تهجير العقول الفلسطينية لا يمكن فصله عن السياق التاريخي لمخططات الإفراغ السكاني.
لم تقتصر خسائر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة على الشهداء، والبنية التحتية، بل امتدت إلى خسارة من نوع آخر أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً على المدى البعيد، وهي هجرة العقول.
ووجد عديد من الأكاديميين والأطباء والمهندسين ورواد الأعمال أنفسهم أمام خيار صعب بين البقاء في بيئة تفتقر للاستقرار، أو المغادرة بحثاً عن فرص أوسع وأمان أكبر.
ويعيش سكان قطاع غزة في ظل ظروف معقدة تشمل تقييد الحركة، وتراجع فرص العمل، وضغوطاً نفسية متراكمة نتيجة الحرب، ما أثر على الكفاءات العلمية والمهنية، التي تحتاج بطبيعتها إلى بيئة مستقرة، وموارد بحثية، وانفتاح على العالم لتطوير مهاراتها والاستمرار في العطاء.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد سكان قطاع غزة يتجاوز 2.2 مليون نسمة، وتبلغ نسبة الشباب دون 30 عاماً أكثر من 60% من السكان، ما يجعل المجتمع ذا طابع شبابي بامتياز.
على الصعيد الطبي يواجه الأطباء تحديات تتعلق بنقص المعدات والأدوية، وضغط العمل في ظل الطوارئ المستمرة، حيث استشهد نحو ألف من الكوادر الصحية في غزة منذ بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع في السابع من أكتوبر 2023، كما اعتقلت قوات الاحتلال مئات آخرين، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية.
وفي المجال التكنولوجي وريادة الأعمال برزت، خلال السنوات الماضية، مبادرات شبابية واعدة في غزة، إلا أن محدودية الوصول إلى الأسواق العالمية وصعوبة التنقل والمشاركة في المؤتمرات أو جذب الاستثمارات، دفعت بعض رواد الأعمال إلى نقل مشاريعهم خارج القطاع.
قطاع الأكاديميين قتل منه الاحتلال 193 عالماً وأستاذاً وباحثاً في غزة، كما استشهد 17 ألفاً و237 طالباً وطالبة، وبلغ عدد الجرحى 25 ألفاً، أما في الضفة الغربية فبلغ عدد الشهداء برصاص الاحتلال من طلبة المدارس 108، وجرح 741 واعتقل 379.
الباحث في الهيئة المستقلة لدعم حقوق الشعب الفلسطيني أدهم المجدلاوي يؤكد أن تهجير العقول الفلسطينية لا يمكن فصله عن السياق التاريخي لمخططات الإفراغ السكاني.
ويوضح المجدلاوي في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن الاحتلال انتقل من محاولات التهجير الكتلي المباشر إلى ما وصفه بسياسة تآكل الكادر البشري، وهي سياسة تقوم على استهداف النخب العلمية والمهنية وخلق بيئة قسرية تدفعها إلى الرحيل، بما يؤدي إلى إحداث فراغ معرفي طويل الأمد يعجز المجتمع عن تعويضه لعقود.
وأشار المجدلاوي إلى أن أكثر من 80% من مباني الجامعات في قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، بما في ذلك المختبرات والمكتبات ومراكز البحث العلمي، ما أدى إلى تعطيل منظومة التعليم العالي لأكثر من عامين، وحرمان ما يزيد عن 90 ألف طالب وطالبة من استكمال تعليمهم الجامعي.
ولفت إلى توثيق استشهاد أكثر من 193 عالماً وباحثاً وأكاديمياً، إضافة إلى 830 كادراً تربوياً، من بينهم رؤساء جامعات وعمداء وأساتذة في تخصصات نادرة، معتبراً أن هذه الأرقام تمثل مؤشراً خطيراً على الاستهداف النوعي للعقل الفلسطيني.
وذكر أن "الهجرة الناعمة" تتم عبر فتح ممرات خروج انتقائية تستهدف الأطباء والمهندسين وتقنيي المعلومات والصحفيين، في ظل ظروف معيشية قاهرة وانقطاع الرواتب وتدمير البنية الاقتصادية.
ويضيف أن هذه الظروف حولت النخب العلمية إلى فئة منشغلة بتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء بدل التفرغ للإنتاج المعرفي.
وعلى الصعيد القانوني شدد المجدلاوي على أن خلق البيئة القسرية التي تدفع الكفاءات إلى الرحيل يندرج ضمن جريمة النقل القسري للسكان بحسب المادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
واعتبر أن الاستهداف الممنهج للنخب العلمية يشكل ركناً من أركان تدمير الجماعة كلياً أو جزئياً، بما يتقاطع مع اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، ويمثل انتهاكاً صريحاً للحق في التنمية والسيادة الوطنية.
وشدد على ضرورة إطلاق جامعة افتراضية وطنية فلسطينية، لربط الأكاديميين المهاجرين بطلابهم في الداخل، وتأسيس صندوق وطني لاستبقاء الكفاءات، وإعداد قاعدة بيانات شاملة للكفاءات التي غادرت القطاع.
Loading ads...
ولفت إلى أن معركة البقاء في غزة لا تقتصر على الوجود المكاني، بل تمتد إلى معركة الحفاظ على العقل الفلسطيني، محذراً من أن استمرار نزيف العقول سيحول القطاع إلى فضاء جغرافي عاجز عن النهوض، ما يستدعي تحركاً وطنياً ودولياً عاجلاً لوقف هذا التآكل البنيوي قبل فوات الأوان.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




