2 أيام
لا أحد يعرف الرحلة كاملة… عن الوحدة التي تأتي بعد أن نتقن العيش وحدنا - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

أكثر ما يثير دهشتي في السنوات الأخيرة أنني لم أعد أخاف الأشياء التي كنت أخافها سابقاً. لم أعد أخاف الانتقال من مدينة إلى أخرى، ولا البدايات الجديدة، ولا حتى فكرة أن أقضي وقتاً طويلاً وحدي. على العكس تماماً، أصبحت جيداً في كل ذلك إلى درجة تدفعني أحياناً إلى القلق، لأن بعض الأشياء التي نتعلمها كي نحمي أنفسنا تنجح أكثر مما يجب.
منذ فترة وأنا أفكر أن الوحدة لم تعد تشبه نفسها. ربما لأنني كبرت أو لأن السنوات الأخيرة بدّلت أشياء كثيرة فينا جميعاً، لكنني لم أعد أتعرف إلى ذلك الشعور بالطريقة التي كنت أعرفه بها سابقاً.
حين كنت أصغر سناً، كانت الوحدة تبدو واضحة وسهلة التعريف: غياب شخص نحبه أو مساء طويل أو غرفة أكثر هدوءاً مما يجب.
أما اليوم، وبعد كل هذه المدن والسنوات والوجوه التي عبرت حياتي، أشعر أن الوحدة أصبحت شيئاً أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً، وكأنها انتقلت من غياب الناس إلى مكان آخر يصعب الإمساك به.
قبل أيام، كنت أمضي يوماً عادياً مع صديقة لي في إسطنبول. تحدثنا لساعات طويلة عن أشياء كثيرة، بعضها مهم وبعضها لا يستحق أن يُذكر أساساً.
وحين عدت إلى منزلي مساء ذلك اليوم، بقي شيء منه عالقاً في داخلي. لم يكن حديثاً بعينه ولا موقفاً محدداً، وإنّما شعور قديم افتقدته من دون أن أنتبه إلى غيابه. شعور أن بعض التفاصيل يمكن أن تُفهم من دون أن تتحول إلى قصة طويلة، وأن بعض الطرق التي عبرناها في الحياة لا تحتاج إلى كثير من الشرح لمن يعرف شيئاً من تضاريسها.
وأنا أفكر في الأمر لاحقاً، وجدت نفسي أعود إلى القاهرة. إلى تلك الفترة التي كنت أحمل فيها شكلاً ثقيلاً من الاكتئاب، وأقضي أياماً طويلة أحاول فقط أن أصل إلى نهايتها. يومها كنت أعتقد أن ما أشعر به سببه الحزن أو الغربة أو الظروف التي أمرّ بها، لكنني أنظر إلى تلك المرحلة اليوم بطريقة مختلفة. لم يكن الحزن وحده ما يثقلني، بل ذلك الإحساس المستمر بأن حياتي تتغير بسرعة لا يستطيع أحد ملاحظتها سواي، وأنني أعبر تحولات كاملة من دون أن يكون هناك من يعبرها معي.
ربما لهذا السبب تحديداً لم أعد أعتقد أن المشكلة كانت في غياب الناس. فمعظم الأشخاص الذين أحبهم ما زالوا موجودين: أختي في أستراليا، وأهلي في طرطوس، وأصدقاء في أكثر من مدينة، وذكريات تكفي لملء عمر كامل.
ومع ذلك، هناك شعور لا تنجح المكالمات في علاجه، ولا تنجح الصور في تخفيفه، لأن المسألة لم تعد مرتبطة بالمسافة، بل بشيء آخر أكثر تعقيداً.
أحياناً أفكر أن الحرب لم تسرق منا البيوت فقط، ولا السنوات فقط، بل سرقت استمرارية الحياة نفسها. جعلت كل واحد منا يذهب في اتجاه مختلف وهو يحمل جزءاً من الحكاية. هناك أشخاص يعرفونني في دمشق، وآخرون عرفوني في القاهرة، وآخرون عرفوني في بيروت، ثم جاءت إسطنبول لتضيف طبقة جديدة إلى الحكاية، لكن المفارقة أن كل هؤلاء يعرفون نسخاً مختلفة من الشخص نفسه، بينما بقيت المسافة بين هذه النسخ كلها في مكان لا يراه أحد غيري.
وحين أنظر إلى الوراء، أشعر أحياناً أن أكثر ما يؤلمني في الغربة ليس البعد الجغرافي، لأن المسافات مهما كبرت يمكن اختصارها بطائرة، بل ذلك البعد الذي يصنعه الزمن. فلا أحد يستطيع أن يجمع السنوات التي مرّت، ولا أن يرى الطريق كاملاً كما أراه أنا، ولا أن يشعر بوزن التحولات التي حدثت بين مدينة وأخرى، وبين حياة وأخرى.
في إسطنبول بدأت أفهم هذا أكثر من أي وقت مضى. ليس لأن المدينة موحشة، بل لأنها منحتني الوقت الكافي للنظر إلى الوراء. هنا تعلمت كيف أعيش وحدي، وكيف أرتب أيامي، وكيف أملأ وقتي، وكيف أعود إلى المنزل من دون أن أنتظر أحداً. لكنني اكتشفت أيضاً أن الوحدة لا تختفي حين نتقن التعامل معها، وإنّما تتحول إلى شيء أكثر هدوءاً، إلى شيء يجلس داخل حياتنا حتى يصبح جزءاً منها.
وهذا ما يخيفني أحياناً. ليس أنني وحيد، بل أنني أصبحت جيداً جداً في ذلك. أن الأشياء التي تعلمتها كي أحمي نفسي من الغياب نجحت أكثر مما يجب، وأنني كلما أصبحت أكثر قدرة على الاستمرار وحدي، ابتعدت قليلاً عن تلك الحاجة الإنسانية القديمة إلى أن يشاركك أحد الطريق، لا نهايته فقط.
ولذلك لا أشعر أنني أفتقد الأشخاص بقدر ما أفتقد الاستمرارية. أفتقد ذلك الشعور القديم بأن هناك من كان موجوداً قبل كل هذه المدن، وقبل كل هذه الخسارات، وما زال موجوداً بعدها. لأن الإنسان يستطيع أن يشرح ما حدث له، لكنه لا يستطيع أن ينقل شعور السنوات نفسها، ولا وزنها، ولا النسخ التي ماتت داخله وهو يعبرها.
وربما لهذا السبب تحديداً لم أعد أعتقد أن الوحدة هي أن تجلس وحيداً في غرفة، بل أن تنظر إلى حياتك كلها وتكتشف أن أحداً لا يعرفها كاملة سواك.
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





