ضد مراكز البيع على المكشوف.
وقفز السهم من أقل من 20 دولارًا أمريكيًا في مطلع يناير 2021 إلى أكثر من 480 دولارًا خلال ذروة التداولات، مسببًا خسائر فادحة لصناديق التحوط التي راهنت على انهياره.
"إيه إم سي" سلكت مسارًا مشابهًا، فبعد أن تعرضت سلسلة دور السينما المثقلة بالديون، والمتضررة من إغلاقات الجائحة، لضغوط هائلة، أصبحت أسهمها هدفًا لعمليات مضاربة مكثفة.
وقفز سهمها بأكثر من 2,300% خلال 2021 في ذروته، ما أتاح للشركة جمع سيولة ضخمة عبر إصدار أسهم جديدة، لتتحول المضاربة إلى أداة للنجاة.
وفي هذه المواقف يتجاهل المستثمرون التدفقات النقدية السلبية والديون المتعثرة مقابل الرهان على "القصة" أو الاحتمالية الضئيلة للاستحواذ أو خطة الإنقاذ المعجزة، ليصبح الأمر أشبه بشراء تذكرة في "يانصيب"، عبر الاستفادة من التفاؤل المفرط للآخرين.
طوق نجاة عبر التدخل الحكومي والابتكار
تُعد جنرال موتورز واحدة من أوضح هذه الحالات، فبعد تقدمها بطلب الحماية من الإفلاس وفق الفصل 11 عام 2009 وسط الأزمة المالية، خضعت الشركة لإعادة هيكلة مدعومة من الحكومة الأمريكية.
لتعود إلى الأسواق عام 2010 عبر طرح عام أولي جمع نحو 20.1 مليار دولار أمريكي، وكان حينها الأكبر عالميًا، ولم يكن ذلك مجرد طوق نجاة، بل تحول إلى نموذج يوضح كيف يمكن للدعم الحكومي، وإعادة التنظيم أن تعيد عملاقًا من حافة الانهيار.
أما "أبل"، فهي المعيار الذهبي للعودة بعد بلوغها حافة الهاوية، ففي عام 1997، كانت الشركة، وفق تقارير عديدة، على بعد أسابيع فقط من الإفلاس، قبل عودة ستيف جوبز، واستثمار مايكروسوفت البالغ 150 مليون دولار، واعتماد الابتكار لإعادة بناء الشركة.
وبحلول عام 2024، تجاوزت قيمتها السوقية 2.6 تريليون دولار، لتحكي أبل قصة نجاة تروى لأجيال عديدة.
هذه الأمثلة تؤكد أن الانهيار لم يعد بالضرورة النهاية… بل قد يكون مجرد استراحة مؤقتة.
أحلام العودة قد تتحول لسراب أحيانًا
محاولات الأسواق لإحياء الشركات الساقطة لا تنجح دائمًا، وعمليات المضاربة لا تتمكن أحيانًا من إعطاء قبلة الحياة لتلك الشركات.
وتقدم كوداك مثالًا واضحًا في هذا الإطار، فبعد سنوات من التراجع وإفلاسها في 2012، قفز سهمها بأكثر من 1,000% خلال أيام في 2020 بعد ارتباط اسمها بمبادرة حكومية أمريكية مرتبطة بالأدوية، قبل أن تتبع ذلك تقلبات حادة وعودة للاختفاء.
الأمر نفسه ينطبق جزئيًا على وي وورك، الشركة التي وصلت قيمتها الخاصة سابقًا إلى 47 مليار دولار أمريكي انهارت لاحقًا نحو الإفلاس بعد إخفاقات الحوكمة والنموذج الاقتصادي، ومع ذلك، استمرت الأسواق في مراقبة احتمالات عودتها.
الخطر الأكبر هنا أن الانتعاش القائم على المضاربة قد يربك كفاءة تخصيص رأس المال، إذ إن شركات الزومبي، التي تبقى على قيد الحياة بفضل التمويل الرخيص أو الضجيج الإعلامي أكثر من متانة أعمالها الفعلية، قد تستنزف أموال المستثمرين الساعين وراء "المعجزة التالية".
لكن الأسواق بطبيعتها تتطلع إلى المستقبل. وأحيانًا، تلتقط المضاربة فرصة حقيقية قبل أن تظهر في الأرقام. وهنا يكمن التحدي الحقيقي.
في الماضي، كان انهيار الشركات ينتهي في صمت، أما اليوم، فقد أصبحت الأسواق الحديثة مزيجًا معقدًا فهي تارةً تعمل كمقبرة تواري إخفاقات الشركات، وتارةً أخرى كمركز لإعادة تأهيل الكيانات المتهالكة، بينما تظل في حالات عديدة مجرد طاولة قمار للمراهنين.
في نهاية المطاف يتضح أن الأسواق أصبحت أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لإعطاء فرصة أخرى للشركات التي فشلت لأن بعضها يستحق تلك الفرصة، ولكن السؤال هو هل تعود كل الأشباح إلى السوق؟
بالطبع ليست كل الأشباح متشابهة، فبعضها يعود كطائر فينيق حقيقي—أقوى، وأكثر صلابة، وأكثر قدرة على البقاء، وبعضها الآخر ليس سوى ظل تضخمه الآمال، والضجيج، والزخم المؤقت.
أما التحدي الحقيقي للمستثمر، فليس في رصد العودة… بل في معرفة ما إذا كان يشتري فينيقًا أم يطارد شبحًا.
Loading ads...
المصادر: أرقام- هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية- رويترز- بلومبرج- وول ستريت جورنال
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





