4 أيام
قراءة نفسية في نظام الطيبات: لماذا يقتنع الآلاف بنظام غذائي يرفضه العلماء؟ - العلوم الحقيقية
الخميس، 25 يونيو 2026

بواسطة | يونيو 25, 2026 | علم النفس |
عاصم المعايطة – في عالم يُفترض أنه يعيش عصر المعرفة، يبدو غريبًا أن يتمكن نظام غذائي واحد من جمع آلاف المؤمنين به رغم الانتقادات العلمية الكثيرة التي وُجهت إليه. لكن علم النفس يخبرنا أن الإنسان لا يتخذ قراراته دائمًا بناءً على الأدلة، بل كثيرًا ما يتخذها بناءً على المشاعر والثقة والانتماء والمعنى.
ولهذا فإن ظاهرة انتشار نظام الطيبات لا يمكن فهمها من خلال النقاش الغذائي وحده، بل تحتاج إلى قراءة أعمق في النفس البشرية. فما الذي يجعل آلاف الأشخاص يقتنعون بنظام يرفضه كثير من المختصين؟ ولماذا يزداد إيمان بعضهم به كلما ازدادت الانتقادات الموجهة إليه؟
من أشهر الأخطاء التي يقع فيها الناس الاعتقاد بأن البشر كائنات عقلانية تبحث عن الحقيقة فقط. الحقيقة أن الإنسان يبحث غالبًا عن ثلاثة أشياء قبل الحقيقة: الأمل والتفسير والسيطرة. وعندما يعاني الشخص من السمنة أو الأمراض المزمنة أو اضطرابات الهضم أو الإرهاق المستمر، يصبح أكثر استعدادًا لتقبل أي تفسير يمنحه شعورًا بأنه فهم السبب الحقيقي لمعاناته.
وهنا يظهر الخطاب الجذاب الذي يقول: مشكلتك ليست في نمط حياتك، ومشكلتك ليست معقدة، هناك جهة تخدعك، وأنا أعرف الحقيقة التي لا يريدونك أن تعرفها. هذه الرسالة النفسية جذابة للغاية لأنها تحول الواقع المعقد إلى قصة بسيطة يسهل فهمها.
إعتمد نظام الطيبات بدرجات متفاوتة على فكرة وجود مؤامرة غذائية وصحية واسعة النطاق. من منظور علم النفس، تمتلك نظريات المؤامرة قوة هائلة لأنها تقدم تفسيرًا بسيطًا لعالم معقد. بدلًا من آلاف العوامل المتداخلة المؤثرة في الصحة مثل الجينات والنشاط البدني والبيئة والنوم والتوتر والتغذية، يصبح هناك تفسير واحد فقط: هم السبب.
وقد أظهرت دراسات عديدة أن الإيمان بنظريات المؤامرة يزداد في فترات عدم اليقين والقلق وفقدان السيطرة، لأن العقل البشري يفضل وجود تفسير خاطئ على عدم وجود تفسير أصلًا.
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي تجعل الخطاب مقنعًا، فليس كل ما يطرحه أنصار الطيبات خاطئًا بالكامل. لقد وثقت الدراسات قيام بعض شركات الأغذية بإخفاء أو التقليل من مخاطر منتجات معينة، وتمويل أبحاث منحازة، وحملات تسويقية مضللة. ومن أشهر الأمثلة دور شركات السكر في التأثير على الأبحاث الغذائية خلال القرن العشرين. كل ذلك حقيقي.
لكن يقع هنا الخطأ النفسي الشائع: مغالطة «إذا كان جزء منها صحيحًا فكلها صحيحة». يسمي علماء النفس هذا النمط «القفز من الحقيقة الجزئية إلى الحقيقة الكاملة». فإثبات كذب شركة غذائية مرة واحدة لا يعني أن كل ما تقوله الصناعة الغذائية كذب، وكذلك الحال بالنسبة لصناعة الأدوية أو غيرها.
من أكثر ما يلفت النظر في ظاهرة الطيبات أن انتشارها ارتبط بشخصية مؤسسها بقدر ارتباطه بأفكاره. الدكتور ضياء العوضي -رحمه الله- لم يقدم نفسه كباحث متردد يناقش الاحتمالات، بل كشخص يعرف الحقيقة ويملك الإجابة. وهنا تبرز ظاهرة نفسية معروفة: كلما زادت ثقة المتحدث بنفسه، زادت احتمالية تصديق الناس له، حتى لو لم تزد قوة الأدلة.
يقول العلم عادة: “قد يكون”، “تشير الأدلة إلى”، “نحتاج مزيدًا من الدراسات”، “والنتائج تختلف بين الأفراد”؛ أما الخطابات الجماهيرية فتقول: “هذا هو السبب”، “هذا هو الحل”، “كل الأطباء مخطئون”، “أنا متأكد.” ومن المفارقات النفسية أن اللغة الأقل يقينًا غالبًا ما تكون أكثر علمية، بينما تبدو اللغة الأكثر يقينًا أكثر إقناعًا للجمهور.
في مرحلة معينة، يتوقف الناس عن الدفاع عن النظام الغذائي نفسه، ويبدأون بالدفاع عن أنفسهم. بعد سنوات من الالتزام والقراءة والمناقشة وإقناع الآخرين، يصبح الاعتراف بخطأ النظام مؤلمًا نفسيًا، لأن الشخص لا يشعر أنه يتخلى عن فكرة فقط، بل عن جزء من هويته. وهنا تظهر ظاهرة التنافر المعرفي. كلما استثمر الإنسان أكثر في فكرة ما، أصبح أكثر مقاومة للأدلة التي تهددها.
ولماذا يشعر بعض الناس فعلًا أنهم تحسنوا؟ لأن التحسن يحدث فعلًا أحيانًا. كثير من الذين يتبعون أنظمة غذائية صارمة يحققون نتائج حقيقية في البداية، لكن السبب غالبًا ليس النظام نفسه، بل توقفهم عن الإفراط في الطعام، وتقليل السكريات المصنعة، وزيادة الوعي بما يأكلونه، وفقدان الوزن، وممارسة الصيام المتقطع. أي أن بعض التحسن ناتج عن تغييرات صحية عامة، وليس بالضرورة بسبب صحة كل الفرضيات التي بُني عليها النظام.
تكشف ظاهرة الطيبات حقيقة أوسع بكثير من مجرد نظام غذائي. إنها تذكرنا بأن البشر لا يقتنعون بالأفكار لأن الأدلة تدعمها دائمًا، بل لأن هذه الأفكار تمنحهم معنى وتفسيرًا وأملًا وشعورًا بالسيطرة.
نعم، توجد مصالح تجارية. نعم، توجد أخطاء في الصناعات الغذائية والدوائية. نعم، ليست كل التوصيات الطبية معصومة. لكن صحة بعض أجزاء القصة لا تجعل القصة كلها صحيحة.
الفرق بين التفكير العلمي والتفكير العقائدي ليس أن الأول لا يخطئ، بل أنه يبقى مستعدًا لتغيير رأيه عندما تظهر الأدلة الجديدة. أما العقيدة، مهما كان موضوعها، فغالبًا ما تبدأ حين تتوقف الأسئلة ويبدأ اليقين المطلق.
Loading ads...
تم نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة العلوم الحقيقية وراجعته لغويا ريام عيسى
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





