8 أشهر
المعقل الأخير.. كيف تتحرك إسرائيل والولايات المتحدة لتفكيك شبكة "العملات المشفرة" لـ "حزب الله"؟
الثلاثاء، 11 نوفمبر 2025

عالم العملات الرقمية غامض ومُعقد، فيه تتم المعاملات في لحظة، بلا حدود، وغالبًا دون إمكانية تتبع، وهو ما جعله فرصة لكيانات وتنظيمات لتمويل أنشطتها؛ تماماً مثلما يفعل “حزب الله”. حيث تمكن من الاستفادة من الانتشار العالمي للعملات الرقمية، لجمع الأموال عبر شبكته الرقمية السرية، مما وسّع نطاق نفوذه المالي بشكل كبير، وعقّد جهود السلطات لتتبع عملياته ومنعها.
نائب المتحدث باسم الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، كشف أمس الجمعة، أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على عملاء تمويل يقومون بتحويل عشرات الملايين من الدولارات من إيران إلى “حزب الله”، مضيفا: أنه “يتعاون هؤلاء الأفراد مع رجال أعمال وشركات صرافة لإتاحة تحويلات مالية كبيرة من إيران وإجراء معاملات تجارية سرية لتمويل أنشطة حزب الله الإرهابية”.
لكن، كيف استخدم “حزب الله” شبكة العملات الرقمية في تمويل أنشطته؟ وكيف تتحرك إسرائيل والولايات المتحدة لتفكيك هذه الشبكة؟
قصة قديمة جديدة
في حزيران/يونيو 2023، ألقى وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، كلمةً في المؤتمر السنوي الثالث للعملات المشفرة الذي نظمه المكتب الوطني لمكافحة تمويل الإرهاب (NBCTF) في وزارة الدفاع الإسرائيلية، كشف خلالها عن عملية غير مسبوقة، بهدف تحديد ومصادرة أموال الإرهاب التي غسلتها منظمات إرهابية مدعومة من إيران عبر العملات الرقمية.
وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت – انترنت
ثم توالت التقارير حول ذات القضية، وفي حزيران/يونيو الماضي، ذكر الكاتب الإسرائيلي، ديفيد بن بسات، في مقاله المنشور في موقع “جيروزاليم بوست”، إنه وفقًا لتقديرات غربية، تُحوّل طهران حوالي 700 مليون دولار سنويًا إلى “حزب الله”، عبر قنوات غير مباشرة، تشمل حقائب مليئة بالنقود، وصرافين لبنانيين، وتحويلات عبر بنوك سورية، وحتى حسابات دبلوماسية.
وكشفت صحيفة “التايمز” البريطانية أن إحدى الطرق التي تستخدمها طهران لتحويل الأموال هي من خلال السفراء والدبلوماسيين الإيرانيين العاملين في أوروبا، وأضاف أن المنظمات والمؤسسات “الخيرية” تُعدّ قنوات إضافية لهم لتهريب الأموال، فبحسب صحيفة “نيويورك بوست” جمعت منظمة إيطالية غير ربحية تُدعى “جمعية التضامن مع الشعب الفلسطيني” حوالي 4 ملايين دولار، ظاهريًا لـ”مشاريع إنسانية”، لكنها في الواقع استخدمت الأموال لشراء أسلحة ودعم عائلات الإرهابيين.
في ألمانيا، جمعت جمعيات خيرية، مثل “مشروع أيتام لبنان”، تبرعات عبر بنوك محلية لـ”حزب الله” تحت غطاء إنساني، واستُخدمت هذه الأموال جزئيًا لدعم عائلات اللبنانيين الذين قُتلوا في هجمات أو معارك مع الجيش الإسرائيلي.
بدورها صحيفة “فاينانشال تايمز”، كشفت الأحد الماضي، أن الجمعيات الخيرية المرتبطة بـ “حزب الله”، والتي فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات، وجهت المانحين بانتظام لإرسال الأموال عبر مقدمي خدمات الدفع الرقمية اللبنانيين الذين لديهم شراكات مع شركات بطاقات الدفع الأميركية.
وشرحت العملية، بأن “حزب الله” حاول استغلال نقاط الضعف في مكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال لجمع الأموال، عبر توجيه الأموال من خلال أفراد غير خاضعين للعقوبات بدلاً من الحسابات الخيرية الرسمية للتملص من أدوات فحص العقوبات وعمليات معرفة العميل في اكتشاف الروابط بين المتلقي للتحويلات والمستفيد النهائي، حيث طلبت المؤسسات الخيرية من المانحين إرسال الأموال إلى محافظ رقمية يحتفظ بها أفراد من خلال شركتي Whish Money المالية، أو OMT.
وكشفت الصحيفة البريطانية، إنه لتسهيل خدمات التحويلات المالية عبر الحدود، دخلت Whish في شراكة مع شركتي بطاقات الدفع العملاقتين في الولايات المتحدة Visa وMastercard، وبحسب “فاينانشيال تايمز” فإنه في الأشهر الأخيرة، طلبت ثلاث من جمعيات “حزب الله” الخيرية، وهي جمعية “إمداد”، ومؤسسة “الشهيد” – وكلاهما خاضعة لعقوبات أميركية – إلى جانب مؤسسة الجرحى، إرسال التبرعات عبر Whish أو OMT..
آلية استخدام العملات الرقمية
استخدام التنظيمات ومن بينها “حزب الله” للعملات الرقمية ليس عمليةً سهلة، بل غالبًا ما ينطوي على شبكات وآليات معقدة مصممة لإخفاء أصول الأموال ووجهاتها، والأدوات الرئيسية المستخدمة في هذه المعاملات هي المحافظ الافتراضية ومنصات تداول العملات المشفرة، حيث تتيح هذه المنصات للمستخدمين تخزين العملات الرقمية وإرسالها واستقبالها. وهي جزء لا يتجزأ من منظومة العملات المشفرة، وتُعدّ بمثابة قناة لجميع المعاملات، من أبرز مزايا العملات الرقمية لهذه المجموعات هو عدم الكشف عن هوية الأطراف المعنية، مما يجعلها أداة مثالية للعمليات السرية.
رغم الجهود المبذولة لإغلاق هذه المحافظ، إلا أن الجماعات تحولت إلى أساليب أكثر تطورًا، مثل المحافظ “الباردة” غير المتصلة بالإنترنت والتي لا يمكن تتبعها عبر الإنترنت.
وبحسب مركز “ألما” الإسرائيلي للدراسات، فإن العملية تتم كالتالي: يتلقى “حزب الله” تمويلًا من مصدر في بلد أجنبي – على سبيل المثال، تركيا: تتواصل الوحدة 190 التابعة لـ “حزب الله”، أو جهة أخرى مرتبطة بالحزب، مع صراف محلي في تركيا، لترتيب إيداع نقدي مباشر – على سبيل المثال، 100,000 دولار أميركي تُسلّم في حقيبة بواسطة ساعي، لا يستفسر الصراف التركي أكثر من ذلك؛ بل يكتفي بتسجيل الإيداع في سجلاته الخاصة، لا يتم إجراء أي تحويل مصرفي رسمي، ولا تُنشأ أي أوراق رسمية، ولا تُترك أي بصمة رقمية لأجهزة الاستخبارات لتتبعها.
في الوقت نفسه، في لبنان، يتم استلام الأموال، حيث يقوم صراف آخر في لبنان وهو شريك في شبكة الحوالة نفسها مع الصراف التركي، بتسليم المبلغ النقدي نفسه إلى ممثلي “حزب الله” في لبنان، بدون أي بصمة.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
شبكات “حزب الله” في أميركا اللاتينية
في أوائل عام 2024 فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC) عقوبات على توفيق محمد سعيد اللو، وهو مُشغّل حوالات مالية سوري، لإدارته محافظ رقمية يستخدمها عناصر “حزب الله”.
ووفقًا لشركة تحليلات بلوكتشين “TRM Labs”، فقد نقلت محافظة عشرات الملايين من الدولارات – معظمها من العملة المستقرة (USDT) – عبر شبكة “ترون”، فيما كشفت هذه القضية عن حقيقة أعمق، وهي أنه رغم الضغوط العسكرية والمالية التي يواجهها “حزب الله” في الشرق الأوسط، لا تزال شبكاته العالمية لجمع التبرعات سليمة، وتزداد نشاطًا، لا سيما في أميركا اللاتينية.
اعتمد “حزب الله” منذ زمن طويل على أميركا اللاتينية لغسل الأموال والدعم اللوجستي، حيث شهدت السنوات الأخيرة تحولًا في سلوك الجماعة نحو العملات المشفرة، وخاصةً عملة (USDT)، وغسل الأموال القائم على التجارة، والذي ينسجم بسلاسة مع الاقتصادات غير المشروعة المزدهرة في أميركا اللاتينية، حيث أشارت التحقيقات إلى استخدام الأصول الرقمية من قبل وسطاء مرتبطين بـ “حزب الله”، إلى بصمة مالية متزايدة التطور واللامركزية، إذ ازدهرت البنية المالية غير المشروعة في فنزويلا في ظل انهيار اقتصادها، وهذا الانهيار – الذي اتسم بالتضخم المفرط والعقوبات وتآكل سيادة القانون – جعل البلاد بيئة خصبة لغسل الأموال وتجارة السوق السوداء والشبكات المالية المتشددة، وهو ما وجدها “حزب الله” فرصة لتفعيل شبكته خلالها.
إسرائيل تحاول تدمير الشبكة
كانت وزارة الخزانة الأميركية في طليعة مكافحة تمويل الإرهاب عبر العملات الرقمية، وقد فرضت عقوبات على أفراد وجماعات رئيسية مرتبطة بـ “حماس” و”حزب الله”، متورطة في إدارة أصول بالعملات الرقمية.
وسعت واشنطن إلى تطبيق جهوداً لمكافحة الإرهاب الممول بالعملات المشفرة اعتماداً على عدة استراتيجيات، منها الرقابة التنظيمية، والتعاون الدولي، والابتكار التكنولوجي. إلا أن هذه الجهود تواجه تحديات عديدة، منها الطابع المجهول للعملات الرقمية، والطبيعة العالمية لمنظومة العملات المشفرة.
مسلّح من حزب الله يجمع الأموال من سائقي السيارات في محيط بيروت – “رويترز”
إسرائيل كان موقفها أكثر فاعلية، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، شنّت إسرائيل سلسلة غارات جوية على مواقع مرتبطة بالنظام المالي لـ “حزب الله” في بيروت وأماكن أخرى في لبنان، استهدفت فروع جمعية “القرض الحسن”، وهي مؤسسة مالية وبنك فعلي مرتبط بـ “حزب الله”.
فيما قدم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دانييل هاجاري، معلومات حول تمويل “حزب الله” وسبب الضربات في رسالة فيديو نشرت على الإنترنت، وشرح أن الشبكة المالية للحزب تعتمد على مصدرين رئيسيين للدخل: المال من إيران والأموال من الشعب اللبناني.
بينما أكد “ديفيد آشر” وهو كان مستشاراً للحكومة الأميركية منذ سنوات بشأن غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وكان مشاركًا في حملات سابقة للحكومة الأميركية تستهدف تمويل “حزب الله”، أن الحزب يستخدم أيضًا النظام المصرفي اللبناني السائد، وأن ثروته موزعة على جهات مختلفة. ويقدر شخصيًا أن ميزانية “حزب الله” السنوية تتراوح بين “12 و15 مليار دولار [11 مليار يورو إلى 13.9 مليار دولار]”.
وأضاف آشر، أن جزءًا كبيرًا من ثروة “حزب الله” مصدره إيران، بينما رأى جوناثان لورد وهو مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز أبحاث “الأمن الأميركي الجديد”: “أن حزب الله موجودٌ حرفيًا كجزءٍ من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، وهذا يجعل إدعاء إسرائيل بأن إيران تمول لبنان مباشرةً من الأموال التي تُرسل إلى سفارتها في البلاد ذا مصداقية عالية، حيث يقدر أن إيران توفر ما يصل إلى نصف احتياطيات حزب الله، في حين يأتي جزء كبير من الخمسين في المائة المتبقية من عائدات الجرائم غير القانونية في جميع أنحاء العالم”.
بحسب صحيفة “دويتش فيله”، فإن الضربات الإسرائيلية على المواقع المرتبطة بمؤسسة “القرض الحسن” والبنية المالية لـ “حزب الله”، استنزفت ما بين 30% إلى 40% من النقد القابل للاستبدال لدى الحزب، لكن في الوقت نفسه، فإن “حزب الله” لا يزال لديه الكثير من الثروة المرتبطة بالنظام المالي اللبناني السائد.
من جانبه، بيّن عمرو أحمد، الباحث في الشأن الإيراني، في حديثه لـ”الحل نت“، أن استخدام العملات الرقمية أمر رائج داخل إيران على المستوى الرسمي والشعبي، حيث استخدمته إيران للتحايل على العقوبات المفروضة عليها ولأجل توفير موارد مالية إضافية تمكنها من استمرار أنشطتها في الخارج وكذلك استخدمته “الموساد” في تجنيد عناصر في الداخل الإيراني لعدم وجود رقابة كافية على العملات الرقمية، ومن ثم أصبحت أيضاً أداة لـ “حزب الله”.
وأضاف عمرو، أن إيران ضمن القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي “fatf” وأدرجت ضمن أعلى فئة مخاطر ومصدر تهديد مالي، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، رغم مساعي حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، تعطيل قرار المجموعة التي تتخذ من باريس مقرا لها، وبالتالي لا سبيل آخر لدى إيران والحزب إلا العملات الرقمية لنقل الأموال وتحقيق مكاسب عبر أنشطة غير مشروعة.
كما لجأت إسرائيل إلى العمليات السيبرانية للتضييق على “حزب الله”، حيث كثف جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) ومديرية الأمن السيبراني الوطنية الإسرائيلية جهودهما للكشف عن الأنشطة المالية المشبوهة ومراقبتها، وهو ما يعني أن إسرائيل قد تلجأ إلى إطلاق عمليات سيبرانية عالمية لتحديد وحظر المحافظ الرقمية، وإغلاق أنظمة الدفع الإرهابية.
الكشف بالذكاء الاصطناعي
بينما شرح مقالاً في “جيروزاليم بوست” طريقة جديدة قد تتبعها إسرائيل لمطاردة العلامات التحذيرية، عبر الذكاء الاصطناعي الذي سيكون لديه القدرة كشف ما هو غير طبيعي في المعاملات، فمثلاً مؤسسة خيرية تجمع التبرعات بطرق غير منطقية؛ شحنة بسعر أقل بكثير من قيمتها السوقية؛ محفظة عملات مشفرة مرتبطة بـ “حزب الله”. ما لا يستطيع أي محلل رؤيته عبر مليارات المعاملات، يمكن للذكاء الاصطناعي كشفه آنيًا.
وأوضح مقال الصحيفة الإسرائيلية، أنه عندما يتم إدخال الذكاء الاصطناعي في القتال، تظهر الأنماط في وقت مبكر بما يكفي لتكون قادرة على التصرف قبل توحيد الأموال، أو شراء الأسلحة، أو التخطيط للهجمات.
فلم يعد الأمر يقتصر على الامتثال فحسب. فالمؤسسات المالية المجهزة بأنظمة مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لا تكتفي بإنجاز المهام التنظيمية فحسب، بل إنها تقف في طليعة الأمن العالمي. بإمكانها تعطيل تمويل الإرهاب قبل أن يتحول إلى سفك دماء، وتجميد الأصول قبل شراء الأسلحة وشحنها.
وحول جهود الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الأنشطة الرقمية لـ “حزب الله”، علق عمرو أحمد لــ “الحل نت”: أن “واشنطن وتل أبيب تبعان منهج تصاعدي في التعامل مع الحزب بدأ باستهداف قيادات الحزب وإضعاف قدراته العسكرية وتقليم أظافر إيران في المنطقة ثم فكرة تسليم السلاح وبعدها الضغط لتسليم السلاح قبل نهاية العام الجاري، والآن الضغط في ما يتعلق بالعملات الرقمية ولكن الأمر لا يرتبط فقط بمدى معرفة الحسابات والمحافظ المستخدمة من قبل إيران، الأمر يرتبط بمدى قدرة الولايات المتحدة السيطرة على أنظمة وشركات العملات المشفرة”.
Loading ads...
فكما يبدو أن شبكات التنظيمات تزدهر في ظل الغموض، إلا أن تعقيدها نفسه يفضحها. فكلما ابتكرت أسلوبًا جديدًا للإخفاء، سيكون هناك نمطاً جديداً للتتبع.. محولًا التعقيد إلى وضوح.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

