ساعة واحدة
إشادة دولية باعتقال رموز النظام المخلوع.. هل تبدأ سوريا مرحلة العدالة المؤسسية؟
الأحد، 24 مايو 2026
رغم الترحيب الدولي المتزايد بخطوات المحاسبة التي تنفذها السلطات السورية بحق شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات خلال عهد النظام المخلوع، ما يزال ملف العدالة الانتقالية يثير جدلاً واسعاً بين التفاؤل بإمكانية كسر ثقافة الإفلات من العقاب، والمخاوف من تحوّل هذه الإجراءات إلى مسارات سياسية أو انتقائية تفتقر إلى الأسس القانونية والمؤسساتية اللازمة. وفي وقت ترى فيه أطراف دولية أن الاعتقالات الأخيرة تعكس تقدماً في مسار بناء الدولة الجديدة، يؤكد حقوقيون وباحثون وأهالي ضحايا أن العدالة الحقيقية لا ترتبط بعدد الموقوفين، بل بوجود قضاء فاعل، ومسار شامل يكشف الحقيقة ويضمن حقوق الضحايا ويمنع تكرار الانتهاكات.
يرى حسان العباسي، أحد ذوي الضحايا، أن طريق العدالة واضح ومتاح متى توفرت النوايا الجادة، معتبراً أن الإجراءات الحالية "لا تتجاوز كونها استعراضات تهدف إلى امتصاص غضب عائلات الضحايا"، بدلاً من المضي في مسار جدي يفضي إلى تحقيق العدالة.
وقال العباسي، خلال حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، إن أهالي الضحايا يعيشون حالة إحباط كبيرة وفقدان شبه كامل للثقة بما يجري، معتبراً أن الحكومة تبدو "مكبّلة وغير قادرة على التحرك بحرية"، مشيراً إلى أن ما يحدث حالياً لا يعكس مساراً مستقلاً وحقيقياً لتحقيق العدالة بقدر ما يعكس ضغوطاً وتوجيهات خارجية، بحسب وصفه.
وأوضح الباحث في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، معتصم الكيلاني، لموقع "تلفزيون سوريا"، أن إشادة واشنطن بالاعتقالات الأخيرة باعتبارها خطوة في مواجهة الإفلات من العقاب لا تكفي وحدها لمنح هذه الإجراءات شرعية قانونية، مشيراً إلى أن العدالة الانتقالية لا تُقاس بمجرد تنفيذ الاعتقالات، بل بطبيعة المسار القضائي والمؤسساتي الذي يرافقها.
وبيّن أن الفرق كبير بين العدالة بوصفها مساراً قانونياً طويل الأمد يهدف إلى إنصاف الضحايا ومنع تكرار الانتهاكات، وبين "الانتقام السياسي" الذي قد يُقدَّم كاستجابة لضغط الشارع أو لضرورات المرحلة الانتقالية، مضيفاً أن أي مسار قانوني يفقد شرعيته إذا جرى بعقلية أمنية أو تحت تأثير سياسي مباشر، حتى لو استهدف شخصيات متورطة فعلاً في الانتهاكات. وأكد الكيلاني أن الشرعية الدولية لأي عملية محاسبة ترتبط بوجود قضاء مستقل، وإجراءات قانونية واضحة، وضمانات للمحاكمة العادلة، إضافة إلى شمولية المساءلة وعدم اقتصارها على طرف واحد، لأن العدالة الانتقائية سيُنظر إليها باعتبارها "عدالة المنتصر" لا عدالة دولة القانون. كما شدد على أن العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن أن تقتصر على الاعتقالات والمحاكم، بل يجب أن تشمل كشف مصير المفقودين والمخفيين قسراً، وحماية المقابر الجماعية، وإشراك الضحايا وذويهم في مسار الحقيقة والمحاسبة، إلى جانب إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية التي ارتبطت بالانتهاكات خلال العقود الماضية. وختم بالقول إن التحدي الحقيقي أمام سوريا اليوم لا يتمثل في عدد الموقوفين، بل في قدرتها على تحويل هذه اللحظة إلى تأسيس قانوني وأخلاقي لدولة يشعر فيها السوريون بأن القانون أصبح ضمانة للحقوق والحريات، لا أداة بيد السلطة.
تتقاطع المواقف الدولية والمحلية حول أهمية ما تحقق في ملف المحاسبة في سوريا، باعتباره خطوة مفصلية في مسار العدالة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة الجديدة.
وفي هذا السياق، قال الباحث في مركز تحليل السياسات، محمود علوش، لموقع "تلفزيون سوريا"، إن التقدم الذي حققته سوريا مؤخراً في توقيف ضباط كبار من النظام المخلوع عزّز ثقة المجتمع الدولي بقدرة السلطة الجديدة على إنجاز ملف العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبت بحق المدنيين خلال السنوات الماضية، معتبراً أن هذا الملف يشكل مقياساً أساسياً لمدى التزام سوريا الجديدة بالتخلص من ثقافة الإفلات من العقاب. كما أوضح علوش أن دول العالم تُظهر قدراً من الإعجاب بقدرة الدولة السورية الجديدة على إدارة البلاد وتحقيق الاستقرار الداخلي والتعامل مع تحديات معقدة، إلا أن ملف العدالة سيبقى من وجهة نظر الخارج الاختبار الأهم لمدى جدية السلطة في بناء دولة القانون والمؤسسات، لافتاً إلى أن الطريقة التي ستُدار بها هذه العملية ستؤسس لمفهوم العدالة في سوريا الجديدة. وأضاف أن الحكومة السورية تتعامل مع الملف بحذر شديد، لأنها تحاول الموازنة بين تحقيق العدالة الانتقالية والحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي، مشيراً إلى أن التحدي لا يكمن فقط في تحقيق العدالة، بل في إنجازها بطريقة سلسة تمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الانتقام السياسي. وأكد علوش أن سوريا تحتاج إلى تسجيل "قصة نجاح" في ملف العدالة الانتقالية، ليس فقط باعتبارها جزءاً أساسياً من عملية الانتقال السياسي وبناء الدولة الجديدة، وإنما أيضاً لأن نجاح هذا المسار سيشجع المجتمع الدولي على تقديم مزيد من الدعم والانفتاح على دمشق خلال المرحلة المقبلة.
من جهته، أوضح المحامي والحقوقي، أنور البني، لموقع "تلفزيون سوريا"، أن تحويل مساءلة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة في سوريا إلى جزء من عدالة حقيقية، لا إلى عملية انتقامية أو انتقائية، يتطلب أولاً تحييد هذا الملف عن التجاذبات السياسية وعن نفوذ السلطة التنفيذية، مؤكداً أن العدالة لا تُبنى عبر قرارات سياسية، بل من خلال مؤسسات قضائية مستقلة ومحايدة تمتلك الكفاءة للتعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وأشار البني إلى أن إنشاء محاكم خاصة أو مختلطة يُعد خياراً ضرورياً، لأن القانون السوري بصيغته الحالية لا يوفر الأدوات القانونية والإجرائية الكافية للتعامل مع الجرائم الدولية المعقدة، موضحاً أن هذه المحاكم يمكن أن تضمن تطبيق معايير القانون الجنائي الدولي وإجراء محاكمات عادلة تحترم حقوق الضحايا والمتهمين بعيداً عن أي نزعة انتقامية. وأضاف أن إشراك قضاة وخبراء دوليين إلى جانب قضاة وطنيين من شأنه تعزيز الثقة العامة بالمسار القضائي، وتوفير الخبرات الفنية اللازمة، إلى جانب أهمية تدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة والمحامين على آليات التقاضي الخاصة بالجرائم الدولية. وأكد البني أن دور الضحايا والناشطين ومنظمات المجتمع المدني يبقى أساسياً في التوثيق وحفظ الأدلة والدفاع عن حقوق المتضررين، لكنه لا يغني عن مسؤولية الدولة في بناء منظومة قضائية قادرة على إنفاذ العدالة.
Loading ads...
وختم بالتأكيد أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على بعدها السياسي، بل تمثل مساراً مؤسسياً متكاملاً يبدأ بكشف الحقيقة، ويقوم على المساءلة، ويهدف في النهاية إلى بناء مصالحة وطنية تستند إلى سيادة القانون ومنع تكرار الانتهاكات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

40 حريقاً في سوريا خلال يوم واحد
منذ 10 دقائق
0


