ساعة واحدة
الوجود العسكري الأجنبي في سوريا.. تحولات وظيفية وتوازنات جديدة
السبت، 16 مايو 2026

لم يعد الوجود العسكري الأجنبي في سوريا، يقاس بعدد القواعد، أو حجم القوات المنتشرة على الأرض فقط، بل بطبيعة الدور الذي تؤديه هذه القواعد، ضمن التوازنات الجديدة التي تشكلت في البلاد بعد أكثر من عقد على الحرب.
مع التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا، منذ أواخر عام 2024، تغيرت وظيفة كثير من أشكال الحضور الخارجي، من الانتشار الواسع المرتبط بإدارة العمليات العسكرية المباشرة، إلى تمركزات تهدف إلى الحفاظ على النفوذ، وإدارة الردع، والتأثير في مسارات التفاهمات الإقليمية والدولية.
وخلال سنوات الحرب، تحولت سوريا إلى واحدة من أكثر ساحات النفوذ الخارجي تعقيداً في المنطقة، مع وجود عسكري أميركي، وروسي، وتركي، وإيراني، تداخلت فيه الأهداف الأمنية والاستراتيجية والسياسية، وأنتج خريطة سيطرة شديدة التشابك.
يبدو المشهد الحالي مختلفاً؛ فالولايات المتحدة أنهت عملياً وجودها العسكري المباشر داخل سوريا، بعد انسحابها، هذا العام، من قواعد رئيسية في شمال شرقي البلاد والبادية، بينما قلصت روسيا انتشارها الواسع إلى تمركز شبه حصري في الساحل السوري.
ولا تزال تركيا تحافظ على حضور عسكري واسع شمال البلاد، ضمن مناطق نفوذ ممتدة من ريف حلب حتى تل أبيض ورأس العين وأجزاء من إدلب، بالتوازي مع تفاهمات أمنية متزايدة مع دمشق، في حين وسّعت إسرائيل وجودها العسكري جنوب سوريا، عبر نقاط وقواعد لوجستية متحركة عقب سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد.
يرى الخبير العسكري والاستراتيجي عبد الله الأسعد، أن ما يجري في سوريا لا يقتصر على تبدل أماكن انتشار القوات الأجنبية، بل يشير إلى تحول في طبيعة الوظيفة نفسها. وفق قراءته، فقد انتقل الوجود العسكري الخارجي من مرحلة "التموضع القتالي" إلى مرحلة "التموضع المنضبط سياسياً وأمنياً"، ضمن حدود جديدة تفرضها الدولة السورية.
ويضيف الأسعد، أن أبرز ما يميز المرحلة الحالية هو تراجع فكرة السيطرة العسكرية المباشرة لصالح نمط جديد يقوم على "إدارة النفوذ منخفض الكلفة"، مشيراً إلى أن القوى الخارجية لم تعد تبحث عن تمركز واسع أو تمدد ميداني، بقدر ما تسعى إلى الحفاظ على حضورها السياسي والأمني بأقل تكلفة ممكنة، وبعلاقة أكثر مباشرة مع مؤسسات الدولة، بدلاً من الاعتماد على الأذرع غير النظامية أو التفويض غير المباشر الذي كان حاضراً في سنوات الحرب الأولى.
الوجود الأميركي في سوريا، انتقل خلال السنوات الماضية من مرحلة الانتشار العسكري المباشر ضد تنظيم "داعش" إلى شبكة مواقع معظمها في شمال شرق البلاد وفي البادية، قبل أن يتراجع هذا الحضور تدريجياً مع إخلاء قواعد رئيسية خلال الأشهر الماضية.
ويرى الأسعد أن التفاهمات الأخيرة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" ساهمت في تقليص مساحة التداخل العسكري الخارجي في شمال شرق سوريا، مشيراً إلى أن قنوات التواصل السابقة بين "قسد"، وعدد من القوى الدولية منها الولايات المتحدة، لم تعد تعمل بالشكل نفسه الذي كان قائماً خلال سنوات الحرب.
ومع أن الانسحاب الأميركي خفّض مستوى الوجود العسكري المباشر، فإن واشنطن لا تزال حاضرة سياسياً وأمنياً عبر ترتيبات مرتبطة بملفات مكافحة تنظيم "داعش" والتفاهمات الخاصة بشرق سوريا.
اختارت روسيا خفض انتشارها الكبير في سوريا مع التمسك بالقواعد الأساسية. ويقول المحلل السياسي الروسي، ديميتري بريجع، إن بقاء موسكو في "حميميم" و"طرطوس" ليس تفصيلاً عسكرياً، بل هو أساس الوجود الروسي في سوريا.
ويشرح بريجع، أن موسكو قد تتخلى عن المواقع الثانوية أو نقاط الانتشار الداخلية، لكنها لا تستطيع بسهولة التخلي عن "حميميم" و"طرطوس"؛ لأنهما تمثلان العمق الحقيقي للاستراتيجية الروسية في البلاد. فـ"حميميم"، بحسب وصفه، هي "مركز القوة الجوية الروسية" في سوريا، لا بوصفها مجرد قاعدة تشغيل للطائرات، بل باعتبارها مركزاً للردع والاستطلاع والنقل العسكري وإدارة العمليات وحماية الوجود الروسي نفسه.
وأشار بريجع، إلى أن الاتفاق الخاص بـ"حميميم" وُقع في دمشق في 26 أغسطس 2015، ثم صادقت عليه المؤسسات الروسية في أكتوبر 2016، ونص على نشر المجموعة الجوية الروسية في قاعدة "حميميم" في محافظة اللاذقية لمدة غير محدودة، دون مقابل مادي، لافتاً إلى أن هذا يعني أن موسكو بنت وجودها الجوي في سوريا على أساس قانوني طويل الأمد، لا على ترتيبات عسكرية مؤقتة.
أما طرطوس، فيصفها بريجع بأنها "البعد البحري للاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط"، لأنها تمنح موسكو حضوراً مباشراً في البحر المتوسط، وتوفر لها موقعاً بحرياً حساساً على خطوط التجارة والطاقة. ويؤكد أن القاعدتين تشكلان معاً "ثنائية عسكرية متكاملة"، تقوم على تمركز جوي في "حميميم"، وحضور بحري في طرطوس، معتبراً أن روسيا "من دونهما تصبح لاعباً دبلوماسياً عادياً" في سوريا، بينما يمنحها بقاؤهما أدوات ضغط وتمركز وقدرة على التدخل المحدود.
ويضيف بريجع، أن العلاقة الجديدة مع دمشق لم تعد تشبه العلاقة القديمة مع النظام السابق، التي كانت تقوم على معادلة واضحة: حماية سياسية وعسكرية مقابل قواعد ونفوذ وعقود. معتبراً أن العلاقة مع الحكومة السورية الجديدة، بحسب وصفه، أصبحت أكثر تعقيداً؛ لأنها "لا تحمل الذاكرة السياسية نفسها تجاه موسكو"، ما يدفع روسيا إلى إعادة تقديم نفسها كشريك في ملفات التوازن الإقليمي والطاقة وإعادة الإعمار، لا كقوة فرضت نفسها على الأرض.
في الشمال، تبدو تركيا أكثر تمسكاً بموقعها العسكري، لكنها أيضاً تتحرك ضمن حسابات قابلة لإعادة الصياغة، فبحسب الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية، طه عودة أوغلو، لا تزال المقاربة التركية محكومة باعتبارات الأمن القومي، رغم التفاهمات الأخيرة بين دمشق و"قسد".
ويضيف عودة أوغلو أن المقاربة التركية لم تتغير حتى الآن، وأن أنقرة ما زالت تدفع باتجاه "تفكيك البنية الأمنية والعسكرية لقسد" في شمال سوريا، لكن ذلك لا ينفي وجود تناغم واضح بين دمشق وأنقرة في المرحلة الأخيرة، تُرجم في الزيارات والتفاهمات والاتفاقات العسكرية المتبادلة. واعتبر أن هذا التناغم يرتبط أيضاً بوحدة الأراضي السورية، ومنع أي تشكيلات مسلحة أو انفصالية في الشمال.
وتبقى النقطة الأهم في هذا المسار، هي أن الوجود التركي، رغم ثباته النسبي، لم يعد يُقرأ باعتباره وجوداً نهائياً، بل وجوداً مرهوناً بالتطورات الأمنية والسياسية. فأنقرة، كما يشير عودة أوغلو، قد تعيد تقييم حضورها تدريجياً "في حال زال التهديد"، وتلقت تطمينات واضحة من دمشق بعدم السماح بوجود أي جهة تمثل خطراً على الأمن القومي التركي.
في الجنوب السوري، لا يبدو المشهد أقل حساسية، حيث يرى خالد خليل، الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية، أن إسرائيل تعاملت مع سقوط النظام السابق بوصفه "تحولاً استراتيجياً مقلقًا"، ما دفعها إلى تبني مقاربة عسكرية "أكثر اندفاعاً". ويقول خليل إن إسرائيل شنت خلال الساعات الأولى لسقوط النظام واحدة من أوسع عملياتها العسكرية داخل سوريا منذ عام 1967، وهي عملية "سهم باشان"، التي استهدفت تدمير جزء كبير من البنية العسكرية السورية.
ويشير خليل إلى أن السلوك الإسرائيلي بعد حرب غزة وهجمات 7 أكتوبر 2023، بات مرتبطاً بتوجهات اليمين المتطرف ومحاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، احتواء أزماته الداخلية عبر تصدير التوتر إلى الخارج. ويرى أن ما يجري في الجنوب السوري يعكس أيضاً تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية نحو إنشاء "أحزمة أمنية" خارج الحدود لمنع أي تهديدات محتملة.
كما يلفت إلى أن إسرائيل قدمت خلال الأشهر الماضية عدة مبررات لتوسيع تحركاتها داخل سوريا من بينها التخوف من صعود "نظام إسلامي"، أو تنامي النفوذ التركي، أو حماية الأقليات، لكن خليل يعتبر أن "هذه الذرائع لا تنسجم مع تقديرات العديد من دوائر صنع القرار والدراسات الأمنية داخل إسرائيل نفسها".
ويضيف أن "إسرائيل تنظر بقلق متزايد إلى تنامي النفوذ التركي داخل سوريا، خصوصاً مع تصاعد التنسيق بين دمشق وأنقرة"، معتبراً أن الساحة السورية تحولت إلى إحدى أبرز ساحات "التنافس الإسرائيلي- التركي" في المنطقة.
وفي المقابل، يرى أن المقاربة الإسرائيلية الحالية تدفع عملياً نحو زيادة النفوذ التركي، في ظل اعتماد دمشق سياسة تقوم على الانفتاح الإقليمي، مع التشديد في الوقت نفسه، على رفض أي مساس بالسيادة السورية. ويقول إن الإدارة السورية الجديدة حاولت منذ البداية تقديم "مقاربات واقعية ومرنة" تقوم على منع استخدام الأراضي السورية كمنصة تهديد لأي طرف، بالتوازي مع العمل على فرض سلطة الدولة وضبط السلاح داخل البلاد.
Loading ads...
وبشأن مستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري، يرجّح خليل أن تتجه الأمور في نهاية المطاف نحو "اتفاق أمني" برعاية أميركية، خصوصاً أن واشنطن تدفع بهذا الاتجاه ضمن رؤيتها لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. لكنه يعتبر أن هذا المسار يصطدم بـ"التعنت الإسرائيلي" والحسابات السياسية المرتبطة بنتنياهو الذي يستخدم، وفق تعبيره، الملف السوري كورقة داخلية وإقليمية في آن واحد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
