في خضم الدمار الذي خلفته سنوات النزاع الطويلة في سوريا حيث انهارت البنى التحتية وتشرد الملايين بين لاجئ ونازح وتصدع رأس المال الاجتماعي وتضرر رأس المال البشري، تبرز الحاجة الملحة إلى نماذج تعافي اقتصادي تتسم بالمرونة والسرعة والارتباط بالواقع المحلي ولا يمكن الاكتفاء بانتظار الوعود بمشاريع إعمار ضخمة لتعيد الحياة إلى الاقتصاد، بل إن المفتاح الحقيقي للتعافي قد يكون أبسط وأقرب مما نتصور، إنه في المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، وفي أيادي الحرفيين السوريين المبدعة، السوريون الذين اكتسبوا خبرات كبيرة وعاشوا تجارب كثيرة وهم تواقون للحياة والبناء على أرض بلادهم التي تحررت من قفل الأبدية الأسدي.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة ليست مجرد أنشطة ربحية محدودة، بل هي ركيزة أساسية في اقتصاد التعافي، وذلك لقدرتها على الانتشار السريع، وانخفاض كلفتها، وارتباطها الوثيق بالمجتمعات المحلية. فهي تشكل ما يزيد عن 90% من المشروعات حول العالم، وتستوعب ما يزيد عن 75% من فرص العمل، وفي سياق ما بعد الحرب، تصبح هذه المشروعات شريان حياة حقيقياً، حيث توفر مصدر دخل وتوظيف مستمر للسكان المتضررين، مما يساعد على استقرار الأسر والمجتمعات، وهذه هي الأولوية القصوى التي يحتاجها المجتمع السوري اليوم " الاستقرار ".
ولا يمكن الحديث عن التعافي الاقتصادي في سوريا من دون تسليط الضوء على الدور المحوري للحرفيين، فهم ليسوا مجرد صناع للأشياء، بل هم حماة التراث الثقافي، ينقلون مهاراتهم ومعارفهم من جيل إلى آخر، مما يسهم في الحفاظ على الهوية الوطنية، وفي ظل الشتات السوري، أصبحت الحرف اليدوية وسيلة لمقاومة النسيان والاندثار، والحفاظ على الذاكرة الجماعية، كما أن المنتجات الحرفية السورية تسهم في التعريف بسورية وحضارتها في العالم، وتقدم سردية بديلة عن البلاد بعيداً عن صورة الدمار والخراب، فهناك كثير من الحرف السورية التي تسمع صوتها وصداها قبل عوائدها و أرباحها مثل المنسوجات اليدوية والبروكار الدمشقي، الأغباني، المشغولات النحاسية، الفخار و الخزف، الفسيفساء، الحرير الدمشقي، صابون الغار الحلبي، النجارة والنقش على الخشب، القبقاب الدمشقي، وغيرها من الحرف التي تحمل في مضمونها أكثر من كونها مشروعا لكسب لقمة العيش، الحرفيون حراس الهوية ومحركو الاقتصاد.
الحرف اليدوية يمكن أن تكون مصدراً للدخل المستدام لكثير من الأسر، مما يسهم في استقرار المجتمع وتقليل الفقر، وبالتالي يقلل من التوترات الاجتماعية التي قد تؤدي إلى صراعات أو تسهل عملية عودة العنف إلى الوسط السوري.
رغم هذه الأهمية، يواجه الحرفيون وأصحاب المشروعات الصغيرة في سوريا تحديات كبيرة تهدد بقاء حرفهم وتراثهم ومشروعاتهم، فقد أدت الحرب إلى تدمير كثير من الورش الحرفية وتشريد الحرفيين، مما أدى إلى فقدان كثير من المعرفة والمهارات المرتبطة في هذا المجال، كما عانت سوريا وتعاني من أزمة اقتصادية حادة أدت إلى ارتفاع أسعار المواد الخام ومستلزمات الإنتاج وأدت إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وانخفاض قيمة الليرة السورية. بالإضافة إلى ذلك، يواجه الحرفيون صعوبة في الحصول على المواد الخام اللازمة ومع ارتفاع أسعارها، ويعانون من انقطاع التيار الكهربائي الذي يؤثر بشكل كبير على عملهم، ونتيجة لهذه الظروف الصعبة، هاجر كثير من الحرفيين إلى بلدان أخرى بحثاً عن فرص عمل أفضل، مما شكل نزيفاً حقيقياً في المهارات والخبرات.
قد يتساءل بعضهم عن دور الحرفيين في تغيير الواقع الاقتصادي وتأثيرهم في الواقع السياسي وهل هو كبير ويستحق العناء !
الحقيقة أن تأثيرهم غير مباشر وطويل الأمد، لكنه عميق ولا يقل أهمية عن بقية أنواع المشروعات الاقتصادية، فالحفاظ على الحرف التقليدية في ظل الأزمات هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية، فهو يؤكد على الهوية السورية واستمراريتها، كما أن بناء شبكات اجتماعية قوية بين الحرفيين يعزز التضامن والتعاون بين أفراد المجتمع، ويمكن أن يكون نواة لحركات اجتماعية أوسع، والأهم من ذلك، أن الحرف اليدوية يمكن أن تكون مصدراً للدخل المستدام لكثير من الأسر، مما يسهم في استقرار المجتمع وتقليل الفقر، وبالتالي يقلل من التوترات الاجتماعية التي قد تؤدي إلى صراعات أو تسهل عملية عودة العنف إلى الوسط السوري.
على الحكومة السورية الاستفادة من تنوع البرامج الدولية الداعمة للمشروعات الصغيرة بين التمويل المباشر عبر مؤسسات للخدمات المالية، والتدريب وبناء القدرات عبر برامج الأمم المتحدة والمفوضية..
لتحقيق هذا الدور الحيوي، لا بد من توفير بيئة داعمة تشمل تقديم الدعم المالي واللوجستي للحرفيين، وتسهيل حصولهم على المواد الخام والتراخيص، كما يجب العمل على تسويق المنتجات الحرفية السورية محلياً وعالمياً، واستخدام تقنيات التسويق الحديثة والاستعانة بالخبرات والجامعات ومراكز البحوث والدراسات. بالإضافة إلى ذلك، من الضروري توفير برامج تعليم وتدريب للشباب لتعلم الحرف التقليدية ونقل الخبرات من جيل إلى آخر، ويجب ألا ننسى حماية الملكية الفكرية للحرفيين ومنع تقليد منتجاتهم.
وعلى الحكومة السورية الاستفادة من تنوع البرامج الدولية الداعمة للمشروعات الصغيرة بين التمويل المباشر عبر مؤسسات للخدمات المالية، والتدريب وبناء القدرات عبر برامج الأمم المتحدة والمفوضية، والدعم الفني والتوجيه عبر مبادرات وبرامج تسهم في تحفيز الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل، وتحسين الظروف المعيشية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الاقتصاد السوري.
Loading ads...
ورسالتنا إلى الفريق الاقتصادي في الحكومة تتلخص في لفت نظرهم بأن الحرفيين وأصحاب المشروعات الصغيرة ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها وتطويرها، فدورهم لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يتعداه إلى الجانب الثقافي والاجتماعي والسياسي وإن الاستثمار في هذا القطاع ليس مجرد خيار تنموي، بل هو استثمار في مستقبل سوريا وهويتها، فمن ورشة حرفية صغيرة يمكن أن ينطلق اقتصاد وطن بكامله.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

