8 أشهر
تحذيرات من الارتفاع "المستدام" للدولار.. ما التوقعات لسعر الصرف في سوريا؟
الخميس، 30 أكتوبر 2025

يشهد سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية ارتفاعًا بطيئًا ولكنه مستمر، متجاوزًا مستويات 12000 ليرة للدولار الواحد في بعض الأحيان، وهو ما دفع خبراء اقتصاديين إلى دق ناقوس الخطر، مؤكدين أن ما يشهده السوق ليس مجرد موجة مضاربات عابرة، بل هو ارتفاع “حقيقي ومستدام” يعكس اختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد النقدي السوري.
وشهد سعر الدولار في سوريا ارتفاعًا ملحوظًا مقابل الليرة، خلال تعاملات، الخميس، في السوق الموازية (السوداء)، حيث سجل سعر عند 11.910 ليرة للشراء، و11.960 ليرة للبيع، بينما أبقى مصرف سوريا المركزي سعر صرف الدولار مقابل الليرة في البنوك عند 11,000 ليرة للشراء، و11,055 ليرة للبيع، وفقًا لآخر تحديث.
ارتفاع الدولار والخلل الإنتاجي
في هذا الصدد، أكد الخبير الاقتصادي ومستشار وزير الاقتصاد والصناعة، جورج خزام، أن هذا النوع من الارتفاع لا يعقبه انخفاض سريع، بخلاف ما يحدث في حالات المضاربة المؤقتة، بل يترجم فجوة حقيقية بين العرض والطلب على العملة الأجنبية.
وأوضح خزام، في تحليل نشره عبر صفحته الرسمية، أن السبب الجوهري وراء هذا التدهور المستمر يكمن في تراجع مستويات الإنتاج المحلي مقابل تزايد الطلب على الدولار لغرض الاستيراد المفرط، دون أن يُقابل هذا الطلب نمو مماثل في المعروض من العملات الأجنبية.
وشدد على أن معظم الدولارات المتداولة في السوق تأتي من التحويلات الخارجية، وليس من عائدات التصدير المستدامة، ما يجعل السوق النقدية عرضة لتقلبات الطلب النفسية أكثر من قدرتها على الاستجابة بالعرض الفعلي.
الحل في الإنتاج المحلي لا في السوق النقدية
يشير خزام إلى أن غياب القدرة على زيادة العرض من الدولار يفرض ضرورة العمل على خفض الطلب عليه عبر ترشيد الاستيراد، موضحًا أن الحل البنيوي لهذه الأزمة يكمن في تحفيز الإنتاج المحلي وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية حتى تحل محل المستوردات، وبذلك يمكن خلق توازن نقدي حقيقي ومستدام.
لكنه يحذر في المقابل من أن تكاليف الاستيراد المنخفضة بفعل الرسوم الجمركية التفضيلية تضعف الصناعة الوطنية وتجعل المنتج المحلي عاجزًا عن المنافسة، ما يعني أن الأسوأ لم يأت بعد في ظل استمرار هذا الاختلال.
وفي الاتجاه نفسه، يوضح الخبير المصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن الأزمة الحالية في سعر الصرف لا يمكن اختزالها في عامل العرض والطلب فقط، بل تتصل بشكل جوهري بانعدام الثقة النقدية.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
أزمة الثقة تضرب الليرة السورية
يرى قوشجي أن سياسة تقييد السيولة التي يعتمدها مصرف سوريا المركزي بهدف كبح التضخم تسهم عمليًا في تقليص التداول بالليرة ودفع الأفراد والمؤسسات إلى التحوط بالدولار، ما يعمّق أزمة الثقة بالعملة المحلية، مشيرًا إلى أن السوق يعاني من أزمة ثقة أكثر مما يعاني من فائض في الطلب على الدولار، حيث فقدت الليرة جزءًا كبيرًا من قدرتها على أداء وظيفتها كوسيط موثوق للتبادل.
الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق الموازية، وإن كانت محدودة ظاهريًا، تعكس اختلافًا جوهريًا في الرؤية بين المصرف المركزي والمجتمع الاقتصادي، إذ لم يعد السوق يثق في البيانات الرسمية لغياب الشفافية ولعدم وجود خطوات عملية تواكب التصريحات حول “ضبط السيولة” أو “استبدال العملة”.
الخبير المصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي
ويضيف أن السعر الحالي للدولار مبالغ فيه جزئيًا، لكنه في الوقت نفسه يعكس مخاوف حقيقية من المجهول النقدي، حيث أصبحت قرارات الأفراد الاستثمارية والاستهلاكية مرتبطة بتوقعات سعر الصرف أكثر من ارتباطها بالأساسيات الاقتصادية.
مخاوف من موجات جديدة للمضاربة
يحذر قوشجي من أن استمرار هذه الحالة من الغموض قد يؤدي إلى موجات إضافية من المضاربة، خاصة في ظل ضعف القدرة المؤسسية للمصرف المركزي على التدخل في السوق، سواء عبر ضخ الدولار أو عبر أدوات الفائدة والسيولة.
ويؤكد أن فعالية هذه الأدوات مشروطة بوجود احتياطي نقدي كافٍ واستقلالية حقيقية للسياسة النقدية، فضلًا عن وجود سردية اقتصادية وطنية واضحة تعيد بناء الثقة بالليرة.
ويلفت إلى أن الشائعات التي ترددت حول نية الحكومة استبدال العملة المحلية أثارت ذعرًا واسعًا بين المواطنين، ودفع الكثيرين لتحويل مدخراتهم إلى الدولار كملاذ آمن، ما زاد من الطلب على العملة الصعبة وأضعف الليرة أكثر، كما أن الاقتصاد غير الرسمي الذي يهيمن على جزء كبير من النشاط التجاري جعل أدوات الرقابة النقدية أقل فاعلية، إذ تجري معظم العمليات خارج النظام المصرفي، ما يحول دون قدرة المصرف المركزي على ضبط السوق بشكل واقعي.
الانعكاس المباشر على حياة السوريين
يربط الخبير المصرفي بين كل ارتفاع جديد في سعر الدولار وبين زيادة مباشرة في أسعار السلع الاستهلاكية، التي تعتمد بنسبة كبيرة على المستوردات، مما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطن وتفاقم معدلات الفقر، مضيفًا أن تراجع قيمة الليرة لا ينعكس فقط في الأسواق، بل في حياة السوريين اليومية، حيث باتت الأجور الشهرية بالكاد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، بينما تستمر موجات الغلاء في تصاعد غير مسبوق.
لا يتجاوز متوسط الراتب الشهري في القطاع العام السوري 850 ألف ليرة، أي ما يعادل نحو 70 دولارًا فقط، وهو مبلغ بالكاد يغطي نفقات أسبوع من الغذاء لأسرة متوسطة.
ويتوقع أن يتجاوز سعر صرف الدولار حاجز 12 ألف ليرة في المدى القريب، مع احتمالية انحدار الليرة إلى مستويات تتراوح بين 15 و20 ألف ليرة للدولار الواحد عند بدء تطبيق إجراءات استبدال العملة، في حال تمت فعلًا.
أزمة داخلية ومطالب بتفعيل دور المركزي
يرى قوشجي أن إنقاذ الموقف يتطلب إعادة تفعيل دور المصرف المركزي في إدارة السيولة وربط السياسة النقدية بالإنتاج الحقيقي وجذب العملات الأجنبية إلى النظام المصرفي، حتى لا يبقى “سوق الظل” هو المتحكم الفعلي في مقدرات الاقتصاد ومعيشة المواطنين.
ويتفق الخبيران أن جوهر الأزمة داخلي بالدرجة الأولى، ويرتبط بتراجع الإنتاج وضعف الثقة والمؤسساتية في إدارة الملف النقدي، في ظل غياب استراتيجية واضحة تعيد بناء الثقة بالليرة.
Loading ads...
وأكدا أن الارتفاع الحالي في سعر الصرف ليس مجرد موجة عابرة، بل تحول هيكلي في مسار الاقتصاد السوري يهدد بتآكل ما تبقى من قيمة العملة الوطنية، ما لم تُتخذ خطوات جادة لإعادة التوازن بين الإنتاج والنقد قبل أن يصبح “الأسوأ” واقعًا فعليًا لا مجرد تحذير.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

