7 أشهر
"على أثر مهربي المهاجرين" (3/1) إدريس ج... من قوارب المانش إلى قبضة العدالة
السبت، 1 نوفمبر 2025

Loading ads...
في الحادي عشر من أغسطس/آب 2023 بمدينة كاليه الفرنسية، الجو لطيف، يسوده نسيم خفيف. في ذلك المساء قرر نفيد الله ح، مهاجر أفغاني يبلغ 21 عاما، استغلال هذه الظروف الملائمة لعبور بحر المانش بواسطة قارب باتجاه المملكة المتحدة. وهي المرحلة الأخيرة من رحلة بدأت منذ عامين، في أغسطس/آب 2021 هربا من نظام طالبان. رحلة كلفته حتى الآن 16,000 يورو. حصل نفيد الله على رقم اتصال بمهرب يُدعى ناصر، وتلقى تعليمات منه بالتوجه إلى مخيم "الغابة"، حيث يلتقي 67 مهاجرا آخرين. دفع معظمهم ما بين 1300 و1500 يورو لعبور بحر المانش. انقسم المهاجرون إلى مجموعات صغيرة، وساروا بصمت نحو شاطئ لا هوشيت، على مشارف كاليه، بصحبة مهرّبين ملثمين. على رمال الشاطئ، تم إنزال قارب مطاطي من سيارة، يبلغ طوله سبعة أمتار ويعمل بمحرك صغير قوته 30 حصانا. لم يستغرق هؤلاء المهاجرون سوى نصف ساعة لنفخ هذا القارب المطاطي المهترئ. وهو غير مصمم لتحمل وزن 68 شخصا إطلاقا، لكن المهربين لا يكترثون لذلك: "كانوا يضربون ويهددون بالقتل كل من لا يصعد على متن القارب"، هذا ما قاله نفيد الله لاحقا للشرطة الفرنسية. كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحا عندما أبحر القارب المملوء عن آخره متوجها إلى المملكة المتحدة. يُفترض أن تستغرق الرحلة حوالي خمس ساعات، ولكن بعد ساعتين من الإقلاع، تعطل المحرك. وساد الذعر على متن المركب حينما بدأ بالتمزق، ثم انقلب. ووجد الركاب أنفسهم في مياه لا تزيد درجة حرارتها عن 18 درجة مئوية، ومعظمهم لا يجيدون السباحة. وعوض سترات نجاة حقيقية، كان بعض المهاجرين يضعون عوامات، أٌخذت من عجلات السيارات، حول خصورهم ليحموا أنفسهم من الغرق. لكن يعد ذلك خطأ فادحا، برأي قائد طاقم سفينة كورموران الذي أوضح ذلك للشرطة قائلا: "مع هذه -العوامات البدائية- وسط أجسامهم، وهم على بطونهم، يضطرون إلى بذل جهد شاق لإبقاء رؤوسهم فوق الماء، فيتعبون بسرعة، ثم يغرقون." اقرأ أيضافرنسا: ضجة ثقب قارب لمهاجرين في المانش...هل غيرت باريس "عقيدتها" بشأن الهجرة ؟ وفي الخامسة والنصف صباحا، عندما حددت سفينة كورموران موقع القارب المنكوب وباشرت عملية الإنقاذ، كان قد فات الأوان. فمن بين 68 راكبا، لقي سبعة أفغان حتفهم، جميعهم لا يتجاوزون سن الثلاثين. مهرّبون ذوو مهارات عالية تولّت القضية الهيئة الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة (Junalco) التي تتعقب أكبر تجار البشر في فرنسا. ووصلت تعزيزات من ضباط شرطة فرقة مدينة كوكيل للأبحاث المتنقلة (BMR)، ولاحقًا ضباط مكتب مكافحة تهريب المهاجرين غير الشرعيين (Oltim)، لكن، ومثلما هو الحال غالبًا في حوادث غرق "القوارب الصغيرة"، قوبلوا بصمت الناجين . فمن بين ثلاثة وعشرين ناج استقبلهم رجال الإنقاذ البريطانيون، وافق تسعة فقط على الإدلاء بشهاداتهم، ثمانية منهم تستروا على أسمائهم. أما الناجون الستة عشر الذين تم استجوابهم في فرنسا، فكانوا أقل صمتا وتحدثوا عن شابين سودانييْن اثنين وهما حزقيال ت. وإبراهيم أ.، بصفتهما قائدي القارب. ثم حددوا اثنين من الأكراد العراقيين، إدريس ج. وطارق ح.، بصفتهما منظمي عملية العبور. الأول، الملقب بـ"الحاج الكبير" لشيب شعره، "معروف بأنه مهرب رئيسي وهو الذي يتحكم في زمام الأمورمن الألف إلى الياء، أي من نقل المعدات إلى غاية الاستعدادات للصعود على متن القارب"، وفق ما كتبت قاضية التحقيق في أمر الإحالة الذي حصلت عليه فرانس 24. هذا الرجل العراقي، البالغ 45 عاما، متزوج وأب لطفلين، مطلوبٌ بموجب مذكرتي توقيف اثنتين. كما أدانته محكمة مدينة دونكيرك بالسجن خمس سنوات ومنع من دخول الأراضي الفرنسية لاقتحامه حاجزا للشرطة عام 2016 بسيارة مليئة بالمهاجرين. لكن هذا لم يمنعه من العودة إلى فرنسا. وفي هذا الصدد، صرح فلوريان بابو، نائب المدعي العام في المحكمة الإقليمية المتخصصة (JIRS) بمدينة ليل قائلا: "بالنسبة للمهربين الصغار، نستطيع إيقافهم والأمور تسير على ما يرام . أما الآخرون، فيمكنهم العودة دون صعوبة. نشهد تزايدا في أعداد المهربين الذين يُدانون مرة، ومرتين، وثلاث مرات، والذين يظهرون مجددا في ملفاتنا". أثبتوا لي ما تقولونه وسأخبركم إن كنت أنا" لقد أُلقي القبض على إدريس ج. وطارق ح. بالقرب من مستشفى كاليه في اليوم التالي لحادث غرق القرب. وعثرت الشرطة في سيارة إدريس، وهي من طراز أودي كيو 7، على مبلغ 3854 يورو. وقد أنكر أثناء استجوابه في الحجز، تنظيمه لعملية العبور. واكتفى بالقول للمحققين إنه كان في كاليه فقط لمرافقة شقيقه الذي كان يرغب في العبور إلى المملكة المتحدة، ثم التزم الصمت، رافضا منح المحققين رمز هاتفه السري. ولاحظ المحققون أن هذا الرجل "على دراية جيدة بالموضوع"، إذ أجاب قائلا: "أثبتوا لي ما تقولونه، وسأخبركم إن كنت أنا". أما شريكه المزعوم، طارق ح.، وهو لاجئ سياسي في إيطاليا، فالتزم الصمت. لكنه أقر بمعرفته إدريس ج. منذ العراق، حيث كان الأخير يعمل في صفوف الشرطة. اقرأ أيضافرنسا.. حلم عبور المانش إلى بريطانيا يثقل كاهل المهاجرين مع تشديد الرقابة وقسوة الطبيعة ويعود اعتقال إدريس ج. وطارق ح. السريع لكونهما تحت مراقبة السلطات الألمانية منذ عدة أشهر، وذلك في إطار تحقيق فتحه مكتب المدعي العام بمدينة كيل في قضايا مماثلة. وقد وضعت الشرطة الألمانية إدريس ج. تحت التنصت بما في ذلك سيارته أودي كيو 7. بعد إدانته في فرنسا عام 2020، وجد إدريس ج. ملاذا في مدينة كيل الواقعة شمال ألمانيا، حيث كان يستأجر شقة بحديقة ويدّعي العمل في مجال البناء. في الواقع، لم يتخلَّ "الحاج الكبير" عن طموحاته الإجرامية في كاليه. لا سيما وأن عمليات التهريب المتمثلة في "القوارب الصغيرة" شهدت ارتفاعا مذهلا، إذ بلغ عدد عمليات عبور بحر المانش 45 ألف عملية في العام 2022. وفي هذا الشأن، يقول كزافييه ديلريو، مدير مكتب مكافحة تهريب المهاجرين غير الشرعيين "أولتيم": "إنها تجارة مربحة للغاية، إذ يمكن كسب 100 ألف يورو عن كل قارب، لذا عندما يعبر 500 قارب قناة المانش سنويا، فهذا يمثل مبلغا مهما للغاية". وبالنسبة لنائب المدعي العام فلوريان بابو، حتى "تهريب المخدرات لا يُضاهي نجاح ليلة واحدة لمهربي المهاجرين". "يمكنك كسب ما بين 6000 و 7000 يورو شهريا" في بداية العام 2022، أعاد إدريس ج. التواصل مع شركائه السابقين، لكنه اكتشف أن المنافسة تضاعفت في غيابه..."يستيقظ الجميع ويظنون أنهم مهربون، هذا غير ممكن" هكذا صرّح غاضبا عبر الهاتف في 28 أبريل/نيسان 2023. ولاستعادة مكانته، فكر في خطة من ثلاث خطوات: تخريب قوارب الشبكات المنافسة وتعنيف السائقين لبث الرعب وإطلاق النار على المهربين الآخرين. كما حذّر قائلا: "إذا اضطررت لقتل أحد، فسأفعل." وقد حصل إدريس ج على سلاح ناري وتعاون مع مهرب كردي آخر، طارق ح، المعروف أيضا لدى الشرطة بتهريب المهاجرين ومحاولة القتل، والذي سبق له أن قضى عدة أحكام بالسجن. سافر الرجلان، بين مايو/ أيار ويوليو/تموز 2023، إلى منطقة كاليه خمس مرات، لا سيما لتنفيذ مداهمات عقابية ضد منافسيه. وفي 2 يوليو، اعترضت الشرطة الألمانية محادثة تفاخر فيها إدريس ج بـ"تشويه شديد" لوجه أحد المهربين المنافسين. وبعدها بشهر، نجحت استراتيجيته الترهيبية. ولاحظ المحققون أنه "كان راضيا إلى حد كبير عن الوضع الذي آلت إليه العمليات على الأرض [...] فقد سمح له دوره بعدم التدخل والبقاء في الظل أثناء عمليات عبور المهاجرين غير الشرعيين". ومع تراكم الأدلة، وُجهت اتهامات رسمية إلى إدريس ج وطارق ح ووُضعا رهن الحبس الاحتياطي في 16 أغسطس/آب 2023، بتهمة القتل غير العمد والمساعدة على الهجرة غير الشرعية ضمن عصابة منظمة. وعند الاتصال به، أكد محامي إدريس ج، فرانك سيسين، أن موكله "ينفي التهم الموجهة إليه". لكن، ومن زنزانتيهما، واصل الرجلان، اللذان لا يزالان بريئين مفترضين، التفاخر في اتصالات هاتفية مع أفراد عائلتيهما بأفعالهما: "اذهبوا إلى -الغابة-، يمكنكم ربح ما بين 6000 و7000 يورو شهريا إذا بعتم مسافرين"، على حد قول طارق ح، الذي رفض محاميه الإجابة على أسئلة فرانس 24. وقد يكلفهما هذا التفاخر غاليا أمام القضاء. إذ من المقرر أن يمثل الرجلان أمام محكمة باريس ابتداء من الرابع نوفمبر/تشرين الثاني. النص الفرنسي: لويس شاهونو | أعده إلى العربية: فارس بوشية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




