ساعة واحدة
لبنان المتروك.. من يحمي الجيش والجنوب من فراغ ما بعد اليونيفيل؟
الجمعة، 30 أكتوبر 2026
انتشار للجيش اللبناني قرب منازل متضررة في زوطر الغربية بجنوب لبنان، 1 أكتوبر2026 - رويترز
مع اقتراب انتهاء ولاية اليونيفيل وتعثر تنفيذ اتفاق الإطار، يتزايد الضغط على الجيش اللبناني، فيما يبقى توفير بديل للمراقبة وغطاء سياسي لمهماته ضرورة ملحة.
تقترب نهاية ولاية اليونيفيل، فيما تتعثر الترتيبات الأمنية في الجنوب. كيف يحمي لبنان جيشه من ضغط التنسيق المباشر، وأرضه من فراغ المراقبة الدولية؟
يحتل لبنان حيزًا محدودًا في المشهد الإقليمي والدولي الكبير، لكنه، على الرغم من ذلك، لا يزال ورقة في يد أطراف الصراع، تتنازعها في حربها الكبرى، انطلاقًا من موقعه الجغرافي وأهميته للأطراف المعنية. ومع تشابك الملفات الإقليمية والدولية وتسارع أحداث المنطقة، يبدو لبنان اليوم متروكًا لمصيره، دوليًا مع بدء العد التنازلي لانتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، وإقليميًا في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات وأحداث أمنية.
وفيما يتراجع الدور الأميركي لمصلحة الدور الإسرائيلي، بات لبنان يُدفع وحيدًا إلى طاولات المفاوضات، في مسار يستهدف محاصرة الجيش اللبناني، بعدما طاول الحصار المستوى السياسي، وانتزعت إسرائيل توقيع السلطة اللبنانية على اتفاق الإطار، الذي بقي مجرد وثيقة من دون أثر فعلي على الأرض، مع استمرار إسرائيل، بدعم أميركي، في اتجاه مناقض لما جرى الاتفاق عليه.
من هنا، يمكن فهم المماطلة في استئناف اجتماعات روما وجلسات التفاوض السياسي والدبلوماسي. فبعد محاصرة السلطة السياسية، جاء دور الجيش، لتُعقد اجتماعات عسكرية لبنانية إسرائيلية، كان آخرها في 20 و21 أكتوبر/ تشرين الأول في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، برعاية أميركية. ولم يخرج لبنان من ذلك الاجتماع بنتائج قابلة للتحقق على الأرض، بذريعة حاجة الوفد الإسرائيلي إلى موافقة المستوى السياسي على المطالب المتفق عليها أساسًا، والتي أعاد الوفد العسكري اللبناني طرحها. غير أن الوفد اللبناني خرج بانطباع واضح مفاده أن إسرائيل تسعى إلى تحويل هذه الاجتماعات إلى قناة للتنسيق المباشر بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني، وهو ما يرفضه لبنان.
لكن إسرائيل، التي تتوغل في لبنان بعمق يصل إلى خمسة عشر كيلومترًا، وتحتل ما يقارب ستمئة كيلومتر مربع من مساحته، لا تكتفي بذلك. فبالتزامن مع استمرار اعتداءاتها على الجنوب، تسعى إلى تحويل التنسيق المباشر إلى أمر واقع، مستفيدة من الفراغ الذي قد يخلّفه انتهاء ولاية قوات اليونيفيل في لبنان.
آليات لليونيفيل تمر قرب موقع للجيش اللبناني في منطقة الناقورة، 27 مارس 2026 - غيتي
وعلى الرغم من أن الانسحاب لن يكتمل فور انتهاء الولاية، فإن القرار 2790 يحدد نهايتها في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2026، على أن يبدأ بعدها خفض قوام القوة وانسحابها بشكل منظم وآمن، في غضون سنة. ومع انتهاء مهمتها بصيغتها الحالية، يبرز خطر تراجع دوريات المراقبة والاستطلاع وتوثيق الانتهاكات، من دون أن يعني ذلك اختفاء جميع أشكال الحضور الأممي في اليوم نفسه.
وبذلك، يخشى لبنان أن يفقد إحدى أهم أدوات المراقبة الدولية على أرضه، بما يحمله ذلك من مخاطر وتراجع في حضوره على الأجندة الدولية، وفتح الباب أمام مرحلة فاصلة بين اهتمام دولي متواصل وانكفاء قد يصعب احتواؤه.
وفي ظل هذا الواقع، لا يكفي أن تتمحور مواقف المسؤولين اللبنانيين حول المطالبة بعدم إنهاء مهمة اليونيفيل، حتى مع إعلان الرئيس جوزيف عون الترحيب بقوة أوروبية بديلة في حال تعذر التمديد. فالقرار الأممي القائم يحدد نهاية الولاية، وأي تعديل له يحتاج إلى قرار جديد من مجلس الأمن. ومن هنا، ينبغي أن تنتقل المقاربة من التمسك بطلب التمديد إلى العمل على تأمين بديل فعلي، يضمن استمرار مراقبة الأرض المحتلة، في ظل الأطماع الإسرائيلية المعلنة وغير المعلنة في تلك المنطقة، ومحدودية القدرة اللبنانية على مراقبة ما يجري داخل "الخط الأصفر" أو توثيقه.
وهنا تبرز أسئلة كثيرة عن تداعيات غياب قوات المراقبة الدولية، بدءًا من إفساح المجال أمام إسرائيل لاستباحة المنطقة بعيدًا عن أعين المراقبين الدوليين، وصولًا إلى فرض أمر واقع على سكان القرى الحدودية الذين لا يزالون يقيمون في بلداتهم. ولا ينفصل ذلك عن محاولات فرض التنسيق المباشر مع السكان أنفسهم، بما يحقق الهدف الإسرائيلي في توسيع دوائر التنسيق لتشمل السلطة والسكان، بالتوازي مع محاولة فرض تنسيق مباشر مع الجيش، لم تنجح حتى الآن، لكنها قد تتحول إلى واقع يُفرض بالقوة.
في المقابل، يتمسك الجيش اللبناني بموقفه، استنادًا إلى جملة من الاعتبارات، في مقدمتها أن لبنان لا يزال يعتبر إسرائيل عدوًا بحسب الدستور. ولا يقل أهمية عن ذلك إدراك الجيش للنوايا الإسرائيلية الرامية إلى إحداث شرخ بين المؤسسة العسكرية والشعب، وصولًا إلى زعزعة ثقة المواطن اللبناني بجيشه، الذي ينظر إليه اليوم باعتباره طوق النجاة الوحيد.
ويأتي ذلك بعدما أفضى تعثر تنفيذ اتفاق الإطار، بفعل امتناع إسرائيل عن تنفيذ التزاماتها تجاه الجانب اللبناني، إلى اتساع الهوة بين جزء من اللبنانيين والسلطة السياسية. واليوم، تحاول إسرائيل عرقلة أي مسار أمني غير مباشر، وترفض آلية التحقق التي نص عليها اتفاق الإطار، فيما تسعى إلى فرض آلية تحقق إسرائيلية. وعمليًا، يعرقل هذا النهج استكمال المسار الأمني، ويحول دون الانتقال إلى مرحلة تجريبية جديدة، بما يفتح الباب أمام إطالة أمد بقاء إسرائيل في القرى المحتلة.
دورية لليونيفيل قرب بلدة بيوت السيد في جنوب لبنان، 20 يوليو 2026 - غيتي
وفي سياق الضغط على المؤسسة العسكرية، تحاول إسرائيل مرارًا وضع الجيش اللبناني في موقع الحليف لحزب الله، في خطوة قد تشكّل مقدمة لتبرير اعتداءات مقبلة عليه، وتتحول إلى إحدى أدوات ليّ الذراع العسكرية للبنان.
وفي هذا الإطار، جاء إعلان الجيش الإسرائيلي، قبيل انطلاق اجتماعات تامبا في 20 أكتوبر، أن الجيش اللبناني تعاون مع حزب الله لتمرير صواريخ كانت داخل منشأة كفرا. ويمكن قراءة هذا الإعلان في سياق محاولة انتزاع إحدى الأوراق من يد الوفد العسكري اللبناني، الذي كان يستعد لتقديم أدلة ووثائق خلال الاجتماع تثبت انتهاء عملية معالجة المنشأة.
وقد أكدت قيادة الجيش، في بيانها الصادر في 20 أكتوبر، إنجاز المهمة وإقفال المنشأة في 16 أكتوبر، مشيرة إلى أن العمل فيها كان قد توقف سابقًا بسبب التهديدات الإسرائيلية بقصفها، وأن الوقائع والإجراءات موثقة لدى لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية.
لم تكن هذه الحادثة معزولة عن سياق أوسع، إذ ركزت إسرائيل، خلال الفترة السابقة، على استهداف الجيش اللبناني والتشكيك في عمله، معنويًا وعسكريًا. وعلى الرغم من الإشادات الأميركية المتكررة بعمل الجيش وإنجازاته، لم تنجح الخطوات العملياتية التي نفذها في إقناع الجانب الإسرائيلي، علمًا أن العمليات الميدانية للجيش اللبناني كانت تجري تحت مراقبة مسيّرات إسرائيلية وفرنسية وأميركية خلال فترة وقف الأعمال العدائية، وفي إطار تنفيذ مهمة "درع الوطن".
وخلال تنفيذ هذه المهمة، ثبّت الجيش وجوده في مئتين وأربع وعشرين نقطة مراقبة جنوب الليطاني، وعالج ما يزيد على ثلاثة ملايين قطعة سلاح، بحسب المعلومات التي اطّلع عليها فريق التلفزيون العربي. إلا أن غياب الغطاء السياسي اللازم لتفتيش المنازل حال دون استكمال مهماته بصورة نهائية وكاملة.
وفي هذا السياق، أظهرت بيانات الرادارات والإحداثيات التي اطّلع عليها فريق التلفزيون العربي أن المسيّرات والصواريخ المرصودة خلال الحرب الأخيرة انطلقت من ممتلكات خاصة أو منازل، لم تتخذ السلطة السياسية اللبنانية قرارًا بتفتيشها.
وبحسب معلومات رسمية ووثائق وإحداثيات اطّلع عليها فريق التلفزيون العربي، سُجّل خلال الحرب الأخيرة استخدام مئة وتسعة عشر مدفعًا، وإطلاق ثمانمئة وسبع وثلاثين قذيفة وخمسمئة وستة وتسعين صاروخًا، من منازل أو مبانٍ أو ممتلكات خاصة جنوب الليطاني. أما مجموع ما أُطلق من جنوب الليطاني وعليه، فيصل، وفق المعطيات نفسها، إلى ثلاثة آلاف وسبعمئة مقذوف.
في المحصلة، يحتاج لبنان اليوم، وجيشه على وجه الخصوص، إلى قرار سياسي واضح يوفر له الغطاء ويحميه من السير وحيدًا في الوحول الإسرائيلية التي يُدفع إلى الغرق فيها. كما يحتاج إلى قوة بديلة عن اليونيفيل تضمن استمرار المراقبة في ظل الاحتلال، وتحول دون ترك الأرض بلا رقابة أو توثيق. ويحتاج، قبل كل ذلك، إلى إدراك سياسي لحجم المخاطر وتحرك عاجل من الدولة اللبنانية.
فما لم يتحرك لبنان لسد الفراغ المرتقب، وتحصين موقف جيشه بقرار سياسي يحميه، فإن غياب القوة الدولية قد يتحول إلى فرصة لترسيخ السيطرة الإسرائيلية، وفرض وقائع جديدة على الأرض، وتوسيع دائرة الضغط لتشمل الدولة اللبنانية ومؤسستها العسكرية وسكان المناطق الحدودية. وما عدا ذلك، ليس سوى تكريس للسيطرة الإسرائيلية على لبنان والاستيلاء على أرضه.
Loading ads...
خطة إسرائيل عزل لبنان والاستفراد به. أما خطة لبنان، فغائبة، لينطبق عليه قول: التاريخ لا يعيد نفسه فحسب, بل يعيد مآسيه حين تعجز الدول عن كسر حلقاتها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





