14 أيام
كيف استُخدم الذكاء الاصطناعي لتشويه النازحين خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان؟ - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

لم يكن مشهداً من النوع الذي يدفع إلى الشك فيه منذ الوهلة الأولى إذ تظهر لحظة انفعال "شبه حقيقية" بدون أية مؤثّرات صاخبة، فيما الشخصيات الظاهرة ليست بغريبة. مشهد عائلة شيعية تجتمع داخل منزلها فيما تحضر كلمة الأمين العام لـ "حزب الله"، نعيم قاسم، قبل أن يبدأ شجار بين الأب وابنه وتلتحق به الابنة الغاضبة أيضاً من موقف شقيقها. اللغة وحركات الشخصيات تبدو مدروسة وحتى الكلمات التي وردت على لسان الشخصيات مثل "العميل" و"الصهيوني".
لكن هناك تفصيلاً لم يكن عابراً؛ العائلة قُدّمت على أنها شيعية في الفيديو الذي نشره حساب MLGA على منصة إكس في 28 أيار/ مايو 2026. بفحصه، تظهر مؤشرات قوية على أنه مولَّد بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، حقّق المقطع 26.3 ألف مشاهدة، و297 إعجاباً، و86 إعادة نشر، و53 تعليقاً. ومن هنا لم يعد السؤال محصوراً في حقيقة المشهد، وإنما لماذا قُدّمت هذه العائلة بهذه الصورة؟ ولماذا اختيرت هويتها الطائفية لتكون جزءاً من القصة؟
قادنا الفيديو إلى مواد أخرى نشرها الحساب بعضها أكثر إقناعاً وأصعب على العين غير المتخصصة، وبعضها الآخر واضح. لكن هذه المقاطع لم تُنشر بوصفها تجارب بصرية معزولة، بل جاءت ضمن خطاب سياسي وطائفي يستهدف في أحيان كثيرة النازحين اللبنانيين خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان.
يرصد هذا التقرير خمس مواد متداولة في "إكس" وأعيد تداولها عبر مواقع تواصل اجتماعي أخرى، ويحلّل طبيعة توظيف الذكاء الاصطناعي فيها، والرسائل التي حملتها، وكيف تُبنى من خلالها صور نمطية عن المواطنين الشيعة في لبنان، بمن فيهم أولئك الذين خسروا منازلهم في القصف الإسرائيلي على البلاد، واضطروا إلى النزوح أو العيش في ظل الأنقاض أحياناً.
وعبر مشاهد قد تبدو حقيقية أو مخادعة، ومشاهد كرتونية أخرى لا تحتاج إلا إلى نظرة بالعين المجردة لكشفها، جرى تمرير رسائل سياسية خطيرة ومعانٍ تعمّم أفكاراً سلبية وتنزع عن النازحين -لاسيّما الشيعة منهم- الحق في الأمان، وتُلصق بهم اتهامات تجرّدهم من صفة الضحية وتُلبسهم ثوب الجناة.
ربما لا تكشف تعليقات المتابعين على فيديو MLGA عن مجرد اختلاف في المواقف من "حزب الله" أو الحرب الإسرائيلية على لبنان، بل عن صراع على تعريف "لبنان" ومن يمثل هويته.
فعبارات مثل "لبنان لا يريد الحزب ولا يريد حرب إسناد" و"نهاية حزب الله اقتربت" و"حزب الله إلى الزوال" تعبّر عن مواقف سياسية عدائية تجاه جهة سياسية محددة، ولا تكفي وحدها لتصنيفها "خطاب كراهية". لكن لغة أخرى تنقل النقاش من الموقف السياسي إلى التعميم الهوياتي، كما في تعليقك: "الهوية اللبنانية تنتصر على الاحتلال الإيراني"، التي تضع الهوية اللبنانية في مواجهة هوية سياسية يُنسب إليها الارتباط بإيران.
في عبارة أخرى أكثر وضوحاً، يرد: "الفرق واضح: اللبناني يحب الحياة والسلام، بينما الإيراني يحب الموت والقتل"، وهنا تنسب صفة أخلاقية سلبية إلى جماعة كاملة. وفي المقابل، تظهر تعليقات مثل "الشيعة اللبنانيون لا يريدون الحرب" و"لبنانيون شيعة يريدون السلام للبنان ولا يريدون الحرب من أجل إيران"، في خطاب يحاول الادعاء أن هناك انقساماً في الموقف الشيعي.
وبالاستناد إلى معايير خطة عمل الرباط، لا تُقيَّم هذه العبارات من خلال الكلمات المستخدمة وحدها، بل من خلال السياق الواردة فيه، وهوية المتحدث، والقصد، ومضمون الخطاب وشكله، ومدى انتشاره، واحتمال أن يؤدّي إلى ضرر فعلي.
وفي حالة MLGA، تكتسب هذه اللغة دلالتها من كونها تأتي داخل حساب يستخدم أصلاً خطاباً يضع "لبنان" في مواجهة "إيران" و"حزب الله"، مما يجعل بعض التعليقات تتجاوز التعبير عن موقف سياسي إلى إعادة رسم حدود الانتماء الوطني على أساس سياسي وطائفي.
ما تمثله هذه التعليقات ليس دعوة مباشرة إلى العنف، والأدق وصفها بأنها تتضمن استقطاباً هوياتياً وتعميمات سلبية تجاه جماعة قومية، إلى جانب خطاب سياسي عدائي وخطاب مضاد. ويأتي هذا التفاعل ضمن سياق سبق أن وثّقه تحقيق مشترك لرصيف22 و"مناطق نت"، بإشراف شبكة "أريج"، حول حساب MLGA، واستخدامه فيديوهات مفبركة ومحتوى مولَّداً بالذكاء الاصطناعي ضمن حملة تأثير رقمية مرتبطة بملفات الحرب وسلاح "حزب الله" والعلاقة مع إسرائيل.
أزيلت قناة "This Is MLGA" (@mlganow) من منصة يوتيوب، بعد أن كانت تنشر سلسلة فيديوهات قصيرة جميعها مولدة بالذكاء الاصطناعي تحمل شعار Make Lebanon Great Again. وفق بيانات أرشيفية من منصة التحليلات Social Blade، فقد سجلت القناة قبل حذفها ما يقارب 10 الاف مشترك وأكثر من 78 مليون مشاهدة إجمالية عبر بث 112 فيديواً نُشرت منذ إنشاء القناة في 31 آذار/ مارس 2025.
ويظهر سجل الموقع أن آخر تحديث للبيانات كان في نيسان/ أبريل 2026، قبل أن يعرض تحذيراً يفيد بعدم القدرة على جمع بيانات جديدة لأن القناة "محظورة أو محذوفة" من المنصة.
بيتٌ مهدّم، سيارة متضرّرة، وعائلة تبدو عالقة في آثار الحرب. مشهد، لا يكتفي فيه الأب برفع العلم الإيراني فوق منزله، بل يرفعه أيضاً فوق سيارته كوسيلة للحماية من المطر. وحين يمرض أحد أفراد العائلة، يقدّم له دواءً يقول إنه من المساعدات الإيرانية، قبل أن يشتد السعال على المريض. نُشر الفيديو على منصة "إكس" في 17 أيلول/ سبتمبر 2026، ويستخدم أسماء "أبو حسين" و"أبو علي" لأفراد العائلة.
المشهد المولد كلياً بالذكاء الاصطناعي -كما يتضح من النظرة الأولى وتثبت أداة Chayyek AI- لا يختلق حادثة فحسب؛ بل يختلق شخصية اجتماعية كاملة… عائلة شيعية تُقدَّم علاقتها بإيران باعتبارها جزءاً ثابتاً من سلوكها، حتى في لحظة الدمار والمرض. وهنا يكمن الهدف من المشهد وهو تحويل تقنية التوليد إلى وسيلة لصناعة صورة نمطية قابلة للتداول عن جماعة بأكملها.
في 13 نيسان/ أبريل 2026، نشر "MLGA" على إكس فيديواً يُظهر رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام وهو يمتطي حصاناً، ويظهر الفيديو الحصان وهو يدوس علمَي "حزب الله" وإيران. أرفق الحساب الفيديو بتعليق: "#نواف_سلام رجل دولة حقيقي، كلنا معك ومع #لبنان"، بما قد يوحي بأن الفيديو يوثّق موقفاً حقيقياً لرئيس الحكومة اللبنانية.
لكن الفيديو الذي يظهر بوضوح أنه مولَّد بالذكاء الاصطناعي، كما يُثبت تحليل Chayyek AI، وهو يصنَّف على أنه تزييف عميق.
يخدم هذا المشهد خطاب التحريض السائد ضد النازحين في لبنان والذي يركز على خلفياتهم السياسية والعقائدية من خلال وضع رموز مرتبطة بـ "حزب الله" وإيران لتقديم صورة يروج لها هذا الحساب في استهداف جماعة لبنانية مرتبطة بطرف سياسي أو طائفي، بدلاً من الصورة الحقيقية باعتبارهم مدنيين نزحوا بفعل الحرب الإسرائيلية على مناطقهم.
لم تتوقف ردود الفعل على المنشور عند تأييد سلام أو مهاجمة خصوم سياسيين، بل تضمّنت إهانات وتخويناً وتعميمات تستهدف الشيعة في لبنان. يُظهر تحليل Chayyek AI لخطاب الكراهية وجود تمييز ديني وخطاب كراهية بمستوى خطورة مرتفع، مع رصد أنماط من الإهانة المباشرة والتحريض أو التهديد. ومن بين العبارات اللافتة استخدام وصف "المتطرفين الإسلاميين من شيعة وسنة" بوصفهم "سبب ما يعانيه لبنان" راهناً لا الحرب الإسرائيلية مثلاً، إلى جانب أوصاف منها: "أذناب الملالي وكلابهم" و"أولاد الخنازير".
لكن التعليق الأخطر تجاوز الإهانة إلى تهديد مباشر، إذ يقول صاحبه: "إن شاء الله تشوفوا أنت ونواف أولادكم أشلاء أمام عيونك". وفي تعليق آخر، ورد: "ندعسكن قريباً"، في تهديد موجّه إلى أشخاص وصفهم صاحب التعليق بـ"الإرهاب الصهيوني الأمريكي". هكذا تكشف العينة كيف يمكن لمقطع مولَّد بالذكاء الاصطناعي أن يستدرج التفاعل من الخلاف وتبادل المسبّات إلى الوصم الديني، ثم التهديد بالعنف.
حصد الفيديو المولّد لنواف سلام 8.5 آلاف مشاهدة، و372 إعجاباً، و76 إعادة نشر، و95 رداً، وسجّل، مقارنةً ببقية الحالات، أعلى نسبة من التعليقات المصنفة كتحريض وعنف.
النمط نفسه يتكرّر في منشور آخر من "MLGA"، نُشر في 30 حزيران/ يونيو 2026. يقسم المقطع المنشور الشاشة بين مشهدين لنساء يرقصن ويحتفلن تحت عبارة ( لبنان أولاً)، مقابل مشهد لجنازة لشخص ملفوف في علم "حزب الله"، مرفقاً بوسم #شكراً_إيران.
تقدم هذه المقارنة التي استُخدم فيها مقطعان حقيقيان مع بعض التعديلات باستخدام الذكاء الاصطناعي لتعميق الصورة ضد النازحين بصورة مباشرة وربطهم ببيئة منغلقة تابعة لـ "حزب الله" وإيران والتي ترتبط بالألم والخسائر مقابل ارتباط الفئة المختلفة بالاحتفال والمكاسب، وذلك في تكرار للمحتوى الذي يعامل النازحين على أساس الهوية ولا يعتبرهم ضحايا.
هذه الثنائية ظهرت بشكل أكبر في التعليقات على الفيديو حيث تحوّل الخلاف من نقاش على فيديو إلى تراشق لفظي ووصم وإهانات مرتبطة بالهوية والسلوك. وظهرت عبارات مثل "لبنان صار شعار الرقص والفحش"، و"هيدا لبنانكم فجور ودعارة وتحشيش وسكر وعملاء"، فيما وصف تعليق آخر أصحاب شعار "لبنان أولاً" بأنهم "يبيعون لبنان إلى إسرائيل".
وتكشف هذه العينة كيف انتقلت الرسالة من مقارنة سياسية مصطنعة بين صورتين للبنان إلى معركة على من يمثّل لبنان فعلاً، ثم إلى إهانات واتهامات تطال أشخاصاً وجماعات على أساس خياراتهم السياسية ونمط حياتهم. وبذلك، لم يعد الخلاف في التعليقات حول "لبنان أولاً" كشعار سياسي فقط، بل تحوّل إلى لغة تنزع عن الطرف الآخر الكرامة والانتماء، وتعيد إنتاج الانقسام نفسه الذي بناه الفيديو بصرياً.
لا يمكن فصل المقاطع التي رصدها التقرير عن الخطاب الذي ينشره "MLGA"، بل يأتي ضمن نمط واضح لتقديم الصراع بوصفه مواجهة مباشرة بين لبنان وإيران ويربط ناشر الحساب "حزب الله" بهوية النازحين الطائفية والسياسية باعتبارها صورة عامة لكل نازح متأثّر بالحرب، ويظهر ذلك في منشورات الحساب التي تستخدم مفردات وتعبيرات تحريضية موجّهة لفئة من مكونات الشعب اللبناني.
وخلال الرصد فحصنا عبر أداة Tweet Index لتتبع هذا النمط واختبار المواد التي تقاطع نشرها والتي تم فحصها تقنياً والتي تكشف أن الحساب يعمل بانتظام في نشر محتوى ليس مضللاً فقط بل مولَّد بالتزييف العميق لمشاهد عدائية وتحريضية ضد الشيعة في لبنان، مما يمنح الرسالة صورة قابلة للتداول كأنها حقيقية.
في الحرب قد لا يعود الزيف العميق للفيديوهات بحاجة إلى اختراع وجه جديد أو توليد مشهد حقيقي كلياً، أحياناً قد يكفي تقديم المحتوى عبر شخصيات كرتونية معروفة لتعيد رسم طرف الصراع إلى الجمهور، وهذا ما يظهر في الفيديو الذي بثته قناة LBC اللبنانية عبر منصاتها الرقمية والتي استخدمت فيها نواب "حزب الله" في البرلمان اللبناني وشخصيات أخرى مثل عناصر ومقاتلي الحزب والجيش الإسرائيلي مع تعليق: "حين نخدم خصومنا مجاناً".
يتقاطع تحليل Chayyek AI للكلمات والعبارات الواردة في التعليقات حيث رصدت الأداة مؤشّرات لغوية على الإهانة والتخوين والتمييز وخطاب الكراهية، إلى جانب اتهامات بالارتباط بإسرائيل أو إيران، وأنماط تستهدف أشخاصاً وجماعات على أساس انتمائهم السياسي أو الطائفي المفترض. لكن هذه النتائج تمثل رصداً آلياً للغة المستخدمة، ولا تشكّل وحدها تصنيفاً نهائياً لطبيعة الخطاب.
ولفهم هذه المؤشرات في سياقها، وبمراجعة التعليقات في ضوء خطة عمل الرباط، مع الأخذ في الاعتبار سياق النقاش، وطبيعة العبارات، والجهات التي تستهدفها، وحجم التفاعل حول الفيديو، إضافة إلى احتمال انتقال الخطاب من مجرد الإساءة إلى إحداث ضرر. فقد حصد الفيديو أكثر من 150 ألف مشاهدة، وتجاوز 500 تعليق، واقتربت الإعجابات من 1,600، مما يضع التعليقات في سياق تفاعل واسع، وإن كانت هذه الأرقام لا تعني أن جميع المتابعين تبنّوا مضمونها.
وتكشف العينة عن مستويات مختلفة من الخطاب؛ من الشتائم والإهانات، إلى التخوين والتمييز على أساس الانتماء السياسي أو الطائفي، وصولاً في بعض التعليقات إلى التحريض والتهديد بالعنف، فيما يمكن تصنيف بعض التعليقات بأنها خطاب كراهية قائم على التمييز السياسي والطائفي، وتستدعي العبارات التي تتضمن تهديداً أو دعوة إلى الأذى تصنيفاً أكثر خطورة.
الحالات التي وثّقها التقرير توضح أن التلاعب بالصور والفيديوهات لا يقف عن اختلاق مشهد غير حقيقي، بل يتعدّى ذلك إلى إضافة دليل بصري -على المشهد التحريضي- يعزّز الصورة النمطية التي يروج لها صانعوها. فعند الزعم أن العائلة الشيعية النازحة مرتبطة بإيران، وتقديم الموقف السياسي كتعبير عن هوية جماعية، تصبح الرسالة جزءاً من رواية أوسع عن النازحين.
في هذا السياق، يرى الأستاذ المشارك في برنامج الصحافة بمعهد الدوحة للدراسات العليا، وليد السقاف، أن النماذج البصرية المولَّدة بالذكاء الاصطناعي تحمل آثاراً سلبية في مجملها لكونها تُغذّي خطاب التحريض وتصنع صوراً نمطية أكثر قتامة واستقطاباً بين الفئات المجتمعية والسياسية المختلفة.
ويؤكد السقاف أن الخلل الرئيسي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها كأداة تقنية، بل في أساليب توظيفها وطبيعة الرسائل المُنتجة عبرها حيث يُؤدّي إنتاج ونشر كميات مكثّفة من الصور ومقاطع الفيديو التي تُصوِّر فئة معينة بأسلوب سلبي إلى خلق حلقة مفرغة ومتبادلة من الشحن التحريضي ومحاولات استمالة الجمهور، وهو ما يُضاعف حدة الانقسامات الداخلية ويُعمّق الترسّبات والوصم النمطي المسبق، لا سيّما في المجتمعات المنقسمة أساساً.
وحول الفوارق الجوهرية بين التزييف التوليدي والتضليل البصري التقليدي، يُوضح أن الخصوصية الكبرى للذكاء الاصطناعي تتمثّل في اختصار الجهد والوقت، وانخفاض التكلفة المادية، وإمكانية إنشاء مشاهد معقدة كانت تتطلب سابقاً موارد مالية ولوجستية ضخمة.
كما يُشدّد السقاف على أن هذا التدفق السريع لا يجعل المحتوى التوليدي أكثر إقناعاً بالضرورة من أدوات التعديل التقليدية كبرنامج "فوتوشوب" أو اقتطاع المقاطع الحقيقية وإعادة تدويرها خارج سياقها الزمني والجغرافي الموثق، والتي لا تزال تحتفظ بفاعلية عالية في الخداع. وبالتالي، تتجلّى خطورة الذكاء الاصطناعي في إتاحة "التحريض الكثيف" بتكلفة متدنية وسرعة فائقة، مع التلاشي التدريجي للعلامات البصرية الدالة على التلاعب التقني..
وفي مقابل هذه المخاطر، يُبيّن السقاف أن الذكاء الاصطناعي يظل تقنية مزدوجة الاستخدام يُمكن تسخيرها إيجابياً لبناء السلم الأهلي وتعزيز الوعي، وذلك من خلال إنتاج مواد إعلامية تُجسّر الفجوات بين الأفراد، وتُعرف بالحقوق والحريات والمبادئ الديمقراطية، وتُحفّز على المشاركة المدنية والانتخابية، فضلاً عن نشر مهارات التربية والوعي الإعلامي.
ويختتم السقاف تحليله بالإشارة إلى إمكانية تجسيد سيناريوهات توعوية يصعب تصويرها في الواقع، شريطة الالتزام التام بالشفافية والإفصاح عن طبيعة المحتوى المولد آلياً، وضمان ألا يُستخدم للخداع أو التحريض ضد أي مكون مجتمعي، مؤكداً أن هذا التوظيف الإيجابي يستند بالأساس إلى الوعي والمبادئ الأخلاقية الحاكمة.
أظهرت مراجعة التعليقات على الحالات الخمس التي رصدها التقرير أن التفاعل كان متنوّعاً في مستوى طبيعة الخطاب العدائي. ولفهم هذه المستويات ومدى تأثيرها على استهداف جماعة محدّدة على أساس هويتها وصولاً إلى التهديد، اختبر معد التقرير عينة من التعليقات التي تمثّل هذه المستويات الموجهة إلى الجمهور بدءاً من الإهانة والسخرية والتخوين ومعايير الولاء والانتماء انتهاءً بالتهديدات عبر الفضاء الرقمي.
جاءت النتائج متقاربة باستخدام ChayyekAI وSanalysis من حيث مدى خطورتها، علماً أن النتائج قورنت في سياق التعليقات التي أظهرت تقاطعاً واضحاً في التعليقات الحادة المستعرضة أعلاه.
صنّفت Sanalysis هذه العبارات ضمن المحتوى الذي يتطلّب مراجعة فورية، بينما اعتبرها مؤشّر ChayyekAI تهديداً مباشراً. عبارات أخرى تراوحت بين السخرية ونزع الانتماء. لم تعزل هذه النتائج عن السياق، بل تم تحليلها بناء على هوية المستهدف ومضمون العبارة، والنية وراءها، واحتمال حدوث ضرر. وهذه العناصر تتضمنها معايير خطة عمل الرباط في تقييم التحريض.
هذا المحتوى ليس غائباً عن السلطات اللبنانية. ففي 8 حزيران/ يونيو 2026، نفت رئاسة مجلس الوزراء رسمياً صحة فيديو منسوب إلى نواف سلام، وقالت إن مكتبها الإعلامي يتابع الفيديوهات المزيّفة مع شركات منصات التواصل الاجتماعي لاتخاذ الإجراءات المناسبة. كما سبق أن حذّرت رئاسة الجمهورية من مقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي تنسب تصريحات غير صحيحة إلى رئيس الجمهورية.
لكن ما تكشفه الحالات التي رصدها هذا التحقيق لا يتوقف عند صدور التحذيرات الرسمية، بل عند استمرار دورة المحتوى نفسها: فيديوهات جديدة، وحسابات تعيد إنتاج الرسائل، وتفاعل جماهيري يتجاوز مجرد مشاهدة المادة إلى التخوين والتمييز والتهديد في بعض الحالات. وفي المقابل، اختفت قناة "MLGA" من يوتيوب، بينما ظل نشاط الحسابات الأخرى قائماً على منصات مختلفة، مما يجعل مصير المحتوى أكثر تعقيداً من مجرد حذفه من منصة واحدة.
ولا يملك هذا التقرير ما يكفي للجزم بسبب اختفاء القناة من يوتيوب أو بمدى استجابة المنصات للبلاغات الرسمية. لكن استمرار ظهور مواد جديدة بعد التحذيرات يطرح سؤالاً يتجاوز حالة فيديو بعينه، وهو: ماذا يحدث عندما تصبح صناعة المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي أسرع من قدرة المؤسسات والمنصات على رصده والحد من انتشاره؟
لم تقتصر خطورة هذه المقاطع على أنها لم تخلق مشاهد لم تحدث من الأساس، بل لتكرّس خطاباً موجوداً أصلاً ضد فئات معينة في بيئات النزاعات. من السهل إنتاج مقاطع فيديو وصور تبدو وكأنها حقيقية ثم يعاد تداولها عبر نطاق أوسع لفرض روايات أو صور نمطية معينة في الجو السياسي العام، مما يعني صعوبة فصلها عن أجواء الحرب والانقسام السياسي والطائفي الذي يعيشه لبنان اليوم.
Loading ads...
وفي حالة النازحين الجنوبيين، يأتي تأثير هذا المحتوى على إبراز صورة نمطية واحدة يتم تكرارها في الحالات التي رصدها التقرير -وفي الكثير غيرها- والتي يعاد تداولها يومياً عبر الفضاء الرقمي اللبناني، لتتحوّل تدريجياً من وسيلة لربط النازح بصورة سياسية وطائفية مسبقة إلى أداة وممارسة لاتهام آخرين أو التشكيك بانتمائهم في ما قد يعتبره البعض تهديداً مرتبطاً فقط بالنازحين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





