39 دقائق
أذان داخل كنيسة ألمانية.. كيف تحوّل لقاء بين الأديان إلى حملة ضد المسلمين؟
الإثنين، 28 سبتمبر 2026

تداولت حسابات على منصتي إكس وفيسبوك مقطعا مصورا يُظهر رجلا يؤدي الأذان داخل كنيسة في ألمانيا، بينما يترجم شخص آخر كلماته إلى الألمانية، وادعت المنشورات أن المشاهد توثق إقامة صلاة إسلامية داخل الكنيسة.
وحصد مقطع الفيديو مئات الآلاف من المشاهدات، وسط تعليقات مناهضة للهجرة والإسلام، قدّمت المشهد باعتباره دليلا على ما وصفته بـ"أسلمة ألمانيا"، في حين ربطت حسابات أخرى بين الفيديو ونتائج الانتخابات الإقليمية الأخيرة، وقدّمته باعتباره تفسيرا لتصويت بعض الألمان لمصلحة حزب "البديل من أجل ألمانيا".
لكن تتبع وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة للمقطع، ومراجعة مصدره الأصلي ومكان تصويره، إلى جانب البحث في الإعلانات الرسمية للكنيسة والتغطيات الصحفية المحلية، أظهر أن الفيديو حقيقي، لكن السياق الذي قدمته الحسابات المتداولة مضلل.
بدأ الانتشار عبر حساب "راديو جنوة" على منصة إكس، الذي نشر الفيديو مساء 26 سبتمبر/أيلول، وقدَّم المشهد باعتباره إقامة صلاة إسلامية داخل كنيسة ألمانية، قبل أن يربطه بنتائج الانتخابات الأخيرة في ألمانيا.
ثم انتقلت الرواية إلى حسابات أخرى أعادت نشر المقطع بالصياغة نفسها أو بترجمات مختلفة، من بينها حسابات قدمته صراحة تحت عناوين من قبيل "صلاة إسلامية في كنيسة مسيحية"، من دون الإشارة إلى تاريخ التصوير أو طبيعة المناسبة التي ظهر خلالها الأذان.
بدأنا تتبع النسخ السابقة من الفيديو، باستخدام البحث العكسي عن المشاهد الظاهرة فيه، قبل توسيع البحث بالكلمات المفتاحية باللغة الألمانية المرتبطة بالأذان والكنائس واللقاءات الدينية.
وقادت عملية البحث إلى تغطيات صحفية ألمانية نُشرت في 25 سبتمبر/أيلول، أي قبل انتشار الرواية على نطاق واسع، وتناولت فعالية أقيمت في اليوم السابق داخل كنيسة القديس ميخائيل بمدينة فايدن بولاية بافاريا.
وبمقارنة الصور والمشاهد الواردة في التغطيات مع الفيديو المتداول، تطابقت تفاصيل المكان والشخص الذي يؤدي الأذان، كما أظهرت التغطيات أن المشهد كان جزءا من فعالية حملت اسم "أمسية الأديان".
ووفق تقارير إعلامية، شارك في الفعالية ممثلون عن ديانات مختلفة، وقدَّم كل منهم شيئا يعبّر عن تقاليد وممارسات دينه، من بينها عرض لفافة من التوراة، ومبخرة وكتاب ديني مسيحي، وسجادة صلاة، إلى جانب تقديم الأذان الإسلامي.
وهنا يظهر موضع التضليل في الرواية المتداولة: المقطع لا يوثق إقامة صلاة إسلامية داخل الكنيسة، وإنما تقديم الأذان وشرحه للحاضرين ضمن فعالية حوار بين الأديان.
لتحديد المكان بصورة مستقلة، قارنت الوحدة المعالم الظاهرة في الفيديو مع صور الخرائط والموقع الجغرافي للكنيسة، وتبين أن المشاهد التُقطت داخل كنيسة القديس ميخائيل الإنجيلية اللوثرية (St. Michaelskirche) في مدينة فايدن بولاية بافاريا جنوب شرقي ألمانيا.
ويتطابق الموقع مع الكنيسة التي تناولتها التغطيات الصحفية المحلية، والتي أكدت أن "أمسية الأديان" أقيمت فيها يوم 24 سبتمبر/أيلول 2026.
وبذلك، فإن مكان التصوير الذي قدمته المنشورات صحيح، لكن توصيف ما حدث داخله غير صحيح: المشاهد بالفعل من كنيسة ألمانية، لكن الأذان لم يكن جزءا من صلاة إسلامية جماعية، وفق المصادر التي وثقت المناسبة.
ولا يعتمد تحديد سياق الفيديو على التغطيات اللاحقة فقط، فبمراجعة الموقع الرسمي للكنيسة الإنجيلية في بافاريا، عثرت الوحدة على إعلان سابق للفعالية، حدد موعدها في 24 سبتمبر/أيلول، وتناولها باعتبارها "أمسية للأديان" تنظمها مجموعة الحوار بين الأديان في مدينة فايدن.
وأوضح الإعلان أن الأمسية تجمع ممثلين عن مجتمعات دينية مختلفة للتعريف بتقاليدهم وقيمهم، وتتضمن دعاء مشتركا من أجل السلام، وحوارا مفتوحا بين المشاركين والحاضرين.
كما رصد الفريق منشورا سابقا للجهة الكنسية المنظمة على فيسبوك، تضمن الملصق الرسمي للفعالية، وحدد موعدها في 24 سبتمبر/أيلول، الساعة السادسة والنصف مساء، ودعا السكان إلى المشاركة في لقاء يجمع ممثلي الديانات المختلفة للتعارف والحوار، وهو ما يؤكد أن المناسبة كانت معلنة مسبقا عبر أكثر من قناة رسمية.
وعقب انعقاد الأمسية، نشرت الجهة الكنسية المنظمة منشورا إضافيا على صفحتها الرسمية في فيسبوك، أرفقته بتغطية موقع "أوبربفالز إيكو" (OberpfalzEcho) التي تُظهر الإمام أثناء تقديم الأذان، وإلى جانبه المشاركون من الديانات الأخرى داخل الكنيسة.
وأكد المنشور أن الأذان جاء ضمن اللقاء المشترك بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، وهو ما يوفر دليلا إضافيا من الجهة المستضيفة نفسها على حقيقة المشهد الذي أعادت الحسابات تداوله خارج سياقه.
توضح التغطية الصحفية التي نُشرت في اليوم التالي للفعالية أن ستة مشاركين قدّموا فقرات قصيرة تعرّف بمعتقداتهم وتقاليدهم.
وكان من بين المشاركين إمام قدَّم شرحا للأذان الإسلامي، حيث أُدي الأذان داخل الكنيسة بوصفه نموذجا للتعريف بإحدى الممارسات الإسلامية، وليس بوصفه دعوة إلى إقامة صلاة داخل الكنيسة. كما عرض مشاركون آخرون رموزا ومقتنيات مرتبطة باليهودية والمسيحية والإسلام وديانات أخرى.
وبعد انتهاء العروض، انتقل المشاركون والحضور إلى جلسات حوار مفتوحة، أتاحت للحاضرين طرح الأسئلة على ممثلي المجتمعات الدينية المختلفة.
ومن ثم، فإن المشهد المتداول اقتطع فقرة واحدة من فعالية أوسع، ثم أعيد تقديمها على أنها حدث ديني مستقل لم يقع بالصورة التي توحي بها المنشورات.
أظهر تتبع تاريخ الجهة المنظمة أن اللقاءات الدينية المشتركة في مدينة فايدن لا تمثل نشاطا مستحدثا، وإنما تعود جذورها إلى عام 2001، عقب هجمات 11 سبتمبر، حين اجتمع نحو 3 آلاف شخص في المدينة يوم 19 سبتمبر/أيلول من العام نفسه، بمشاركة ممثلين عن اليهودية والإسلام والكنائس المسيحية، للدعاء من أجل السلام.
وعقب ذلك اللقاء، اقترح القس الإنجيلي غيرهارد باوش وآخرون تأسيس إطار دائم للحوار بين الأديان، تطور إلى مجموعة نظمت على مدار السنوات التالية زيارات متبادلة ولقاءات دينية واجتماعية بين المجتمعات المختلفة، وجاءت أمسية سبتمبر/أيلول 2026 بالتزامن مع مرور 25 عاما على تأسيس المبادرة.
لتعزيز التحقق، رجع الفريق إلى التغطية المصورة التي نشرتها قناة "أوبربفالز تي في" (Oberpfalz TV) المحلية يوم 25 سبتمبر/أيلول، بعنوان "التفاهم والتسامح.. فايدن تحتفل بأمسية الأديان"، والتي وثقت جانبا أوسع من الفعالية داخل الكنيسة.
كما نشرت القناة تقريرا صحفيا مرفقا بالمشاهد الإضافية، أوضحت فيه أن الأمسية جاءت احتفالا بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس مجموعة الحوار بين الأديان، وأن هدفها إتاحة مساحة للتعارف المباشر والتقليل من الأحكام المسبقة بين المجتمعات الدينية المختلفة.
وبمقارنة هذه التغطيات مع المقطع المنتشر، يتضح أن الأذان كان جزءا من البرنامج المعلن للمناسبة، وليس نشاطا إسلاميا منفصلا عن الكنيسة أو الجهات الدينية المشاركة.
تزامن تداول الفيديو مع الانتخابات التي أُجريت في ولايتي برلين ومكلنبورغ-فوربومرن في 20 سبتمبر/أيلول 2026، وهو ما استغلته بعض الحسابات لربط المشهد مباشرة بالنتائج الانتخابية.
وأظهرت النتائج الرسمية في مكلنبورغ-فوربومرن حصول حزب "البديل من أجل ألمانيا" على 38.2% من الأصوات مقابل 35.5% للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بينما حصل الحزب في برلين على 16.3% وجاء ثالثا، وتصدّر حزب "اليسار" نتائج العاصمة بنسبة 25.7%.
لكن هذه النتائج لا تقدّم بحد ذاتها أي علاقة بين الفعالية التي أقيمت في فايدن والتصويت الانتخابي في الولايتين.
كما لم يعثر الفريق على دليل يثبت أن فعالية "أمسية الأديان" كانت مرتبطة بالانتخابات، أو أن تنظيمها جاء ردا عليها، أو أن المشاركين فيها كانوا جزءا من أي نشاط انتخابي.
يكشف تتبع الحسابات التي أعادت تداول الفيديو نمطا مشتركا في صياغة المنشورات، إذ قدّمت المشهد باعتباره دليلا على تغير الهوية الدينية والثقافية في ألمانيا، مع التركيز على وجود الأذان داخل كنيسة مسيحية، وإغفال مشاركة ممثلي اليهودية والمسيحية في المناسبة نفسها.
Loading ads...
وكان في مقدمة الحسابات التي رصدها الفريق حساب "راديو جنوة"، الذي ربط الفيديو بنتائج حزب "البديل من أجل ألمانيا"، إلى جانب حسابات "جوليان بولاس" و"هيث لوفل" و"سيلفيوس برتولدي" ذات التوجهات اليمينية المتطرفة المناهضة للمهاجرين والمسلمين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




