4 أشهر
العدالة الانتقالية في الثقافة السورية: حوار مع أحمد جاسم الحسين
الإثنين، 19 يناير 2026
لم يكن اتحاد الكتّاب العرب في سوريا، طوال عقود، في صدارة النقاش العام أو في قلب الأسئلة الأخلاقية والسياسية التي فرضتها الثورة السورية وما تلاها. لكن مع تولّي الدكتور أحمد جاسم الحسين إدارته، تحوّل الاتحاد إلى مساحة اشتباك علني مع الذاكرة، والمسؤولية، والعدالة الانتقالية، بعدما صدرت قرارات جريئة بفصل شخصيات ارتبط اسمها بتبرير العنف والدفاع عن النظام المخلوع.
في هذا الحوار المطوّل، يتحدث الحسين عن "الصدمات الإيجابية" التي أحدثتها قراراته الأولى، وعن رؤيته لتحويل اتحاد الكتّاب من مؤسسة مغلقة إلى منصة أخلاقية تعبّر عن سردية السوريين، وتحتضن الجيل الجديد من الكتّاب، وتعيد تعريف دور الثقافة في مرحلة ما بعد الاستبداد. كما يتوقف عند تجربته في المنفى، وعلاقته بدمشق بعد العودة، وحدود التوبة الثقافية، ومخاطر الذكاء الاصطناعي على الكتابة الإبداعية، في مقابلة تفتح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات جاهزة.
فيما يلي نص الحوار:
كيف شعرت عندما أدركت أن خطواتك الأولى جعلت الاتحاد محور اهتمام كل المجتمع الثقافي السوري؟ وهل توقعت أن تُحدث هذه “الصدمات الإيجابية” منذ البداية؟ وكيف قرأت ردود الفعل هذه؟
اتحاد الكتاب العرب هو منظمة شأنه بقية المنظمات الموجودة في سوريا والتي أُنشئت قبل أكثر من نصف قرن في محاولة من السلطات السياسية لتمثيل الناس ظاهرياً ولتقدم السلطات نفسها على أنها ديمقراطية ولكن كان الهدف هو السيطرة على من تمثلهم تلك النقابات وصناعة أيديولوجيا تعبر عن صوت السلطة ولم تكن جهات تمثيلية لشرائح سورية، لذلك بقي اتحاد الكتاب منظمة مغلقة على أعضائها أو على المتكسبين منها ولم يكن له حضور في الشأن العام أي الحضور الذي يليق بمؤسسة تدعى اتحاد الكتاب.
هناك أسباب موضوعية أيضاً لغياب الاتحاد وهو أن النقابات في المجمل تمثل أعضاءها وإذا قارنا منظمة اتحاد الكتاب بسواها فإن العدد الموجود فيها يكاد يكون من الأقل أو الأقل لأنهم لا يتجاوزون 1500 عضو، كما أن كثيراً من الكتاب الذين أبدعوا في فنون عدة لم ينتسبوا لهذا الاتحاد احتجاجاً على كونه جزءاً من أيديولوجية السلطة أو نتيجة لسفرهم وغير ذلك.
بمعنى آخر كان اتحاد الكتاب منظمة تمثل شريحة من الكتاب السوريين وتحاول أن تدجن خطابهم وتجعله قريباً من خطاب السلطة ولذا نرى كثيراً من المنتسبين للاتحاد وهم ليسوا أهلاً لعضويته، كان إنشاء الاتحاد الكتاب أيضاً محاولة للسيطرة الجماهيرية على كل الأصوات الأخرى وحرصت السلطة على أن يدخل في هذا الاتحاد كثير ممن لا يستحقون حتى تضيع جدواه فحوالي نصف أعضاءه هم أعضاء في جمعية الدراسات التي لا علاقة لها بالأدب أو الأدباء أو الكتّاب.
تخيلي مثلاً أن كاتباً بكتابين عن حافظ الأسد أو عن بشار أو عن قاسم سليمان أو سوى ذلك يمكن أن يصبح عضواً في اتحاد الكتاب.
في عودة إلى سؤالك عن العدالة الانتقالية، هناك أكثر من سبب أولاً وللأمانة المنظمات لديها حيز أوسع في التحرك من الحكومة لأنها تمثل شرائح شعبية ولديها سرعة في اتخاذ القرار ولا أثر لقراراتها إلا على المنتسبين لها، في حين الحكومة تمثل الدولة وتأتيها احتجاجات دولية مثلاً أو سوى ذلك ولديها آليات عمل مختلفة، ثانياً إذا كان لدى قيادة الاتحاد رغبة بوضع النقاط على الحروف في عدد من القضايا تستطيع تنفيذ ذلك بسرعة، ثالثاً إن تحقيق العدالة الانتقالية في المنظمات ليس له تأثير على لقمة الخبز بمعنى أن الحكومة إذا فصلت أحداً فهي تتعرض لقضية المعيشة وسوى ذلك، أما نحن كمنظمة فالانتساب إليها ليس انتساباً يؤثر على المعيشة اليومية بل هو انتساب ذو طبيعة قيمية أخلاقية، وبصراحة كثير من الشبيحة لا تهمهم القيم والأخلاق فإن فصلهم لا يؤثر، وربما الذي تأثر هو كاتب واحد يقيم في الإمارات هو حسن يوسف وهو الذي قدم ردوداً حادة وأيضاً بشار الجعفري أيضاً ردّ، ولا أعني أنهم لديهم قيم مختلفة عن البقية بل هي إشارة من الإشارات.
أما بالنسبة لردود الأفعال فأنا عضو في الاتحاد منذ ربع قرن وأعرف تفاصيله وأعرف ما يمكن أن تحدثه هذه القرارات من أثر وما توقعته حدث تماماً ليس أكثر وليس أقل، أعلم أن السوريين متلهفون لرؤية كل من شجع على القتل أو كان شريكاً خلف القضبان، المهم في العدالة الانتقالية أن يوضع معيار والمعيار اليوم لدينا كان في اتحاد الكتاب العرب هو أولاً أن يكون الشخص قد أسهم بالقتل خلال خدمة العسكرية وثانياً أن يكون قد دعا لارتكاب المجازر أو لم يدنها علناً، نحاول أيضا أن نوسع الدائرة قليلا ونتواصل مع المنظمات الشبيهة والجهات المعنية بالعدالة الانتقالية لتطوير المعايير حتى تشمل كل من دعا لقتل السوريين أو سوى ذلك، من المهم الإشارة هنا أنه لا أحد يتخيل أن عضواً في اتحاد الكتاب يمكن أن يكون قاتلاً أو جزءاً من عملية القتل، عادة ما يكون الكتّاب صمام أمان فكيف تكون كاتباً ولا تحمل القيم الإنسانية؟.
هل فقد الكتّاب المحسوبون على النظام المخلوع فرصتهم في سوريا الجديدة، أم أن هناك إجراءات يمكنهم من خلالها العودة للمشاركة الثقافية؟
الانتساب إلى الاتحاد والمشاركة في أنشطته أو كتبه أو منشوراته أو سوى ذلك هو جانب من جوانب الحضور ولكن نحن لا نمتلك أن نمنع هذا الشخص من المراكز الثقافية أو سوى ذلك، ولكن ضمن سياقات الاتحاد لم يعد متاحاً له المشاركة في أنشطتنا، وهناك باب نعلمه جيداً هو باب التوبة وهنا التوبة الثقافية بمعنى التراجع عن الخطأ فمن ألف كتاباً عن بشار الأسد يمكنه أن يؤلف كتاباً عن داريا مثلاً عن المخيمات عن النساء المغتصبات عن النساء المعتقلات عن النساء المغيبات عن الأطفال الذين باتوا بلا أب عن الأطفال الذين ولدوا في المعتقلات ولا يُعرف آباؤهم لذلك من يريد استعادة إنسانيته يمكنه القيام بنشاطات مضادة لنشاطاته السابقة تمكنه من الانخراط في الحياة العامة الثقافية ممثلة باتحاد الكتاب العرب في سوريا.
سنلجأ في الفترات القادمة القريبة جداً إلى لجنة انضباط قانونية وإدارية ستقر آليات أخرى لكل من يخرج على منظومة القيم وسنعمل على وثيقة شرف يوقع عليها الكتاب تتمثل في الانتساب للإنساني والأخلاقي والقيمي والابتعاد عن كل ما يخرج عن القيم الأخلاقية الإنسانية التي تقرها كل الأديان وكل الشرائع وكل الثقافات.
كيف يمكن للاتحاد أن يخلد سردية الثورة؟
عبر عدة مناحي مثلاً سنصدر دورية خاصة بأدب الثورة السورية وسيكون عمادها الرئيس من الشباب والفئات المهمشة والمرأة وسيكون عمادها الرئيس موضوعات تخص سرديات الحرب يوميات السوريين والمخيمات واللجوء والهجرة والمعتقلات والنزوح القسري وفقدان البيوت، وكذلك أحدثنا مكتباً جديداً وهو إدارة البحث والأرشيف والذاكرة السورية وسيحاول تكريس سردية الثورة عبر التوثيق والأرشفة سواء كان من خلال الكتب التي طبعت أو المخطوطات أو سوى ذلك وهذا واجب على اتحاد الكتاب العرب بصفته مؤسسة ثقافية.
تابعت مسلسل سوق الورق منذ سنوات ودائماً كنت معجبة بشجاعة الكاتبة، ولما ذكرت بالمقابلة أنّ زوجتك كتبته وصورت فيه قصتك مع جامعة دمشق لم أتفاجأ بالنظر لقراراتك المباشرة والثورية التي جئت بها عند استلامك الاتحاد. هل ممكن أن نرى أعمالاً تلفزيونية مشتركة لك ولزوجتك قريباً مع تغير الأحوال؟
للأمانة المسلسل هو قصتي الواقعية التي كنت أسردها لزوجتي أولاً بأول وهي تعرف تفاصيلها كأي زوجة سورية تعرف تفاصيل زوجها وكان من كتابتها، فكرنا به معاً من أجل الدفاع عن أنفسنا وقالت لي ليس لدي مال أساعدك به وليس لدي جاه أدرأ به عنك الاستهدافات والمشكلات لكن ربما لدي فكرة ولدي قدرة على السرد وكان محاولتها الأولى ويسر الله هذا الأمر وحقق المسلسل المراد منه، بالنسبة للمستقبل وتكرار التجربة والله لا أعرف، بالنسبة لي لا أعتقد أنني سأكتب السيناريو رغم أنني كتبت سابقاً مسلسلات إذاعية في التسعينيات وعملت في الإعلام فترة طويلة وأكتب المقالة الأسبوعية لكن لا أظن أنني سأتخذ من السيناريو محطة تعبير فأنا منشغل بأشياء كثيرة أخرى وهناك أصدقاء لهم أسماؤهم أتمنى لهم التوفيق. بالنسبة لزوجتي فهي الآن تعيش في هولندا مع العائلة الجميلة اللطيفة وأنا في سوريا لنرى حين يلتم الشمل مرة أخرى ماذا ييسر الله.
دكتور أحمد أكثر من عشر سنوات في المهجر، كنت فاعلاً خلالها في المجتمع والتعليم والثقافة وأيضاً أسست مركزاً للثقافة واللغات، وربما ما تزال عائلتك تقيم هناك، أريد أن أسأل: كيف غيّر العيش خارج سوريا نظرتك وما الذي جلبته هذه التجربة للقرارات التي تتخذها اليوم في الاتحاد أو رؤيتك لمستقبل الاتحاد؟ وأيضاً بالنسبة لعملك الذي تسعى للعودة إليه في التعليم في جامعة دمشق؟
أنا عشت في هولندا ما يقارب 12 سنة وهي تجربة تجربة غنية وثرية ومفيدة من كل النواحي ولكنها تجربة مرة وصعبة ومؤلمة وموجعة، تجربة اللجوء تحفر في الذاكرة وفي النفس فأنت تنتقل من مجتمع يعرفك ويعرف جهدك وتكون قد بنيت سيرتك الذاتية خلال 20 30 40 سنة وتنتقل إلى بلد آخر وهناك تولد كطفل صغير من الصفر تتعلم اللغة كطفل تتعلم الحياة تتعلم الثقافة تتعلم كيف تتصرف مع الناس كيف تعيش كيف تأكل كيف تشرب لأن المجتمع يختلف عنك اختلافا جذرياً.
وهذه التجربة التي يعيشها الإنسان تؤثر تأثيراً كبيراً في مستقبله وفي طريقة تعامله وفي مفهومه عن الحياة، كل شيء مختلف في المجتمع الأوروبي وخاصة هولندا هذا مجتمع لا يشبهنا بشيء لا يشبهنا بشيء أبداً وينظمون حياتهم بطريقة مختلفة ونحن لدينا حياة اجتماعية هم لديهم حياة فردانية، أهم الأعياد عندنا الأعياد الاجتماعية وأهم الأعياد عندهم الأعياد الفردانية عيد الميلاد وكذا نظرتهم للعمل وعلاقة الأم مع الأبناء ومفهوم العائلة وعلاقتهم بالدولة والرعاية الاجتماعية، نحن لا نشبه بعض بشيء بالمطلق بمطلق المطلق.
وبالتأكيد تركت في بصمات كثيرة لكن هل أستطيع أن أنفذ ما رأيته وما تعلمته هناك في سوريا ربما نعم ربما لا، بالنسبة لي هذه التجربة تؤثر على طريقة إدارتي حالياً في الاتحاد وعلى إعادة هيكلة هذه المؤسسة وتعاملي أيضاً مع العاملين في المؤسسة وفهم القرار الإداري وآلية التنفيذ، نحن نعمل اليوم في اتحاد الكتاب العرب على إعادة هيكلته وتشكيله.
الأثر هو أيضاً في العلاقة مع الزملاء وفي مفهوم العلاقة الإنسانية وفي العلاقة مع الطلاب وفي العلاقة المعرفية في فهم المحاضرة الجامعية وفي فهم آليات التواصل العميق وطريقة التفكير وطريقة الإدارة وهذه ليست كلها نتيجة للتجربة الهولندية فقط بل كثير منها يعود إلى العمر فأنا اليوم في السادسة والخمسين وأيضاً أنا ابن الثورة السورية التي أثرت بي وفي سلوكي وفي فهم العالم والناس وفي طريقة التعاطي مع الحياة والمغفرة والذاكرة والنسيان والنظر إلى مستقبل بناء البلد.
ما خطتكم لدعم الجيل الجديد من الكتاب، وكيف يمكن للاتحاد أن يمنحهم منصة قوية داخل سوريا وخارجها؟
بالنسبة للشباب نحن أحدثنا مكتباً خاصاً في اتحاد الكتاب العرب لتدريب الشباب على الكتابة ولتنمية المواهب الشباب السوري الذي يشكل أكثر من 50-60% من المجتمع السوري وسنبدأ في الشهر الثاني بدورات للراغبين بتعلم كتابة الرواية والشعر واليوميات وأيضاً بعض الدورات العملية مثل كتابة السيناريو أو سوى ذلك. وبالنسبة للتنسيب نحن نبحث عن خطط للإسراع بتنسيب الشباب إذ لا نريد أن يكون اتحاد الكتاب العرب اتحاداً لكبار السن بل أن يكون للشباب المتحمس وهم ضمان بقاء المجتمع متحركاً وفاعلاً وسنحدث كذلك جوائز خاصة بالشباب السوري للعمل الأول في 2026 في مختلف الأجناس الأدبية.
كيف تقضي أيامك في دمشق الجديدة خارج أوقات الدوام الرسمي؟ ما هي أحب الأماكن إليك فيها؟
أنا ابن الشام فمنذ أن كان عمري 17 سنة أعيش في دمشق وابن الشام ليس معيشة فقط بل انتماء وحباً وعشقاً لهذه المدينة، وغالباً ما أضيع في أزقتها من محلات الأقمشة في تفرعات مدحت باشا إلى تفرعات الحميدية إلى بائعي الفرو إلى خاناتها لا يكاد يمر أسبوع إلا وأكون هناك مرتين أو ثلاث مرات ليلاً نهاراً عصراً مساءً آكل شيئاً من هنا وأشرب شيئاً من هناك، أقرأ وجوه البشر وأتسلى وأيضاً أتحاور مع الناس وأستمتع، أنا من الأشخاص الذين يستمدون الأمل من وجوه السوريين، حراك السوريين ونشاطهم وفرحتهم وتجارتهم وعملهم وشرائهم وبيعهم وتناولهم للطعام كل هذه الحركة تمدني بالأمل يومياً أو لنقل ما لا يقل عن مرتين ثلاثة أسبوعياً.
أركن سيارتي في البرامكة أو في رئاسة الجامعة وأتجه بهذا الاتجاه أو ذاك إلى ساروجة إلى العمارة إلى الشاغور، مثلاً أنا كنت أمشي بين المقابر، في مقابر دمشق مقبرة الباب الصغير وأنظر إليها بصفتها علامات سيميائية وأقرأ سوسيولوجية الناس في محاولة تخليد العائلة أو الذات وكيف أصبحت هذه مزاراً و تلك غدت ماء سبيل أو سوى ذلك. أيضاً أتابع حركة دمشق و ما هي المهن التي بقيت و ما هي المهن التي ذهبت، مثلاً اليوم كنت أبحث عن القماش الإنكليزي فلم أجد إلا محلاً بقي فيه شيئاً قديماً إذ سيطرت اليوم الأقمشة الصينية أو الهندية على السوق ومنذ أيام كنت مع صديقي مشعل العدوي نبحث عن الحرير ماذا بقي من الحرير في دمشق؟ أنا لا أبحث بشكل عشوائي أو لمجرد البحث بل أستمد الأمل والفرح والسعادة حين أمشي في أسواق الأقمشة تتولد لدي طاقة إيجابية عالية أستمتع هناك وتنفتح أمامي بوابات من الأمل والفرح، أمشي أيضاً أحياناً باتجاه دمشق الحديثة أو نصف الحديثة في الصالحية في أبو رمانة وأستطلع المدينة وأتفقدها كل يوم، كل يوم أنا أكتشف شارعاً فيها ولا أضع خطة معدة مسبقاً بل أمشي إلى أين تأخدني قدماي أين تأخدني روحي أهيم في هذه الشوارع بفرح وشغف شديد واستكشف ما المحلات التي فتحت والمحلات التي أغلقت والأسباب وأحلل وأقرأ وأسأل بسعادة غامرة جداً أطمئن.
أمر على أبو شاكر بائع العصير الذي كان زميلي في الدراسة ودرسنا الجامعة سوياً وأطمئن عليه وأطمئن على ذاك المحل ماذا يبيع اليوم ولماذا أغلق الآخر، أنا اليوم لدي فسحة من الوقت وحالة العجلة لم تعد موجودة بعد أن استعدنا حريتنا تغير إيقاع كل شيء في نفسي وفي روحي، ولدي وقت للتأمل مثلاً اكتشتفت أن جامع بعيرة الموجود في ساحة سبع بحرات بناه والد المطرب موفق بهجت أو جده يعني تخيلي الجد يبني جامعاً والحفيد يكون مطرباً وهكذا يعني أبحث في ظواهر هذه المدينة الجميلة.
في الشام نرى الكثير من الشاردين يحاولون استيضاح الأمر والتأكد أنهم في الشام فعلاً يسيرون آمنين مطمئنين، هل ينتابك هذا الشعور وكأن الحقيقة تختلط بالخيال؟
أنا أحد أولئك الشاردين، نعم أشرد وأمشي في دمشق، أنا متأكد أنني فيها ولكني أحاول أن أقبض عليها ليطمئن قلبي أريدها أن تصبح يقيناً، كانت دمشق بالنسبة لي شك واليوم غدت يقيناً لذلك حين أتناول أطعمتها أو مشروباتها أو أمشي على أرصفتها أو في منتصف الشارع وأريد أن أتأكد من إيقاع الحياة وأصطنع أسئلة مع الناس لأفتح معهم أحاديث كنوع من أنواع التواصل ونوع من أنواع الفرح بالإنسان أنا من الأشخاص الذين يحبون الإنسان السوري وأعول على طاقته الإيجابية وعلى قدرته على البناء وعلى حبه للحياة وعلى تمسكه بالتواصل، هذا أتحدث معه عن لهجته ومن أي جاء وهذا أسأله عن المهنة التي يعمل بها وهذا أتناقش معه عن أسباب تراجعها وهذا أدخل في شكواه من الألبسة الصينية وكيف غزت الأسواق.
هل تسنى لك زيارة دير الزور بعد التحرير؟ ما الذي بقي منها في ذاكرتك؟
أنا ابن قرية ملاصقة لمدينة الميادين، قسم من أقاربي يسكن في مدينة الميادين وقسم يسكن في القرية الملتصقة بالمدينة، المنطقة الشرقية فيها مفاتيح عدة أحد هذه المفاتيح علاقة الناس بنهر الفرات من جهة وعلاقتهم بالبادية من جهة أخرى فهم يعيشون على سرير النهر يتحكم في مسير حياتهم وفي اقتصادهم، نهر الفرات إن فاض ماؤه أو غار ماؤه والبادية إن أمطرت أو لم تمطر هذان العاملان هم المؤثران الرئيسيان في اقتصاد المنطقة، ومن جهة أخرى هناك سمات للإنسان الفراتي مثل الحماس والفزعة والدافعية الكبرى.
مركز مدينة دير الزور هو أكثر مركز مدينة في سوريا مهدم يكاد الناس أن ينحصروا في عشرة أو خمسة عشر في المئة من مساحة المحافظة والباقي أحياء مهدمة، شيء يثلم القلب ويوجعه ولكن الحياة لا بد أن تستمر ونعول على قدرة الإنسان على البدايات الجديدة وعلى إعادة الإعمار وضع المحافظة وضع مؤلم جداً ولا يوجد فيها بالأساس رأس مال كبير بمعنى لا يوجد فيها رجال أعمال كبار يقومون بالتبرع والبناء، ولكن أهم ثروة فيها هي ثروة الإنسان بحماسه وبرغبته بالبناء، الناس طوت صفحة اليأس وهي تعيش الآن على الأمل فاليأس لا يبني بل يدمر صاحبه ويدمر مجتمعه لذلك ما دامت بوابات الأمل مفتوحة فلا خوف على الإنسان السوري.
أخيراً أريد أن أختم الحوار بأكثر تهديد يواجه الصحافة والكتابة اليوم وهو أدوات الذكاء الاصطناعي. في أثناء عملي الصحفي وحواراتي مع المختصين والباحثين أصبحت أواجه مشكلة حقيقة في اعتمادهم على الذكاء الاصطناعي في تقديم الإجابات، وأفتقد لروح النص وأصالة التحليل، يجادل البعض أن الاعتماد على النص الاصطناعي لابأس فيه مادامت الفكرة الأصلية من وحي عقل الكاتب، كيف تنظر للموضوع ؟
نعم الذكاء الصناعي فيه جوانب كثيرة مفيدة، ويساعد في سرعة الحصول على المعلومات ولكن بات يشكل خطرًا على الكتابة الإبداعية، إذا كان الكاتب له اسمه ووزنه وأسلوبه يمكن أن يفيد من جوانب منه ولكن أيضًا هناك اليوم من يعتقد أنه يمكن أن يصبح كاتباً من خلال الذكاء الصناعي وأجد نصوصاً أيضًا تصل إلى الاتحاد مكتوبة بالذكاء الصناعي، نحن اشتركنا بأكثر من برنامج لكشف مثل هذه النصوص وكما نعلم سمات كتابة الذكاء الصناعي واضحة مثل الصورة العامة والمقارنات ولا توجد خصوصية واللغة هلامية ليس لها هوية ولا إحساس قد تكون الصور فيها جميلة ولكن من السهل علي جداً كشف تدخل الذكاء الصناعي سواء في مقالة صحافية أو مقالة أدبية أو نص أو سوى ذلك لكن هذا طبعاً نتيجة لخبرة طويلة ومعرفة بأسباب الكتابة وآلياتها وطرائقها.
Loading ads...
أعرف كتاباً يستفيدون منه ولكنهم مبدعون فتجد أن صوتهم في النص الذي يكتبونه أعلى من صوت الذكاء الصناعي وهذا هو الفارق بين الكاتب الذي يستفيد منه وليس له صوت أو خصوصية أو تجربة وبين شخص صاحب تجربة يمكن أن يوفر عليه بعض الوقت أو أن يعيد صياغة جزءا من نصه، لذلك لا بد أن يكون هناك معايير وضوابط لمن يستفيد منه وكيف يستفيد وما هي حدود الاستفادة سواء كانت هذه الضوابط قانونية أو أخلاقية أو أدبية أو كتابية أو سوى ذلك. التحديات في العالم لا تنقطع ولكن من المهم أن توضع ضوابط لتنظيمها والأدوات أيضاً في العالم أدوات التقنية لن تنتهي وليست المشكلة في الأداة المشكلة هي في كيفية الإفادة من الأداة يمكن أن نجعل من الذكاء الصناعي آلية أو فرصة أو طريقة لكتابة أنضج أو ربما المساعدة في صياغة فكرة ما، وسؤال الذكاء الصناعي اليوم ليس سؤالاً سورياً فقط بل هو سؤال عالمي، هل الاستغناء عن الإنسان في مناحي الحياة هو الحل هذا أيضاً من الأسئلة الكبرى فهذه أسئلة وجودية عالمية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




