6 أشهر
استبدال الليرة السورية.. هل تتحول الكتل النقدية الخارجية إلى قنبلة تضخمية؟
الخميس، 8 يناير 2026

مع شروع السلطات المالية السورية في اتخاذ الخطوة المثيرة للجدل والمتمثلة في استبدال الكتلة النقدية القديمة بإصدار جديد، انفجر في الأفق تساؤل مصيري يتجاوز مجرد الإجراءات التقنية والمصرفية المعتادة، ليلمس عصب الاقتصاد المنهك وأمنه القومي.
إذ يقف الجميع اليوم أمام معضلة مئات المليارات من الليرات السورية القديمة القابعة خارج الحدود، وتحديدًا في دول مثل إيران والعراق ولبنان وتركيا.
المال الفاسد أم المخزون المالي؟
هذه المبالغ الفلكية لم تخرج من البلاد في حقائب دبلوماسية فحسب، بل تراكمت على مدار سنوات بفعل شبكات معقدة من التجارة البينية، والتهريب العابر للحدود، والمضاربات المحمومة، فضلًا عن منظومات الفساد التي نمت في ظلال الحرب، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار هو الأصعب في تاريخ السياسة النقدية السورية الحديثة.
وعلى وقع هذه المخاوف، برزت قراءة الخبير الاقتصادي جورج خزام التي دقت ناقوس الخطر، مشيرة إلى أن هذه الكتل النقدية الضخمة لم تكن يومًا مجرد أوراق مالية مخزنة، بل كانت وقودًا لمحركات دعم الاقتصاد السوري عبر شراء النفط والغاز والسلع الأساسية في أوقات الشدة.
وأشار إلى أن ذلك يجعلها اليوم قنبلة موقوتة ومخزونًا ماليًا ذا حساسية عالية لا يمكن للدولة أن تتعامل معه بمنطق الإلغاء البسيط أو الإتلاف الورقي دون أن تترتب على ذلك تداعيات زلزالية.
قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار
أفاد خزام بأن السيناريو الأكثر رعبًا الذي يلوح في الأفق اليوم، يتمثل في نشوء “سوق سوداء للاستبدال” تديرها شبكات وساطة عابرة للحدود، تضم أفرادًا نافذين وشركات واجهة، تسعى جاهدة لشراء تلك الليرات القديمة في الخارج بأثمان بخسة، تمهيدًا لإعادة ضخها في الشرايين المالية السورية عبر طرق ملتوية، لاستبدالها بالعملة الجديدة أو بالعملات الصعبة، في عملية غسيل أموال واسعة النطاق.
تكشف مصادر مصرفية غير رسمية أن هذه العمليات لا تحدث بصورة فجة أو مباشرة، بل تعتمد استراتيجية “النمل” عبر تجزئة الكتل المالية الضخمة وإدخالها عبر المعابر غير الرسمية أو إخفائها ضمن شحنات تجارية شرعية، واستخدام شبكات صرافة غير مرخصة تعمل في الظل، مما يحقق لهؤلاء الوسطاء عمولات خيالية تُقدر بملايين الدولارات، ويخلق في الوقت ذاته مسارًا موازيًا يضرب هيبة المؤسسات الرسمية ويفرغ عملية التبديل من مضمونها الإصلاحي.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تجد الحكومة السورية نفسها محاصرة بين فكي كماشة؛ فإما أن تفرض قيودًا حديدية على عمليات الاستبدال، وهو ما قد يؤدي إلى زعزعة الثقة الشعبية المهتزة أصلًا ويدفع السوق السوداء نحو مزيد من الانفجار، أو أن تغض الطرف جزئيًا عن دخول هذه الأموال بذريعة امتصاصها التدريجي، وهو خيار يفتح الباب على مصراعيه لإعادة إنتاج ذات شبكات الفساد التي اقتاتت على أوجاع السوريين طيلة عقد ونيف.
القدرة الشرائية على المحك
بيد أن الخطر الاقتصادي الحقيقي يتجاوز مسألة الفساد الإداري ليصل إلى تهديد ما تبقى من القدرة الشرائية للمواطن؛ فإدخال هذه الكتل النقدية الضخمة دون ضوابط صارمة ورقابة حقيقية على مصادر الأموال يعني بالضرورة زيادة الضغط على سعر الصرف، وتغذية وحش التضخم المقنع، وتوسيع الهوة السحيقة بين السعر الرسمي والسعر الموازي.
ويحذر المراقبون من أن هذه العملية، إن لم تُحط بسياج من الشفافية والعدالة، قد تتحول إلى أكبر عملية نقل للثروة في تاريخ سوريا المعاصر، حيث تُسلب المدخرات البسيطة من الداخل السوري المنهك لتصب في جيوب شبكات خارجية راكمت ثرواتها في ذروة المأساة.
إن تغيير العملة، كما يراه الخبير الاقتصادي جورج خزام، كان من الممكن أن يمثل طوق نجاة وخطوة إصلاحية حقيقية لو اقترن بآليات تتبع صارمة لسلسلة التوريد المالي، وسقوف استبدال واضحة، ورقابة مستقلة تحول دون تحول البنوك إلى مغاسل للأموال القذرة.
Loading ads...
لكن الواقع الحالي، وفق القراءات الاقتصادية الأكثر دقة، ينذر بأننا بصدد فرصة ذهبية لـ”تبييض” تاريخ مالي أسود وتحويل الليرات القديمة إلى ثروات “نظيفة” معترف بها قانونًا، بينما يظل المواطن السوري وحده هو من يسدد الفاتورة الباهظة من قوته اليومي وقيمة عملته التي تتآكل أمام ناظريه، ليتحول حلم الإصلاح النقدي إلى كابوس اقتصادي يهدد الاستقرار الاجتماعي لسنوات قادمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

