يُعيد تأخر صرف رواتب المتقاعدين في سوريا إلى الواجهة مجددًا إشكاليات عميقة تعاني منها المنظومة المالية والمصرفية في البلاد، في وقت تُعد فيه هذه الرواتب مصدر الدخل الأساسي، وأحيانًا الوحيد، لعشرات الآلاف من الأسر.
هذا التأخير، الذي تكرر خلال الأشهر الأخيرة، لم يعد يُنظر إليه كخلل عابر أو تقني، بل بات يعكس أزمة بنيوية تتقاطع فيها عوامل السيولة والإدارة والبنية المصرفية التقليدية مع الضغوط الاقتصادية العامة.
تبريرات رسمية وضغوط متراكمة
من جهتها بررت المؤسسة السورية للبريد، تأخر صرف رواتب المتقاعدين ورواتب التأمينات الاجتماعية، الذي يجري عادة في مطلع كل شهر، بسبب عدم تسلّم الكتل المالية والجداول الرسمية من الجهات المختصة في موعدها المعتاد.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن تأخر صرف رواتب المتقاعدين خلال الشهر الجاري يمثل مؤشرًا واضحًا على عمق التحديات التي تواجه النظام المالي في سوريا، ويكشف عن اختلالات متراكمة في إدارة السيولة والقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية ضمن المهل الزمنية المحددة.
ويؤكد خلال منشور له على منصة “فيسبوك” أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن طبيعة عمل المصارف الحكومية، التي ما تزال تعتمد بشكل كبير على إجراءات تقليدية وبيروقراطية، تُبطئ من وتيرة تنفيذ العمليات المالية وتُقيد مرونتها في التعامل مع حالات الضغط النقدي.
بيروقراطية وشح سيولة
يُشير عمر إلى أن الاعتماد المفرط على المعاملات الورقية وسلاسل الموافقات الإدارية الطويلة، إلى جانب شح السيولة النقدية وتراجع المخزون المتوافر لدى المصارف، يُضاعف من تعقيد عملية الصرف، ويحدّ من قدرة الجهات المعنية على الاستجابة السريعة لاحتياجات شريحة واسعة من المواطنين، ولا سيما المتقاعدين.
وأفاد بأن هذه الفئة تعتمد بشكل شبه كامل على رواتبها الشهرية لتأمين الاحتياجات الأساسية، من غذاء ودواء وإيجارات، ما يجعل أي تأخير، ولو لبضعة أيام، ذا أثر مباشر وقاسٍ على مستوى معيشتها.
ولا يقف التأخير عند حدود الإجراءات المصرفية فقط، بل يتقاطع مع ضغوط أوسع تتعلق بإدارة المالية العامة، وتذبذب التدفقات النقدية، وتحديات تأمين السيولة اللازمة لتغطية كتلة الرواتب في مواعيدها.
انعكاسات اجتماعية ونفسية
كما أضاف عمر أن محدودية قنوات الصرف، والضغط الكبير على نقاط الدفع المتاحة، تلعب دورًا إضافيًا في إبطاء العملية، رغم الجهود التي تبذلها المؤسسة السورية للبريد لمتابعة ملف الصرف وضمان وصول المستحقات بأسرع وقت ممكن.
غير أن هذا الحرص، وفق عمر، لا يلغي حقيقة أن التأخير، حتى وإن كان خارج إرادة المؤسسة، يترك انعكاسات اجتماعية واقتصادية لا يمكن التقليل من شأنها.
وأكد أن تأثير تأخر الرواتب يمتد إلى ما هو أبعد من الجانب المعيشي المباشر، ليطال الاستقرار الاجتماعي والنفسي لفئة المتقاعدين، الذين يواجهون أصلًا ضغوطًا معيشية متزايدة في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتآكل القوة الشرائية للدخل الثابت، موضحًا أن غياب اليقين بشأن موعد استلام الراتب يُفاقم من شعور القلق وعدم الأمان، ويُضعف الثقة بالمنظومة المالية ككل، خصوصًا عندما يتكرر المشهد دون حلول جذرية واضحة.
الحاجة إلى إصلاحات جذرية
يرى الباحث الاقتصادي أن هذا الواقع يُبرز الحاجة الملحّة إلى الانتقال من إدارة الأزمات بأسلوب ردّ الفعل إلى تبنّي مقاربة إصلاحية شاملة، تقوم على تحديث أنظمة التحويل المالي، وتوسيع الاعتماد على التقنيات المصرفية الحديثة، بما يخفف من الاعتماد على النقد ويُسرّع عمليات الصرف، معتبرًا أن تطوير البنية التحتية الرقمية لم يعد خيارًا ثانويًا أو ترفًا إداريًا، بل شرطًا أساسيًا لضمان كفاءة العمليات المصرفية واستدامتها.
وفيما تتجه الأنظار إلى الإجراءات التي أعلنتها وزارة المالية مؤخرًا، ولا سيما رفع سقوف السحب النقدي، وتوسيع نقاط الصرف وربطها إلكترونيًا، يصفها عمر بأنها خطوات إيجابية من حيث المبدأ، لكنها تبقى محدودة الأثر ما لم تُنفّذ بسرعة وكفاءة على أرض الواقع.
ويشدد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القرارات بحد ذاتها، بل في القدرة على تحويلها إلى منظومة عمل متكاملة، تُوازن بين إدارة الاحتياطيات النقدية وتلبية الاحتياجات اليومية للمواطنين، بما يمنع تكرار أزمات تأخر الرواتب، ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي، خاصة للفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها المتقاعدون.
أرقام الزيادة وعبء الكتلة المالية
يشار إلى أنه في شهر آب الماضي، أعلن المدير العام للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، حسن خطيب، أن المؤسسة أنهت تنفيذ المرسوم رقم 103 لعام 2025، الذي نصّ على زيادة بنسبة 200 بالمئة على المعاشات التقاعدية.
أوضح خطيب في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا)، أن الكتلة الإجمالية لرواتب المتقاعدين بعد تطبيق الزيادة بلغت 423 مليار ليرة سورية، مشيرًا إلى أن عدد المستفيدين من هذه الزيادة بلغ 475,994 متقاعدًا.
Loading ads...
وكان الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع قد أصدر، في 22 حزيران الماضي، المرسوم رقم 103 لعام 2025، والذي قضى بمنح أصحاب المعاشات التقاعدية المشمولين بقوانين التأمين والمعاشات والتأمينات الاجتماعية النافذة زيادة بنسبة 200 بالمئة من المعاش التقاعدي النافذ بتاريخ صدور المرسوم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





