يوم واحد
الجنسية الإسبانية للصحراويين... ما الذي لم يحسمه التقارب بين الرباط ومدريد؟ - رصيف22
الخميس، 17 سبتمبر 2026

أعاد تصويت مجلس النواب الإسباني لصالح تسهيل حصول صحراويين على الجنسية، ملفاً من الماضي الاستعماري الإسباني، إلى صلب العلاقة بين مدريد والرباط. فالحكومة الإسبانية التي اختارت منذ عام 2022، دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، تؤيّد في الوقت نفسه مبادرةً يقدّمها المدافعون عنها باعتبارها تصحيحاً لآثار الانسحاب الإسباني منها.
بين الخيارين، يبرز سؤال عما استطاع التقارب بين البلدين تسويته، وما بقي خارج التفاهمات.
في 10 أيلول/ سبتمبر 2026، أقرّ مجلس النواب الإسباني المقترح بأغلبية 168 صوتاً، مقابل 31 معارضاً و145 ممتنعاً، وأعلن عن إحالته إلى مجلس الشيوخ لاستكمال المسار التشريعي.
لا يعني التصويت لصالح القانون أنّ الجنسية الإسبانية أصبحت متاحةً لصحراويين بموجبه، فالنص يحتاج إلى استكمال إجراءات الإقرار والنشر. تنصّ الصيغة التي أقرّها النواب الإسبان على دخوله حيّز التنفيذ بعد أربعة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية، وتكمن أهمية الخطوة في أنها تعالج علاقةً قانونيةً بأشخاص ارتبط تاريخهم بالإدارة الإسبانية للإقليم.
وبينما يستمر الخلاف السياسي بشأن مستقبله، يختلف استقبال الصيغة المقرّة بحسب السؤال المطروح: هل تنصف أفراداً طال انتظارهم أم تعيد فتح ملف اعتقدت الحكومتان أنهما تجاوزتا خلافاته الأساسية؟
يشمل المسار الاستثنائي المقترح، الصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 أيلول/ سبتمبر 1977، حتى إن لم تكن لديهم إقامة قانونية في إسبانيا. ويتيح لأبنائهم المباشرين طلب الجنسية خلال خمس سنوات من تسجيل حصول أحد الوالدين عليها وفق هذا المسار. كما يتضمن خفض مدة الإقامة القانونية المطلوبة للصحراويين للحصول على الجنسية عبر مسار الإقامة إلى سنتين، بدلاً من المدة العامة البالغة عشر سنوات.
ولإثبات الاستحقاق، يقبل النص وثائق متعددةً، بينها بطاقة الهوية الإسبانية ولو انتهت صلاحيتها، وشهادات الميلاد ووثائق أصدرتها الإدارة الإسبانية، ويسمح بالاستناد بصورة تكميلية إلى وثائق دراسية وطبية وغيرها. وتتاح طلبات المسار الاستثنائي خلال ثلاث سنوات من دخول القانون حيّز التنفيذ، مع إمكان تمديد المهلة سنةً إضافية.
ولا يتعلق الأمر بمنح الجنسية تلقائياً لجميع الصحراويين، بل بفتح مسارات تستلزم تقديم طلبات وإثبات توافر الشروط، وهو فرق أساسي بين الفئات التي يمكنها التقدم، وبين عدد الذين سيحصلون عليها فعلياً.
أما عدد المستفيدين المحتملين، فيقدّره رئيس تجمع الصحراويين المولودين تحت الإدارة الإسبانية، بشرايا باهي، بما بين 80 ألفاً و120 ألف شخص، وفق تصريحات للتلفزيون العمومي الإسباني في يوم التصويت. وتبقى هذه أرقاماً تقديريةً منسوبةً إلى تجمع معني بالملف، وليست إحصاء حكومياً نهائياً، كما لا تقدّم التغطية التي نقلتها تفصيلاً يفصل بين المستفيدين الأصليين وأبنائهم.
وعبّر باهي عن فرحته بالتصويت بعد سنوات من المطالبة بالجنسية، لكنه عدّه خطوةً لا تستكمل جبر الضرر، وربط أهميته بالأمل في الوصول إلى السلام والاستقرار بعد عقود من المعاناة. ويكشف هذا التفاعل الجمعوي جانباً من تطلعات المعنيين الذين ينتظرون أن يتحول الاعتراف السياسي إلى تغيير ملموس في أوضاعهم.
يرتبط اختيار التاريخ المرجعي بترتيبات الجنسية التي أعقبت الانسحاب الإسباني. ففي أيلول/ سبتمبر 1976، نشرت إسبانيا مرسوماً أتاح لفئات من الصحراويين اختيار جنسيتها خلال سنة، وفق شروط تتصل بالإقامة والوثائق. ونصّ المرسوم على انتهاء صلاحية وثائق التعريف وجوازات السفر الإسبانية لمن لم يمارسوا الخيار ضمن المهلة.
ومن هذا الإرث يأتي استعمال مؤيّدي المبادرة عبارة "استعادة الجنسية"، فالجدل يتعلق بكيفية معالجة أوضاع خلّفتها نهاية الإدارة الإسبانية، وبالفارق بين الاعتراف بصلةٍ تاريخية وتمكين أصحابها من ممارسة الحقوق المرتبطة بها.
هذا البعد التاريخي جمع أغلبيةً برلمانيةً، لكنه لم يصنع اتفاقاً على المعنى السياسي للمبادرة. فقد صوّت الحزب الاشتراكي وشريكه الحكومي "سومار" لصالحها، فيما امتنع الحزب الشعبي و"خونتس"، وعارضها "فوكس".
وكان التحوّل الاشتراكي أبرز ملامح المسار. فبحسب وكالة إيفي، رفض الحزب قبول النظر في المبادرة في شباط/ فبراير 2025، قبل أن يدعمها في التصويت الأخير. أما الحزب الشعبي، فأكد تأييد تسهيل التجنيس مع اعتراضه على المسار الاستثنائي المختار، وانتقد في الوقت نفسه سياسة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تجاه المغرب.
وتفسّر هذه المواقف صعوبة اختزال التصويت في مواجهة بين مؤيّدين للمغرب ومعارضين له. فقد اجتمعت قوى مختلفة على معالجة أوضاع أفراد، من دون أن تتفق على سياسة مدريد تجاه الإقليم.
بالنسبة للرباط، تتصل حساسية الملف بالموقع الذي احتلته الصحراء في إعادة بناء العلاقة مع مدريد. ففي البيان المشترك الصادر في 7 نيسان/ أبريل 2022، عدّت إسبانيا المقترح المغربي للحكم الذاتي الأساس الأكثر جديةً وواقعيةً ومصداقيةً لحل النزاع، واقترن ذلك بالتزامات لتعزيز الثقة والتشاور والتعاون بين البلدين.
غير أنّ التفاهم بين الحكومتين لم يغلق النقاش داخل المؤسسات الإسبانية بشأن التبعات القانونية للماضي الاستعماري. فالشراكة تنظّم المصالح والعلاقات بين دولتين، بينما تستمر مطالب أفراد يرون أنّ أوضاعهم لم تجد تسوية.
وقد عبّر وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، عن محاولة الجمع بين المسارين قبل التصويت. ففي 24 حزيران/ يونيو 2026، أعلن تأييده مبادرة الجنسية، وشدّد في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على أفضل علاقة ممكنة مع المغرب، مستحضراً المصالح الاقتصادية والروابط البشرية بين البلدين.
ويقدّم هذا التصريح مفتاحاً لفهم الموقف الحكومي، إذ لا تطرح مدريد دعم التجنيس باعتباره بديلاً عن التقارب مع الرباط، لكن قدرتها على الجمع بينهما ستختبر أيضاً حين تبدأ معالجة الطلبات وتتضح آثارها.
حتى يوم أمس، لم يتسنَّ رصد موقف رسمي مغربي منشور يتناول مقترح الجنسية بالاسم ويعلن قبوله أو رفضه. غير أنّ الخارجية المغربية أصدرت في يوم التصويت، بياناً بشأن التطورات في العلاقة مع إسبانيا، انتقدت فيه استغلال المملكة في التجاذبات السياسية الداخلية، وأعربت عن أسفها لمبادرات مؤسسات تشريعية وقضائية إسبانية قالت إنها تغذّي سوء التفاهم.
ولم يسمِّ البيان المؤسسات أو المبادرات المقصودة، لذلك يبقى ربط هذه الإشارة بمقترح الجنسية قراءةً محتملةً لسياق صدوره، لا رفضاً صريحاً للنص. كما جدّدت الخارجية تمسّكها بحسن الجوار والتفاهم السياسي والشراكة الاقتصادية والأمنية، ورفضت الاتهامات المتعلقة بضلوع السلطات المغربية في أحداث الهجرة نحو سبتة.
وفي قراءة من داخل المغرب، دعا مدير مركز السلام للدراسات السياسية والإستراتيجية، العربي النص، إلى فصل طلب الجنسية عن افتراض الموقف السياسي لصاحبه. ففي تصريحات لـ"هسبريس" نُشرت في 12 أيلول/ سبتمبر الجاري، اعتبر أنّ الصحراويين قد يرون في المبادرة فرصةً للاستفادة من مزايا الإقامة أو الجنسية الإسبانية، وأن ذلك لا ينبغي أن يُقرأ تلقائياً باعتباره اختياراً انفصالياً.
ويربط النصّ مسار المبادرة بالتوازنات الحزبية الإسبانية، ويرفض تفسيرها حصراً بالتوتر الراهن، مشيراً إلى أنّ جذورها تسبق التطورات الأخيرة، وأنّ التحولات في مواقف الأحزاب تتصل بحساباتها داخل البرلمان والائتلاف الحكومي.
وتضع هذه القراءة مصلحة الأفراد في صلب النقاش، فالشخص الذي يسعى إلى تسوية وضع قانوني أو توسيع فرصه لا يمكن استنتاج موقفه من النزاع من خلال طلب الجنسية وحده، كما أنّ استفادته المحتملة لا تختصر في المكاسب التي تنسبها الأطراف السياسية إلى نفسها.
ومن جهة البوليساريو، جاء الترحيب المؤسساتي مقروناً بالتشديد على استمرار المطالب السياسية. ففي بيان نقلته وكالة الأنباء الصحراوية في 12 أيلول/ سبتمبر الجاري، وصف رئيس المجلس الوطني الصحراوي وعضو الأمانة الوطنية للجبهة، البشير مصطفى السيد، التصويت بأنه خطوة تاريخية و"قطرة من العدالة"، لكنه عدّه معالجةً جزئيةً لمسؤولية إسبانيا التاريخية.
وشدّد على أنّ الاستفادة من الجنسية لا تعني البحث عن هوية بديلة، بل تتعلق بحسب موقفه بحقوق فردية وتاريخية، وطالب مدريد بموقف سياسي يدعم تقرير المصير والاستقلال، منتقداً استمرار دعم حكومة سانشيز للمقترح المغربي.
وبذلك، لم يتضمن الترحيب بالمبادرة قبولاً بسياسة إسبانيا تجاه النزاع، بل صاحبه طلب تغييرها، وهو ما يظهر اختلاف التوقعات المعلقة على النص، بين حكومة تسعى إلى تسوية أوضاع أفراد مع الحفاظ على شراكتها مع المغرب، وطرف يريد أن تمتد المعالجة إلى موقفها السياسي.
ولا تختزل هذه القراءة المواقف الصحراوية، فأحد الأعضاء المؤسسين السابقين للبوليساريو، البشير الدخيل، توقّع في تصريحات لـ"ميديا24"، في 12 أيلول/ سبتمبر الجاري، أن تكون الجبهة أبرز المتضررين من توسيع فرص الحصول على الجنسية، معتبراً أنّ ذلك قد يقلّص قدرتها على التحكم في أوضاع سكان المخيمات.
ورفض الدخيل تضخيم أثر التجنيس على المغرب، ورأى أنّ اكتساب جنسية ثانية لا يلغي ارتباط المستفيدين ببلدهم الأصلي، كما استبعد أن يزعزع الملف العلاقة المغربية الإسبانية بصورة دائمة، وتبقى هذه تقديرات سياسية لصاحبها، في مقابل توقعات أخرى ترى في المبادرة سبباً محتملاً لتوتر جديد.
أما الصحافي والناشط الإعلامي الصحراوي من مجموعة "إيكيب ميديا"، والمؤيد لتقرير المصير في الصحراء الغربية، أحمد التانجي، فيضع الاختبار في الحقوق التي ستترتب على الجنسية. ففي تصريحات لوكالة إيفي، رحّب بالمبادرة، لكنه طالب بألا تقتصر نتائجها على جواز سفر، ودعا إسبانيا إلى توفير الحماية القنصلية للمستفيدين إذا تعرّضوا لانتهاكات من السلطات المغربية، متوقعاً أن يثير ذلك توتراً بين البلدين.
وفي تفاعل مدني من الداخلة، رحّب مؤسس ومدير أكاديمية أونامونو للغات، إبراهيم حميدة، بالخطوة في تصريحات للوكالة نفسها، معتبراً أنها تعالج حقاً تأخّر الاعتراف به بعد سنوات من الانتظار.
وتكشف مطالب الحماية جانباً من الأسئلة التي قد تلي التجنيس، فقانون الخدمة الخارجية الإسباني ينص على مساعدة المواطنين الإسبان في الخارج وحمايتهم ضمن القواعد المعمول بها. لكن ذلك لا يعني تدخلاً دبلوماسياً تلقائياً في كل حالة، ولا يتيح استنتاج ضمانات خاصة لم ينصّ عليها مقترح الجنسية.
تظهر هذه التفاعلات أنّ الترحيب بالجنسية لا يقوم على انتظار واحد، فهناك من يراها اعترافاً بتاريخ شخصي وعائلي، ومن ينتظر منها تسويةً قانونيةً، ومن يطالب بأن تترتب عليها حماية ومسؤوليات أوسع. وهي مواقف جمعوية ومدنية وسياسية محددة لا تختصر وحدها آراء السكان أو اختلاف أولوياتهم.
ويبقى الاختبار الأقرب هو استكمال التشريع وتحويل مقتضياته إلى إجراءات واضحة، فالمعنيون سيحتاجون إلى جمع الوثائق وتقديم الطلبات وانتظار الأجوبة، ولن تقاس قيمة الخطوة بوصفها تاريخيةً في الخطاب السياسي وحده، بل بقدرة أصحابها على الانتفاع بما تتيحه.
أما بالنسبة إلى مدريد والرباط، فقد أعادت المبادرة إظهار حدود ما يحسمه الاتفاق بين حكومتين. يمكن للتقارب أن ينظّم المصالح ويخفّف الخلافات، بينما تظلّ داخله حقوق فردية وملفات تاريخية تنتظر المعالجة.
Loading ads...
وما سيحدّد أثر الجنسية في العلاقة بين البلدين، هو التعامل مع أصحابها عندما يصبحون مواطنين إسباناً، بعد أن ينتهي التصويت ويبدأ التنفيذ.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





