"في الفلسفة العدمية.. الإنسان وسؤال المعنى" للكاتب والأكاديمي السوري حمدان العكلة، كتاب صدر حديثاً عن دار "صونجاغ/ sonçağ" في أنقرة، يتناول الفلسفة العدمية من الجانبين النظري والتطبيقي.
يستعرض الكتاب في جانبه النظري جذور العدمية ويبيّن معناها لغوياً واصطلاحياً، كاشفاً عن أسسها الفكرية ومداخلها الفلسفية، كما يغوص في إشكالياتها الدينية، حيث يتقاطع النفي مع المقدس، ويشتبك التفكيك مع الإيمان في لحظة تاريخية شهدت فيها أوروبا ولادة جديدة للعقل، وانفصالاً عن الميتافيزيقيا القديمة، ويُبرز العدمية لا بوصفها موقفاً سلبياً، بل كفعل تحرري يهدم ليبني رؤية جديدة، ويحقق الانعتاق من سطوة الرموز والمعاني الثابتة والمطلقة، ويشكك في إمكانية المعرفة بحد ذاتها.
ويتتبع الجانب التطبيقي تجليات العدمية المتعددة وأنماطها وصولاً إلى العصر الرقمي، حيث تتحول العدمية إلى تجربة معاشة، تُفرغ اللغة من طاقتها الرمزية، والعلاقات من دلالتها، والأفعال من معناها. هنا لا تمارس العدمية بوصفها موقفاً فلسفياً واعياً فحسب، بل تعيد تشكيل الإنسان ككائن يلهث خلف المعنى دون أن يدركه.
ويُختتم الكتاب بتحليل العدمية السياسية من خلال مثالين صارخين: العدمية المتحكمة في الفعل السياسي في سوريا، حيث يغدو الإنسان العربي المعاصر في مواجهة العبث، والعدمية التي تتجلى في الكيان الصهيوني، بوصفه نموذجاً لذروة النفي وإقصاء الآخر في مقابل طوفانٍ قلب الموازين.
من مقدمة الكتاب
بعد أن انتزع الإنسان الحديث في أوروبا حريته من سلطة الكنيسة التي كانت تهيمن عليه حتى نهاية العصور الوسطى، ظهرت دعوات تنادي بألوهية الفرد في الوجود، فقد اعتقد بعض المفكرين أن زوال السلطة عنه يمنحه مرتبة وجودية فريدة، ويصيره سيداً على نفسه وعلى الكون بأسره، وعدوا هذه المرتبة مكانه الطبيعي الذي حالت عوامل تاريخية عديدة دون بلوغه إياها، ومن هنا، آمنوا بأنفسهم من دون سائر الموجودات، انسجاماً مع قناعتهم بحريتهم المطلقة الرافضة لأي شكل من أشكال القيود، وقد قادت هذه الإرهاصات السلوكية أصحاب النزعة العدمية إلى الاعتقاد بلا جدوى الكون وعبثية الوجود، ودفعتهم إلى حالة من اللامبالاة، ثم إلى شعور بانعدام معنى الحياة وجدواها، وما يتبع ذلك من سلوكيات سلبية قد تفضي إلى التشاؤم، ما يسهم بدوره في إهمال الجانب المعرفي، ويقود إلى الانحدار الأخلاقي.
لقد أرست الفلسفة الوجودية التي تبنت مبدأ "أولوية الوجود على الماهية"، الأساس الفكري للنزعة العدمية، حيث تقوم هذه النزعة على رفض تام للوجود، انطلاقاً من أن الوجود المعاش لا يتوافق مع الحرية، فالإنسان - في نظرهم - لم يوجد إلا قسراً، من دون قرار أو اختيار منه، إذ تم وجوده بطريقة خارجة عن إرادته، ما جعل هذا الوجود منافياً للحرية الإنسانية.
كما ارتبطت الفلسفة العدمية بمفهوم القوة، ويعزى ذلك إلى شيوع مبدأ داروين القائل بـ "البقاء للأصلح"، والذي استقى منه فريدريك نيتشه مفهوم "إرادة القوة"، ثم تبنى عدد من الفلاسفة هذا المفهوم، لتأخذه عنهم الحركات الشمولية - كالفاشية والنازية – في النصف الأول من القرن العشرين في أوروبا، وتبني عليه تصورها لمفهوم البقاء، ما ألحق بالإنسانية ويلات ومآسي، ومن هنا، تولد لدى العدميين تصور بعدم أهمية القيم الأخلاقية، وخلخلة في توازن المنظومات الدينية لديهم. ورغم أن نيتشه يُعد من أبرز مؤسسي هذه النزعة الفلسفية التي بدأت بالانتشار في أوروبا، إلا أن البحث التاريخي في جذور العدمية يُظهر أن إرهاصاتها تعود إلى فلسفات العصور الوسطى، حيث ظهرت حينها في صورة ما كان يُطلق عليه بـ "الهرطقات"، بل إن مفاهيم العدمية كانت حاضرة في الفلسفات الهندية القديمة، ولا سيما البوذية التي اتسمت بعض نصوصها بسلوكيات عدمية تتخلى عن القيم الأخلاقية والدينية. كما تعد المدرسة الكلبية نموذجاً تعبيرياً عن النزعة العدمية، إذ رأت أن الوجود بلا معنى، سواء بوجود آلهة أم بغيابها، وقد سادت هذه الروح التشاؤمية بين العدميين، إذ تتجلى الفلسفة العدمية في أشكال متعددة، من بينها: رفض جميع القيم واعتبارها بلا أساس، وإنكار المعرفة، والاعتقاد بأن الحياة تفتقر إلى المعنى والأهمية الجوهرية، مع رفض تام لأي ممارسة سياسية.
Loading ads...
ترفض العدمية النظم السائدة والقيم الثابتة، وتسلك منهجية تقوم على التحليل وطرح تساؤلات جديدة، ما يجعلها تواجه إشكالية حضور الذات وفاعليتها في الوجود بين الضرورة بوصفها ذاتاً عاقلة، وبين اللامبالاة إزاء مجمل هذا الوجود. ومن جهة أخرى، تتناول العدمية معنى وجود الإنسان بين وجوده المنتزع من الآلهة، وبين قيمته الجديدة الخالية من أي سلطة مفروضة عليه. وأخيراً، لا بد من الإشارة إلى مستقبل الأفكار العدمية، مع التركيز على دورنا في الكشف عن طبيعة هذا الفكر، وتقديم رؤية نقدية تتناول أفكاره، وصولاً إلى نتائج بحثية، وبعض التوصيات في ضوء الاتجاه الهيرمينوطيقي العدمي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





