3 أشهر
بين التطوير وحماية التراث.. صيانة سقف سوق الحميدية التاريخي تثير الجدل
الجمعة، 30 يناير 2026
أثار قرار صيانة أو تغيير سقف سوق الحميدية في دمشق مخاوف واسعة بين أصحاب المحال وسكان الحي، مع اتساع الجدل حول طبيعة التدخل المقترح وانعكاساته المحتملة على هوية السوق وبنيته التاريخية.
فبالنسبة لأهالي الحميدية لا يتعلق الأمر بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة، ما جعل الأمر يتحول سريعًا من إجراء تقني إلى قضية تمس جوهر الحفاظ على التراث.
سقف الحميدية يعبر عن التاريخ
أوضح خالد المبيض، أحد أصحاب المحال في سوق الحميدية ووريث المحل الذي يعود إلى أجداده، لموقع تلفزيون سوريا أن الخلاف الحالي حول أعمال الصيانة لا يتعلق بتعطيل العمل، مشيرًا إلى أنهم تقبلوا سابقًا تغييرات مختلفة في السوق دون اعتراض.
وقال " بتذكّر أن أجدادنا قالوا إنه آخر تجديد للسقف يعود إلى عام 1915"، مشددًا على أن هناك أولويات أخرى للصيانة، مثل تحسين الصرف الصحي، وترتيب السيالات، والدهان، وإبراز المعالم الأثرية، والتي تعتبر أهم من تغيير السقف.
وأشار إلى أن المشكلة تكمن في طبيعة السقف التقليدي والتاريخي، حيث يؤدي تجمع مياه الأمطار وتسربها إلى تشقق الجدران وتمزقها، وهي أضرار يصعب إصلاحها لاحقًا.
وأضاف أن اعتراضهم على تغيير السقف يهدف إلى الحفاظ على هوية السوق التاريخية، وليس رفضًا للتطوير.
وأكد المبيض أنهم لا يمانعون أعمال الصيانة، لكنهم يطالبون بحلول تقنية تحمي السوق، مثل إنشاء مَجارٍ مخصصة لتصريف مياه الأمطار بدلاً من استبدال السقف بالكامل.
كما تساءل عن سبب تغيير السقف الحالي، خصوصًا أنه يحتوي على فتحات تاريخية تعود إلى فترات قديمة، معتبرًا أن المساس بها يهدد القيمة التاريخية للسوق، الذي يوصف بأنه أقدم مركز تجاري مغطى في العالم.
وختم المبيض رسالته بدعوة المحافظ والجهات المعنية للحفاظ على تراث المدينة، والعمل على تطوير محيط السوق ليصبح منطقة سياحية أفضل، عبر منع دخول السيارات، وتسهيل حركة السياح، وتنظيف الطرقات، وتخضيرها، وتحسين البنى التحتية لدعم السياحة الوطنية.
"السقف جزء منا ولوحة أثرية"
يتفق سمير الدغري (55 عامًا)، أحد أبناء سوق الحميدية في دمشق، مع جاره خالد وقال “هذه الحيطان تبن، والتبن يصعب ترميمه، ولهذا طالبنا بتحسين وضع محيط السقف فقط، لتفادي تلف الجدران، دون المساس بالبنية الأصلية”.
وأضاف الدغري، الذي عاش في السوق أكثر من خمسين عامًا “نحن كأبناء هذا المكان، ضد أي تعديل قد يغير ملامح السوق الذي تعرض لأنظمة متعددة عبر الزمن، نفرح به فعليًا عندما نرى الشمس والمطر يتسللان عبر فتحات السقف، فذلك جزء من ذاكرتنا التاريخية”.
وتابع “لكن حين يُقترح استبدال السقف بلوح صاج أو مواد حديثة، نشعر وكأن المكان يتغير بالكامل، وكأن العالم الذي نعرفه يُستبدل بآخر غريب عنا، هذا تحديدًا ما نرفضه”.
وأكد الدغري أن “مطالبنا لم تكن رفضًا للصيانة، بل تقديم حلول تحافظ على السقف كجزء أصيل من المدينة القديمة، مثل إنشاء مَجارٍ لتصريف مياه الأمطار حوله، بدل تغييره أو العبث ببنيته، هذا السقف ليس مجرد تفصيل تقني، بل يحمل ذاكرة وتاريخ المكان”.
وأشار إلى أن “سوق الحميدية ليس مجرد سوق، بل مكان له قدسية خاصة لذلك، لا يجوز فتح ثقوب في جدرانه أو العبث بسقفه، نحن عمليًا أسهمنا في إظهار المعالم الأثرية عند إعادة تبليط السوق وكشف الأعمدة التاريخية، وليس طمسها”.
واختتم الدغري حديثه بالقول “التطوير الحقيقي لا يكون بتغيير الحجر أو السقف، بل بحماية المكان، ومنع السيارات من محيطه، وتحويله أكثر للمشاة، وتنظيم الإعلانات والإذاعات، وتحسين الخدمات من دون المساس بجوهر السوق.
الحميدية بين الترميم والهوية
يثير مشروع صيانة سقف سوق الحميدية في دمشق نقاشًا واسعًا بين التجار والجهات المعنية، في ظل مخاوف تتعلق بطبيعة التدخل المقترح وانعكاساته على الهوية التاريخية لأحد أقدم أسواق المدينة.
أكد سمير بكداش، مسؤول لجنة سوق الحميدية، أن خصوصية السوق تنبع من موقعه التاريخي والديني.
وقال بكداش لموقع تلفزيون سوريا إن التجار لا يعارضون مبدأ التطوير أو الترميم، شريطة أن يستند إلى فهم عميق لطبيعة المكان، وأن يُنفذ بالشراكة مع أصحاب السوق، وبما يحافظ على هويته التاريخية.
وأوضح أن لجنة السوق تقدمت بطلب رسمي إلى مديرية دمشق القديمة ومكتب “عنبر” لصيانة السيّالات المطرية في السقف، وبعد الكشف الهندسي واستخدام الطائرات المسيّرة، تبيّن أن المطلوب هو ترميم موضعي، لا تغيير كامل للسقف.
وفي حين رحّب التجار بمبادرة رجل أعمال خليجي لتمويل الصيانة، شددوا على أن جوهر الإشكالية لا يتعلق بالتمويل، بل بطبيعة التدخل المقترح، مؤكدين ضرورة أن تراعي الأعمال الطابع التاريخي للسوق وألا تمس قيمته الأثرية.
كما عبّر التجار عن قلقهم إزاء مدة التنفيذ المقدّرة بنحو 75 يومًا، ونوعية المواد المزمع استخدامها، محذرين من أن أي خطأ إنشائي قد يتسبب بأضرار جسيمة تطول جدران المحال والبنية التاريخية للسوق.
مخاوف من عواقب التنفيذ
تتجاوز اعتراضات تجار سوق الحميدية الجدل حول سقف السوق أو طبيعة الترميم المقترح، لتلامس مخاوف أعمق تتعلق بالأمان القانوني والإنشائي لمصير محالهم، وتمتد إلى وضع المحال، إذ تعود ملكية بعضها لوزارة الأوقاف، بينما يشغلها التجار بصفتهم مستأجرين وفق أنظمة معروفة تتعلق بالخلوّ والإخلاء.
وأوضح سمير بكداش، أن أي ضرر قد ينجم عن الأعمال الإنشائية، حتى لو كان غير مقصود، قد يؤدي إلى اعتبار المحل غير صالح للاستثمار، ما يفتح الباب أمام دعاوى إخلاء قانونية بحق المستأجرين.
وأضاف “السؤال الجوهري هل توجد ضمانات قانونية مكتوبة تضمن التعويض وإعادة المحل إلى مستأجره في حال وقوع أي ضرر”، مشيرًا إلى أن سقف سوق الحميدية محمّل على جدران المحلات نفسها، وبالتالي فإن أي خطأ إنشائي سينعكس مباشرة على البنية الحاملة للمحال.
محافظة دمشق توضح
في المقابل، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع محافظة دمشق التي أوضحت بدورها، أن العمل في سقف سوق الحميدية حاليًا قيد الدراسة، وأن ما يُشاع عن بدء أعمال صيانة أو ترميم في الوقت الحالي غير دقيق.
وأكدت أن أي خطوة تنفيذية لن تُتخذ قبل استكمال عدة دراسات من لجان مختلفة تضم مهندسين مختصين، وممثلين عن المحافظة، ولجان فنية معنية بتقييم الوضع الإنشائي للسقف.
Loading ads...
وبيّنت أن هناك متبرعًا بادر من تلقاء نفسه لتمويل أعمال الترميم، إلا أن المرحلة الحالية تقتصر على الدراسة، دون الشروع بأي أعمال إصلاح أو تنفيذ ميداني حتى التوصل إلى رؤية فنية متكاملة تحظى بإجماع الجهات المختصة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





