Loading ads...
في وقت ترفع فيه واشنطن الحواجز التجارية تباعاً، تحاول بكين إعادة توجيه دفة تجارتها نحو أوروبا. لكن الطريق إلى القارة العجوز لا يمر فقط عبر الصور الدبلوماسية والزيارات الرسمية، بل عبر مطلب أوروبي واضح: اتركوا اليوان يرتفع مقابل اليورو، لتكون المنافسة عادلة.مؤخراً، حطّ المستشار الألماني فريدريش ميرتس في بكين للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، في أبرز زيارة لزعيم أوروبي منذ التوتر العلني الشهر الماضي بين الاتحاد الأوروبي وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خلفية ملف غرينلاند.كما زار الصين هذا العام كل من رئيس وزراء فنلندا بيتيري أوربو ونظيره الإيرلندي سايمون هاريس، فيما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هناك في ديسمبر الماضي.الرسالة السياسية واضحة، أوروبا تلوّح بإعادة احتضان الصين، بعدما جمدت مجدداً اتفاقاً تجارياً مع ترامب بسبب ضبابية سياسة الرسوم الجمركية الأمريكية ومخاوف أوسع بشأن العلاقات الثنائية. غير أن ما يجري لا يتعلق بالرمزية وحدها، بل بأرقام قاسية على طاولة المفاوضات.الصين هي الشريك التجاري الأكبر لألمانيا، وقد نمت الروابط التجارية بين الجانبين منذ جائحة كورونا، حتى مع تراجع التجارة المباشرة بين واشنطن وبكين. وفي عام 2025، قفز الفائض التجاري الصيني إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار سنوياً. ليثير هذا الاختلال الهائل قلقاً أوروبياً متصاعداً.أحد أبرز مكامن التوتر، كما شدد ميرتس، هو أن أي توسع إضافي في تجارة الاتحاد الأوروبي مع الصين يتعرض لتشويه بسبب ما تعتبره أوروبا تقويماً منخفضاً بشدة للقيمة الحقيقية لليوان مقابل اليورو. وفي فعالية أعمال ألمانية-صينية، شجّع ميرتس الشركات الصينية على الاستثمار في أوروبا، لكنه أشار بوضوح إلى أن ارتفاعاً معتدلاً في اليوان سيُسهّل فتح التجارة من دون حواجز.هل كانت تلك إشارة مبطنة إلى أن البديل هو رفع الحواجز؟ ربما. لكن المؤكد أن الضغوط الأوروبية لا تقتصر على سعر الصرف، بل تشمل شكاوى مزمنة بشأن الدعم الحكومي والإغراق. وفي لقائه مع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، تحدث المستشار عن مخاوف محددة للغاية تتعلق بجعل التعاون أكثر عدالة.السؤال الجوهري: هل سعر صرف اليورو مقابل اليوان مقلق فعلاً إلى هذا الحد؟إذا نظرنا إلى تحركات اليوان مقابل الدولار هذا العام، نلحظ ارتفاعاً ملحوظاً، مع بيع كثيف للدولار محلياً رغم تقارير عن تدخلات بنوك الدولة أواخر العام الماضي لكبح صعود العملة. فقد ارتفع الرنمينبي لتسعة أيام متتالية مقابل العملة الأمريكية، وبنحو 5.5% خلال عام، مسجلاً أقوى مستوياته في نحو ثلاث سنوات.لكن الصورة تختلف أمام اليورو. فعلى مدى عام كامل، بالكاد تغيّر السعر، بل إن مستوى اليورو مقابل يوان يكاد يوازي ما كان عليه عند اندلاع الجائحة قبل ستة أعوام. هذا «الاستقرار» الظاهري هو لبّ الشكوى الأوروبية.فمنذ «كوفيد-19»، تعيش الصين شبه انكماش، مع استقرار أسعار مدخلات المنتجين تقريباً. في المقابل، قفزت الأسعار المماثلة في أوروبا بين 35% و40% تراكمياً. النتيجة: تحسن فعلي في القدرة التنافسية الصينية بالقيمة نفسها تقريباً. وبصيغة أخرى، ورغم انتعاش سعر الصرف الفعلي الحقيقي لليوان خلال العام الماضي، فإنه لا يزال أدنى بنحو 16% مقارنة بما كان عليه قبل أربع سنوات.في دراسة لافتة العام الماضي، رأى الباحث يورغن ماتهيس من المعهد الاقتصادي الألماني أن العجز التجاري الألماني في السلع مع الصين تضاعف نحو أربع مرات منذ 2020، مدفوعاً ب«التباعد الهائل في أسعار المنتجين»، وبارتفاع حقيقي لليورو بنحو 40% مقابل اليوان. وذهب أبعد من ذلك، ملمّحاً إلى احتمال وجود تلاعب بالعملة، مشيراً إلى بيانات توحي بوجود طلب على اليوان بقيمة 125 مليار يورو بين 2020 و2024 لم ينعكس في سعر الصرف.سواء اتفقنا مع هذا التشخيص أم لا، فإن تردد بكين في السماح بتعديل سعر الصرف بما يعكس فجوة التكاليف يعكس اعتمادها المستمر على الصادرات لتحقيق أهداف نمو طموحة، في ظل طلب محلي ضعيف وأزمة عقارية وديمغرافيا ضاغطة.تجد أوروبا نفسها اليوم بين عملاقين اقتصاديين يتنازعان. فالموازنة بين واشنطن وبكين لم تعد ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة استراتيجية. لكن إذا أرادت بروكسل أن تفاوض من موقع قوة، فعليها، كما فعلت واشنطن، أن تضع مسألة «يوان أقوى» بوضوح على طاولة التفاوض. وإلا، فلن يكون لدى بكين أي حافز حقيقي لرفع الغطاء عن عملتها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






