5 أشهر
هل يتذرع بعض السياسيين الفرنسيين بالدفاع عن العلمانية وقيم الجمهورية لاستهداف المسلمين؟
الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

اقترح لوران فوكييه، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب "الجمهوريون" اليميني، في فرنسا، بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، مشروع قانون على الجمعية الوطنية (البرلمان) لحظر ارتداء الفتيات القاصرات للحجاب في الأماكن العامة. كما قدّم أعضاء مجلس الشيوخ من نفس المعسكر (يمين الوسط) مجموعةً من التدابير لمكافحة ما يعتبرونه "تغلغلا إسلامويا"، تستهدف في النهاية، وفق مراقبين، كافة المسلمين. واقترح هؤلاء خصوصا، حظر ارتداء الحجاب حتى من قبل النساء المرافقات للتلاميذ خلال الرحلات المدرسية، وأيضا خلال المسابقات الرياضية بما في ذلك عند فئة الهواة، وكذلك حظر صيام شهر رمضان وارتداء الحجاب لمن هم دون سن 16 عاما.
بطلة رفع الأثقال الفرنسية سيلفي إيبيرينا مرتدية الحجاب خلال جلسة تصوير في مانت لا جولي على مشارف باريس في 26 مارس/آذار 2025. © أ ف ب/أرشيف.
لكن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أبدى معارضته للمقترح المقدم في البرلمان لمنع القاصرات المسلمات من ارتداء الحجاب. وصرح نونيز، قائد شرطة باريس السابق الذي عُين وزيرا للداخلية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي خلفا لسلفه المتشدد من حزب "الجمهوريون" برونو روتايو: "هذا المقترح يصم بشدة مواطنينا المسلمين الذين قد يشعرون بالأذى. أنا لا أدعم هذه الصيغة". اقرأ أيضاالمفكر الإسلامي غالب بن الشيخ: العلمانية غير مهددة اليوم في فرنسا والدولة يجب أن تضمن أمن الجميع في الحقيقة، تُجسد نهاية 2025، مثالا جديدا على جدلٍ سياسيٍ لطالما تكرر في فرنسا، ولا يزال يُغذّيه مثل هذا التركيز على الإسلام من قبل سياسيين، يقوضّون بذلك أصلاً مبادئ العلمانية نفسها. تزامن كل ذلك، مع تسجيل ارتفاع في الأعمال المعادية للمسلمين في فرنسا بنسبة قياسية بلغت 75 بالمئة مقارنة مع العام السابق، مع تضاعف الهجمات على الأفراد ثلاث مرات، وفق وزارة الداخلية.
مدخل مسجد الإصلاح في مونتروي، سين سان دوني، على مشارف باريس، في 9 سبتمبر/أيلول 2025، بعد اكتشاف رؤوس خنازير عند مدخل المبنى صباح اليوم نفسه. © أ ف ب
مشاريع قوانين "تستهدف دينا واحدا فقط" في الواقع، فإن المقترحات السبعة عشرة التي ينادي بها "الجمهوريون"، وتحظر ممارسات وشعائر دينية لفرنسيين مسلمين، تتعارض أساسا مع قانون العلمانية لعام 1905، الذي يكفل لكل مواطن حرية الديانة، مثلما هو الحال بالنسبة لحرية التعبير المرتبطة بحرية المعتقد نفسها. وتنص المادة 1 من قانون 9 ديسمبر/كانون الأول 1905 على أن "الجمهورية تضمن حرية المعتقد. وتضمن حرية العبادة في ظل القيود المذكورة لاحقا فحسب، والتي تصبّ في صالح النظام العام". يأسف نيكولا كادين، المقرر العام السابق لمرصد العلمانية في فرنسا والمؤسس المشارك لمؤسسة "مراقبة العلمانية"، بقوله: "لا تستهدف مقترحات 'الجمهوريون' سوى دين واحد فحسب، فئة واحدة من الفرنسيين ولا تطبق نفس القواعد على الديانات الأخرى. هي لا مساواة في المعاملة تتعارض مع مبدأ المساواة. نحن نرى حاليًا في فرنسا تهوينًا لظاهرة استغلال العلمانية". يظن نواب حزب 'الجمهوريون' أن مثل هذه الإجراءات ضرورية لمكافحة التطرف الإسلاموي، بما في ذلك ارتداء "الحجاب للفتيات الصغيرات"، واصفين الحجاب بأنه "مثالٌ على الفصل العنصري الجنسي". وهم يدعمون موقفهم هذا من خلال تقرير حول جماعة 'الإخوان المسلمون' والإسلام السياسي في فرنسا، كانت طلبت الحكومة إصداره وتم نشره في مايو/أيار الماضي، أشار إلى 'تهديد للتماسك الوطني' مع تنامي ظاهرة الإسلاموية "من القاعدة" وعلى مستوى البلديات، وأشار خصوصا إلى زيادة هائلة وجلية في عدد الفتيات اللواتي يرتدين الحجاب". في المقابل، يرى المنتقدون، أن هذا التقرير يُظهر توجها متزايدًا لاستهداف المسلمين بشكل عام، وليس فقط الإسلاميين. يُقدر عدد المسلمين في فرنسا بخمسة ملايين نسمة من عدد سكان إجمالي مقدر بحوالي 68 مليون نسمة. الربيع الجمهوري و"العلمانية النضالية" بالنسبة إلى المسلمين في فرنسا، يتعلق الأمر بهجوم جديد على معتقدهم. في هذا السياق، وجّه قادة دينيون مسلمون وممثلون عن الجالية ونشطاء، غداة صدور التقرير، رسالة مفتوحة إلى رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، عضو حزب "الجمهوريون"، أبدوا فيها "قلقهم" حيال "الوصم" المتكرر لمسلمي البلاد. وقال الموقعون، ومنهم نجاة بن علي (تنسيقية الجمعيات الإسلامية في باريس)، باسيرو كامارا (جمعية الدفاع ضد التمييز والأعمال المعادية للمسلمين)، وعبد النور باستيانيلي (المجلس الوطني للمجالس الدينية الإسلامية)، في نفس الرسالة: "هذا التقرير جزءٌ من نمطٍ أصبح مألوفا للأسف بالنسبة إلى ملايين المواطنين الفرنسيين المسلمين، وهو استغلالٌ سياسيٌ ممنهج لشعائرهم الدينية".
ضباط الشرطة الفرنسية أمام المسجد الكبير في باريس. فرنسا في 5 مايو/أيار 2025. © أ ف ب/أرشيف.
على أي حال، لم يخترع لوران فوكييه و"الجمهوريون" من ورائه حالة جديدة في السياسة الفرنسية. فقد كان اليمين المتطرف سباقا إلى استخدام مثل هذا التكتيك. حتى إن مارين لوبان، وفي سعيها لتلميع صورة حزبها التجمع الوطني، استخدمت هي الأخرى العلمانية لاستهداف المسلمين بدلًا عن المهاجرين، لكن مع الحديث عن نفس الفئة السكانية. اقرأ أيضاالانتخابات التشريعية الفرنسية 2024: ما هي اقتراحات الأحزاب بخصوص ملف الهجرة والعلمانية؟ وكانت اعتداءات 2015 ضد أسبوعية شارلي إيبدو وهجمات 13 نوفمبر/تشرين الثاني من نفس السنة، نقطة تحول هامة. يتذكر نيكولا كادين، الذي كان أيضا مرشحا سابقا عن تحالف الجبهة الشعبية الجديدة (اليسار) في منطقة غارد خلال الانتخابات التشريعية لعام 2024: "كانت لحظة ارتباك كبير، فقد استغل العديد من القادة السياسيين الخوف المشروع من الإرهاب الإسلاموي لتبرير إجراءات تقيد الحريات ضد قسم من السكان". في ذلك السياق، تم تأسيس "الربيع الجمهوري"، جمعية "تهدف إلى تعزيز الصالح العام والعلمانية في المشهد السياسي الفرنسي" والدعوة إلى "علمانية نضالية". وكان هذا التيار الفكري ممثلاً عبر شخصيات إعلامية مثل كارولين فوريست، إليزابيث بادينتر، ورافائيل إنثوفن، واتخذ موقفا حازما حيال فكرة التعايش مع الإسلام. كان لهذا التيار بالغ التأثير خلال العهدة الرئاسية الأولى لإيمانويل ماكرون (2017-2022). خطابٌ يؤدي إلى نتائج عكسية! واستفاد هذا التيار، من نوع من تبادل للأدوار بين الشخصيات النافذة داخل الحكومة. حيث دافع جيرالد دارمانان عن قانون مكافحة الانفصالية، وقال جان ميشال بلانكر من جانبه إن "الحجاب غير مرغوب فيه في مجتمعنا" مشيرا إلى "خراب" سببته "اليسارية الإسلامية" في الجامعات وفقا له، فيما ألغت مارلين شيابا مرصد العلمانية الذي كان يتبنى تفسيرا ليبراليًا لقانون 1905، ولم يتأخر غابرييل أتال فور تعيينه على رأس وزارة التربية الوطنية في حظر ارتداء العباءة بالمدارس. ومنذ حل البرلمان عام 2024 وعودة "الجمهوريون" إلى الحكومة، بات برونو ريتيلو ولوران فوكييه يتوليان نشر هذا الخطاب الهجومي على الإسلام في فرنسا. اقرأ أيضافرنسا: حزب ماكرون يعتزم منع القاصرات من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة يلحظ نيكولا كادين أن تصاعد التصريحات المنتقدة لفكرة التعايش بين الإسلام والجمهورية الفرنسية، تحت ذريعة الدفاع عن العلمانية وقيم الجمهورية، باتت أيضًا تمر عبر وسائل الإعلام. وهو يقول في هذا الصدد إن "كل هذه الآراء التي لم تكن شائعة في السابق عبر وسائل الإعلام الرئيسية، باتت اليوم شائعة. فبغض النظر عن سي نيوز والتي تعتبر قناة رأي، باتت تلك الآراء متداولة في كل مكان، بما في ذلك الإعلام العمومي. علينا أن نتساءل بشكل جماعي حول مسؤولياتنا. لكن لن يكون ذلك سهلًا".
لعرض هذا المحتوى من اليوتيوب من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات اليوتيوب.
يبدو أن إحدى التطبيقات الموجودة في متصفح الإنترنت الذي تستخدمه تمنع تحميل مشغل الفيديو. لتتمكن من مشاهدة هذا المحتوى، يجب عليك إلغاء استخدامه.
فيديو: التطور التاريخي لإرساء مبدأ العلمانية في فرنسا © France 24
01:59
Loading ads...
ناهيك عن كون الخطاب والمقترحات السياسية التي تستهدف المسلمين "تؤدي إلى نتائج عكسية"، حسبما قال نيكولا كادين خبير العلمانية، الذي قال: "هي لا تؤدي سوى إلى تعميق انطواء هذه الفئة على نفسها، لأنها تشعر بأنه تم إقصاؤها من الفضاء العام. يستغل دعاة الخطاب المتطرف مثل هذه التصريحات، بما يوفر لهم من ذريعة للحديث عن التمييز" الذي يعاني منه المسلمون في فرنسا. في هذا السياق، لم تكن نتائج الاستطلاع الذي أجراه معهد ifop إيفوب بطلب من مسجد باريس الكبير في صيف 2025 مفاجئة. فقد كشفت عن أن 82 بالمئة من المسلمين في فرنسا يعتقدون أن الكراهية تجاههم باتت ظاهرة منتشرة على نطاق واسع، فيما اعتبر 81 بالمئة منهم أنها اتخذت منحى تصاعديا متفاقما في السنوات العشر الماضية. كفاءات مسلمة تغادر فرنسا بسبب "التمييز" تحقيقٌ آخر نشر العام الماضي، تحت عنوان "فرنسا، تحبها لكنك ترحل عنها"، كشف عن هجرة المزيد من الفرنسيين المسلمين إلى الخارج، وهم غالبا من حملة الشهادات والمؤهلات العالية، للعيش في بريطانيا وكندا والولايات المتحدة ودبي، أو في الدول المغاربية، بسبب "التمييز" الذي يتعرضون له. اقرأ أيضا"فرنسا، تحبها ولكنك ترحل عنها"... لماذا يختار مسلمون ذوو كفاءات عالية المنفى؟ كذلك، كشف استطلاع أجراه معهد "إيبسوس" لجريدة لوموند في 2013، بأن 74 بالمئة من الفرنسيين يرون بأن الإسلام "لا يتوافق" مع مبادئ وقيم الجمهورية العلمانية، وأن أكثر من نصف الفرنسيين يعتبرون بأن قسما من المسلمين بفرنسا هم متطرفون، بدون أن يقدم الاستطلاع توضيحات أو أمثلة حول ما يحمله مصطلح التطرف من معانٍ. للإشارة، فوفق تشريعات فرنسا، الدولة العلمانية وفق دستورها، لا يجوز للموظفين الحكوميين والمعلمين والتلاميذ، ارتداء أي رموز دينية واضحة مثل: الصليب، القلنسوة اليهودية، عمامة السيخ، أو الحجاب، داخل المباني الحكومية، بما فيها المدارس العامة. النص الأصلي بالفرنسية، أعده إلى العربية بتصرف: أمين زرواطي
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




