رافقت "جمالكِ" Christina Saab في محطّاتٍ عدّة من حياتها، أهمّها كان زواجها ودخولها إلى حياةٍ لا يعرف عنها إلاّ مَن يعيشها. شيءٌ واحدٌ ثابت لم يتغيّر في هذه المرأة: هي حقيقيّة. في عالمٍ يفرض على النساء أدواراً جاهزة وصوراً مثاليّة ونسخاً مصقولة من الذات، بقيت Kika امرأة تشبه نفسها بالكامل. لا تحاول أن تبدو مؤثّرة، ولا تسعى إلى إثبات حضورها بصوت عالٍ، ومع ذلك تترك أثراً لا يمكن تجاهله. مع السنوات، بدا واضحاً أنّ ما يمنحها هذا الحضور ليس فقط جمالها أو صورة عائلتها المحبوبة، بل قدرتها على البقاء صادقة. في كلّ مرّة تعبّر فيها عن الأمومة، الزواج، الحزن، وعن خياراتها الشخصيّة، تتكلّم من مكانٍ شفّاف، من دون شعارات أو محاولات لتجميل الواقع. تذكّرنا Kika بأنّ أكثر النساء تأثيراً قد يكنّ الأكثر ابتعاداً عن الضجيج، أن لا تعريف واحد محدّد للنجاح، أنّ الإنجازات لا تقاس دائماً بميزانٍ واحد، وأنّ النضج الحقيقيّ لا يظهر في الصورة التي تقدّمها المرأة عن نفسها، بل في المساحة الآمنة التي تخلقها حول مَن تحبّ...
اليوم، تُشجَّع النساء على إثبات أنفسهن علناً. هل تعتقدين أنّ المرأة التي تختار حياةً بعيدة عن الضجيج يُستهان بها؟
نحن نعيش في زمن أصبحت القيمة فيه ترتبط بكثرة الظهور، وكأنّ الإنسان مطالب دائماً بأن يثبت نفسه أمام الجميع، وأن يعلن قوّته باستمرار… أقوى النساء اللواتي عرفتهنّ، لم يكنّ الأعلى صوتاً، بل الأكثر هدوءاً. نساء يحملن مَن حولهنّ بمحبّة، ويمنحن الطمأنينة من دون أن يحتجن إلى لفت الانتباه أو طلب التقدير. المرأة لا تحتاج أن تكون في الواجهة كي يكون لها أثر واضح، فالدعم الحقيقيّ لا يكون دائماً مرئيّاً. أحياناً يعيش خلف الأبواب المغلقة، في الحضور، في الإصغاء، في الاحتواء، وفي خلق السلام وقت التعب والفوضى. ربّما لهذا السبب كثيراً ما يُساء فهم القوّة، لأنّ الناس لا يرون ما يحمله الآخرون داخلهم، ولا المعارك التي خاضوها بصمت.
كيف تحافظين على فرادتكِ وأنتِ جزء من عائلة تحمل إرثاً قويّاً؟
الفرادة تصبح مُرهقة فقط عندما نحاول ربطها بالصورة الخارجيّة أو بما يراه الناس. بالنسبة لي، الهويّة الحقيقية تأتي من الداخل، من معرفة الإنسان لنفسه بصدق. الانتماء إلى عائلة تحمل إرثاً كبيراً جعلني أؤمن أكثر بالتواضع، وعلّمني أيضاً شيئاً أهمّ… أنّ القيمة الحقيقيّة تكمن في الأصالة. وما جعل هذه الرحلة طبيعية بالنسبة لي، هو أنّنا نتشارك القيم نفسها: البساطة، الصدق، الاحترام، والبقاء قريبين من حقيقتنا مهما تغيّرت الظروف حولنا. لذلك، لم أشعر يوماً أنّ عليّ أن أتحوّل إلى شخص آخر أو أن أعيش داخل صورة مفروضة عليّ، بل على العكس، إيلي وكلودين، سيليو وميشيل احتضنوني كما أنا، وهذا ما سهّل رحلتي في أدواري المختلفة، كزوجة، وأمّ، وامرأة وفيّة لنفسها في كلّ مرحلة من حياتها.
عملتِ في عالم الاستشارات الماليّة الذي تقوده الإنجازات والأداء العالي. هل شعرتِ يوماً بأنّ نجاحكِ غير مكتمل؟
هناك نوع من النجاح يسهل على الجميع رؤيته؛ الشهادات، المناصب، الترقيات، وكلّ الإنجازات التي تبدو واضحة من الخارج؛ كان هذا تصوّري للنجاح. الدراسة في جامعة مرموقة في لندن، العمل في مجال التمويل، تحقيق التقدّم المهنيّ، الحصول على التقدير… وكلّما وصلت إلى مرحلة، كنت أكتشف أنّ النجاح يتغيّر ويأخذ شكلاً جديداً. أحببت عالم العمل بما فيه من طموح وتحدّيات وشعور بالإنجاز، وما زلت ممتنّة لكلّ ما علّمني إياه، لكنّ الأمومة غيّرت نظرتي بطريقة لم أتوقّعها. أدركت أن أجمل النجاحات قد تكون في التفاصيل الصّغيرة وأن تخلقي بيتاً يشعر فيه أطفالكِ بالأمان والطمأنينة. أعيش نسخة النجاح الذي يُبنى يوماً بعد يوم بالصبر، الحضور، والحبّ، من دون تصفيق أو تقدير سريع.
تصفين الأمومة بأنّها "نجاح غير مرئيّ". هل تعتقدين أنّ المجتمع يجد صعوبة في تقدير الأشياء التي لا يمكن قياسها؟
نعيش في عالم يُعطي أهمية كبيرة لكلّ ما هو ظاهر وقابل للقياس، وكلّ ما يمكن للناس رؤيته بسهولة. أمّا الأمومة، فلا يمكن اختصارها بلحظة واضحة أو إنجاز سريع. الحبّ، الثقة، الحضور العاطفيّ، الاهتمام اليوميّ والجذور التي تمنح الإنسان توازنه، كلّها أشياء تتراكم بصمت، ثم تظهر لاحقاً في شخصيّة الإنسان، في ثقته بنفسه، وفي طريقته في الحبّ والتعامل مع الحياة. ربّما لهذا السبب يستهين العالم أحياناً بالدور العظيم للأمّ، فقط لأنّ أثره لا يظهر مباشرة.
هل شعرتِ يوماً بأنّ المرأة التي كنتِها لن تعود؟
أؤمن أنّ كلّ تحوّل كبير في الحياة يأتي معه نوع من الوداع الهادئ لنسخةٍ سابقة من أنفسنا. أحبّ المرأة التي كنتها، لكنّني عندما أرى حياتي الآن، أشعر بأنّني أكثر اكتمالاً.
ما الذي أصبح أقوى فيكِ، وما الذي أصبح أكثر رقّة؟
الأمومة جعلتني أقوى وأكثر رقّة في الوقت نفسه. قبل أن أصبح أمّاً، كنت أظنّ أنّ القوة تعني الاستقلاليّة، الطموح، والقدرة على التحمّل في الحياة العمليّة. لكّن الأمومة جعلتني أختبر مستوى آخر من القوّة… أن تستمرّي في منح الحبّ حتى وأنتِ مرهقة، مثقلة، أو ممتلئة بالحزن. أن تبقي مصدر أمان لأطفالك مهما كان ما يحدث داخلك. شعرت بهذا المعنى بعمق أكبر عندما فقدت والدي. كانت ابنتي صغيرة، وابني لا يزال طفلاً، و كنت أحاول التماسك وسط الحزن. في الوقت نفسه، كنت أحاول أن أكون قويّة من أجل والدتي، التي غيّرت الأمومة طريقة فهمي لها. أدركت حجم الحبّ الذي كانت تمنحنا إياه، والتعب الذي كانت تخفيه خلف حضورها اليوميّ. الأشياء الصغيرة لم تعد تهزّني كما كانت من قبل. في المقابل، جعلتني الأمومة أكثر حساسيّة، وأكثر تعاطفاً مع الآخرين، خصوصًا الأطفال. عندما تصبح المرأة أمّاً، لا يعود قلبها ملكاً لها وحدها، بل جزء منه يبقى خارج جسدها إلى الأبد.
لا تملك كلّ أمّ خيار أن تبقى مع أولادها كلّ الوقت وتربّيهم بمفردها. إلى أيّ مدى تدركين امتياز هذا الخيار؟
أدرك أنّ خيار كيف نقضي وقتنا مع أولادنا هو بحدّ ذاته امتياز. الأمومة لا يجب أن تتحوّل إلى منافسة حول من تُعطي أكثر. ظروف الحياة لا تمنح كلّ الأمّهات المرونة أو الدعم الكافي لتكنّ حاضرات بالطريقة التي تتمنّينها. هذا لا يجعلها أقلّ حبّاً أو أقلّ قرباً من أولادها. الحضور لا يعني الكمال، ولا يُقاس بعدد الساعات، بل بمنح الاهتمام الكامل، غير المشتّت، والتواصل بصدق. أحياناً ساعة واحدة من الانتباه الحقيقيّ والاحتواء، تمنح الطفل أماناً أكبر من يومٍ كامل من عدم التواصل الحقيقيّ. الأطفال لا يتذكّرون التفاصيل بقدر ما يتذكّرون شعورهم… هل شعروا بأنّهم مهمّين؟ محبوبين؟... اليوم حياتي مبنيّة حول هذا المعنى. أعيش تفاصيل حياة ولديّ في البيت وفي المدرسة وحتى سفرنا يكون معاً. لا أشعر أنّ تلك تضحية، بل انسجام مع الحياة التي أريدها والتي ستمنح الأمان والثقة لولديّ لمدى حياتهما.
عندما تشعرين بالإرهاق العاطفيّ، على مَن تتكئين؟
تعلّمت أنّ القوّة لا تعني ألاّ ننهار أبداً، بل أن نجد المساحة الآمنة االتي نلجأ إليها عندما نتعب. أنا ممتنّة لأنّني أجد هذا الأمان في زوجي الذي يفهمني ويحتويني ويقدّرني، وفي والدتي التي تدعمني وترافقني أنا وولديّ في أدقّ التفاصيل، بمحبة وصبر يفوقان الوصف.
الناس يرونكِ في المناسبات: أنيقة، جميلة، واثقة ودائماً إلى جانب زوجكِ. ما الذي لا يعرفونه عنكِ؟
أعتقد أنّ بعض الناس يربطون القوّة بكثرة الضجيج أو الاستعراض، لكنّ ذلك لا ينطبق على حياتنا. قوّتي اليوم لا تكمن في ما يراه الناس، بل في حياتنا الخاصّة وفي تفاصيلها: الإصغاء، الدعم، الاحتواء، والقدرة على أن أكون مصدر راحة وأمان وسط الضغوط والمسؤوليّات. هذه الحقيقة تنطبق على كلّ ظروف الحياة في حلوها ومرّها. أنا لست فقط زوجة أو أمً أو المرأة التي يراها الناس في العلن. أنا كلّ هذه الأشياء معاً، وما زلت أتعلّم وأتغيّر وأنمو باستمرار. وفي النهاية، أكثر ما يهّمني هو أن أعيش حياةّ حقيقيّة… بسيطة، هادئة، مليئة بالحبّ وبعيدة عن التكلّف.
تبدين حريصة جدّاً على حماية البساطة في حياتكِ. ما أكثر ما يخيفكِ بشأن العالم الذي يكبر فيه الأطفال اليوم؟
أكثر ما يخيفني اليوم هو سرعة كلّ شيء. الأطفال يكبرون في عالم مليء بالضجيج، والشاشات، والتحفيز المستمر، وكأنّ الحياة أصبحت تتحرّك أسرع من قدرتهم على الشعور بها فعلاً. وأحياناً أشعر بأنّنا، وسط كلّ هذا التطور، بدأنا نفقد أشياء بسيطة لكن عميقة جدّاً… مثل الخيال والتواصل الحقيقيّ بين الناس. أشعر بالامتنان لأننا عشنا طفولتنا في التسعينيّات، حين كانت الحياة أبطأ وأبسط وأكثر إنسانيّة. كنا نقضي وقتنا في الخارج، نلعب حتى الغروب، ونصنع أجمل الذكريات من تفاصيل صغيرة. حتى الأشياء العاديّة كانت تحمل شعوراً مختلفاً بالحياة. أحاول أن أحافظ على هذه البساطة في حياة ولديّ. أريدهما أن يعيشا الحياة الحقيقيّة المبنيّة على العلاقات الإنسانيّة. أعتقد أيضاً أنّ الأطفال يحتاجون أحياناً إلى الملل ليغتني خيالهم، كما هم بحاجة إلى التواصل الحقيقيّ بالعين والقلب.
ماذا الذي يفهمه الأطفال عن الحياة وينساه الكبار؟
جمال البساطة والقدرة على عيش اللحظة كما هي. الطفل يستطيع أن يجد الفرح في أبسط الأشياء، لأنّه يعيشها بالكامل، من دون انشغال دائم بما سيأتي بعد ذلك أو كيف تبدو الأمور من الخارج. أمّا نحن، فنغرق بالضغوط والتوقّعات والتفكير المستمرّ، لدرجة أنّنا نتوقف عن عيش الحياة فعلاً. نصبح موجودين بأجسادنا، لكنّ عقولنا وقلوبنا في مكانٍ آخر. الأطفال صادقون جدّاً مع مشاعرهم. يفرحون بصدق، يحبّون بصدق، ويحزنون بصدق، من دون أقنعة أو تكلّف. هم يذكّروننا بأشياء نفقدها تدريجيًا مع العمر… البراءة، والبساطة.
ما القيم التي تربّيتِ عليها؟
تربّيت على أنّ قيمة الإنسان في حقيقته وليس في ما يحاول إظهاره للناس. البساطة، الصدق، الاحترام، وأن يبقى الإنسان قريباً من نفسه مهما تغيّرت الحياة حوله. هذه القيم بقيت ترافقني وتوجّهني في كلّ مرحلة من حياتي. الاحترام، الامتنان، التواضع، والّلطف لم تكن يوماً صفات استثنائية بالنسبة لي، بل أساساً طبيعيّاً لطريقة التعامل مع الناس والحياة. تعلّمت أنّ الأخلاق أهمّ من الصورة، وأنّ قيمة الإنسان لا ترتبط بمكانته أو بما يملكه. واليوم أجد نفسي أردّد الكثير مما علّمني إياه أهلي مع ولديّ، أريدهما أن يكبرا واثقين بنفسهما، متمسكين بقيمهما، ويعرفان أن لكلّ إنسان طريقته الخاصّة وقيمته الخاصّة، مع أنّ التربية أصبحت أكثر تعقيداً، في وسط المقارنات، والضغوط، والمعايير غير الواقعيّة. برأيي، التربية الحقيقيّة ليست فقط في حماية الاطفال من العالم، بل في منحهم القوّة والثقة لمواجته.
كيف تتمنّين أن يتذكّركِ ولداكِ يوماً ما؟ وماذا تأملين أن يفهما عن اختياراتكِ؟
لم أحاول يوماً أن أكون أمّاً مثاليّة، بقدر ما أردت أن أكون أمّاً تحمي ولديها، حتى من الأشياء التي قد لا يفهمانها في وقتها، وأتمنّى أكثر من أيّ شيء أن يعرفا أنهما جاءا من حبّ حقيقيّ وعميق، وأنّ أجمل قرار اتخذته في حياتي كان اختياري لوالدهما، وبناء هذه العائلة معه. أريدهما أن يتذكّرا أنّني كنت بيتهما الآمن، وحاضرة في تفاصيل حياتهما لا بدافع الواجب، بل بدافع الحبّ بعمق، وبلا شروط، ووجودي في حياتهما لم يكن تضحية، بل من أعظم النعم وأصدق أشكال السعادة. هما أجمل هديّة منحتها لي الحياة.
عندما تقضين وقتاً مع أطفال من خارج عالمكِ الخاصّ، مثل زيارتكِ اليوم للمدرسة الرسميّة مع الـUNICEF، ماذا يبقى معكِ عاطفيّاً؟
شعور عميق بالامتنان والتأثّر، لكن أكثر ما يلامسني فعلاً هو الإحساس الحقيقيّ بالتواصل مع الأطفال. الطفل يشعر فوراً بالشخص الذي يراه بصدق، ويستمع إليه، ويمنحه حضوراً حقيقياً. أحببت كثيراً مشاركتهم النشاطات واللحظات البسيطة التي أعيشها عادةً مع ولديّ، لأنّني أعرف تماماً كم يمكن لهذه التفاصيل الصّغيرة أن تزرع الفرح والطمأنينة في قلب الطفل. أشكر فريق UNICEF الذي سهّل هذه الزيارة، وآمل أن يصبح تعاوننا مستمرّاً، انطلاقاً من إيماني بقدرتنا جميعاً على منح الأطفال حياة أفضل.
خلال جلسة التصوير مع Chaumet، بدوتِ جميلة وواثقة. هل تعتقدين أنّ الأنوثة تصبح أقوى أم أكثر هدوءًا مع العمر؟
Loading ads...
أعتقد أن الأنوثة تصبح أعمق بكثير مع العمر، أكثر نضجاً وواقعيّة. في البداية، ترتبط الأنوثة بصورتنا الخارجيّة، لكن مع الوقت، ومع التجارب، تتغيّر هذه النظرة تماماً. الزواج، الأمومة، العمل، فقدان شخص عزيز، وإعادة بناء الذات بعد كلّ مرحلة… كلّها تجارب تُعيد تشكيل المرأة من الداخل. الحياة لا تُبقيك كما أنت، بل تُهذّبك، تُضعفك أحياناً لتقوّيك بطرق مختلفة. هكذا، تصبح الأنوثة أهدأ، لكن أعمق وأقوى. تصبح المرأة أكثر سلاماً مع نفسها، وأقلّ حاجة لإثبات شيء للعالم. أيضاً، أعتقد أنّ الأنوثة تكتمل أكثر عندما تكونين مع شريكٍ حقيقيّ. أنا ممتنّة لأنّني وجدت Elie كشريك لحياتي. هو يدعمني، يرى قوّتي وضعفي، يحبّني كما أنا، ما يقوّي أنوثتي ويعزّز دوري كامرأة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






