ساعة واحدة
من الحرب إلى التهدئة.. ترامب يعيد توجيه البوصلة الأمريكية
الثلاثاء، 9 يونيو 2026
لم تستغرق جولة التصعيد الأخيرة بين إيران و"إسرائيل" سوى ساعات، لكنها كانت كافية لإعادة رسم صورة المشهد الإقليمي من جديد، فالمواجهة التي بدأت بقصف إسرائيلي استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، سرعان ما تحولت إلى تبادل مباشر للنيران بين طهران وتل أبيب، قبل أن تنتهي بإعلانات متبادلة عن وقف الهجمات.
غير أن التطور الأكثر لفتاً للنظر لم يكن في الصواريخ التي أُطلقت أو الأهداف التي ضُربت، بل في الموقع الذي بدت الولايات المتحدة وكأنها تحاول التموضع فيه، من طرف شارك في الحرب وأدار جانباً من معاركها إلى وسيط يسعى لمنع انفجارها مجدداً.
ترامب أظهر نشاطاً منذ اللحظة الأولى لانطلاق الصواريخ الإيرانية، داعياً حليفه بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء حكومة الاحتلال، إلى تجنب الرد، وبالرغم من عدم امتثال الأخير فإن ترامب واصل جهوده للحد من التصعيد، خوفاً على انهيار الهدنة.
وبالرغم من إعلان الطرفين وقف الهجمات، فإن احتمال تكرار جولة التصعيد لا تزال قائمة، خصوصاً أن "إسرائيل" أعلنت استمرار عملياتها في جنوب لبنان، في حين أعلنت جماعة الحوثي في اليمن حظر الملاحة البحرية على دولة الاحتلال في باب المندب والبحر الأحمر.
وبدأت الجولة الجديدة عندما شنت "إسرائيل" غارات على الضاحية الجنوبية لبيروت، يوم الأحد 7 يونيو، للمرة الأولى منذ الإعلان الأمريكي عن خطة تهدئة في لبنان، قبل أيام، وهو ما اعتبرته إيران خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ويمس الترتيبات المتعلقة بوقف الحرب.
وبعد ساعات فقط، أطلقت إيران دفعات من الصواريخ باتجاه الأراضي المحتلة، في أول هجوم مباشر منذ سريان الهدنة التي أُعلنت في أبريل الماضي، ليرد جيش الاحتلال فجر الاثنين، 8 يونيو، بسلسلة غارات عنيفة استهدفت مواقع وأهداف متفرقة داخل إيران.
وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن صفارات إنذار في مناطق واسعة، بينما أعلنت تل أبيب اعتراض معظم الصواريخ، قبل أن ترد بضربات استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت في إيران، لتدخل جماعة الحوثي في اليمن في إطار التصعيد، بإطلاق صواريخ باتجاه الأراضي المحتلة، وتعلن إغلاق البحر الأحمر وباب المندب أمام السفن الإسرائيلية أو تلك المرتبطة بها.
ومنذ أشهر تصر طهران على أن أي اتفاق لوقف الحرب لا يقتصر على الجبهة الإيرانية، بل يجب أن يشمل أيضاً لبنان. ولهذا جاء إعلان وقف العمليات الإيرانية مقروناً بتحذير واضح من أن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من التصعيد.
في خضم هذه التطورات برز الموقف الأمريكي بصورة مختلفة عن الأشهر الماضية، فالرئيس ترامب، الذي قادت إدارته الحرب ضد إيران إلى جانب "إسرائيل"، منذ فبراير الماضي، ظهر هذه المرة داعياً إلى وقف فوري لإطلاق النار، ومطالباً الطرفين بالتراجع خطوة إلى الخلف.
وأشارت تقارير عبرية وغربية إلى أن واشنطن وتل أبيب نقلت رسالة إلى طهران مفادها أن الهجمات ستتوقف ما لم تبادر إيران بإطلاق النار مجدداً، لتعلن طهران وتل أبيب بشكل متزامن وقف العمليات العسكرية المتبادلة.
وفي ذات السياق نقلت القناة "12" الإسرائيلية عن ترامب قوله إنه حذر نتنياهو من أنه إذا حول التصعيد إلى حرب فسيبقى وحيداً أمام إيران، مؤكداً أنه طلب منه، ليلة أمس، عدم الرد على الهجمات الإيرانية.
وأضاف ترامب أنه حاول "تقليص حجم الرد الإسرائيلي على إيران"، وأن هناك 5 دول طالبته بالضغط على نتنياهو، في حين قالت القناة "12" إن ترامب أمر نتنياهو خلال اتصالهما بوقف الهجوم على إيران، بينما كانت المقاتلات تستعد.
والأحد، نفى مسؤول إسرائيلي لشبكة "سي إن إن" مزاعم "إسرائيل" بانخراط الولايات المتحدة في التصدي للصواريخ الباليستية الإيرانية التي أطلقت باتجاه الأراضي المحتلة.
وثمة تقديرات تشير إلى أن وراء هذا التحول الأمريكي حسابات تتجاوز مجرد الرغبة في التهدئة، فواشنطن تخوض منذ أسابيع مفاوضات مع إيران عبر وسطاء إقليميين، وتسعى إلى الوصول إلى تفاهم أوسع يتناول الحرب والملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية.
لكن الضربات الإسرائيلية على لبنان وضعت هذه الجهود تحت ضغط كبير، وقد عبر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عن ذلك بوضوح عندما قال إن ما تفعله "إسرائيل" يهدد المسار الدبلوماسي ويقوض فرص التوصل إلى اتفاق.
كما نقل موقع "أكسيوس" الأمريكي، في وقت سابق هذا الشهر، عن مصادر قولها إن ترامب أجرى مكالمة هاتفية متوترة مع نتنياهو، نعته خلالها بالجنون، واتهمه بأنه يضر بمستقبل "إسرائيل" ويفاقم عزلتها، بسبب تصعيدها في لبنان.
ما تكشفه جولة التصعيد الأخيرة أن واشنطن باتت اليوم معنية بمنع انهيار مسار المفاوضات التي استثمرت فيها سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً، خلال الأشهر الماضية، والهدف الخروج من هذا المستنقع الذي أضر بمكانة الولايات المتحدة وتحالفاتها الإقليمية.
ولهذا لم يكن مفاجئاً أن يتحدث ترامب عن "المفاوضات النهائية للسلام"، وأن تدعو باكستان، الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران، جميع الأطراف إلى إعطاء الدبلوماسية فرصة جديدة.
ويظهر ما جرى خلال الساعات الماضية أن واشنطن لا تريد حرباً مفتوحة بين "إسرائيل" وإيران، ولا ترغب في أن تؤدي الجبهة اللبنانية إلى نسف المسار التفاوضي الذي تعمل عليه، لكن دورها يواجه اختباراً معقداً بين إصرار إيران على أن لبنان جزءاً من الاتفاق الشامل، وإصرار "إسرائيل" على فصل الجبهتين، ومواصلة التصعيد ضد "حزب الله".
ويرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد الحيلة أن موقف الرئيس الأمريكي ترامب من التصعيد الأخير يشير إلى أنه يفضل المفاوضات وأدوات الضغط الدبلوماسية والاقتصادية والحصار بعيداً عن الحرب الموسّعة.
ولفت الحيلة، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن ترامب بات يدرك أن هناك كثيراً من التحديات والتداعيات الاقتصادية والأمنية، دون التصعيد العسكري، علاوة على صعوبة أو استحالة الحسم العسكري في ظل تجربة حرب الـ 40 يوماً، فضلاً عن رفض أغلبية الشعب الأمريكي للحرب وانعكاس ذلك سلباً على حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس القادمة إذا استؤنفت الحرب.
وفيما يخص حالة التهدئة القائمة قال الحيلة إن جولة التصعيد الأخيرة أظهرت هشاشة التفاهمات والهدنة، لكنها لا تعني بالضرورة العودة إلى الحرب التي يحول دونها العديد من التحديات الإقليمية والدولية والاقتصادية والأمنية.
وحول العملية التفاوضية أشار إلى أنه رغم صعوبتها فإنها الأقل تكلفة على الدول والاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أنها "ستحتاج إلى جولات عدّة ومزيد من جهد الوسطاء لإنضاج مذكرة تفاهم تخرج المشهد من عنق الزجاجة حتى الوصول لاتفاق شامل على كافة التفاصيل".
Loading ads...
واختتم الحيلة حديثه بالقول: "ربما يكون التصعيد الأخير سبباً في تسريع المفاوضات، وتذليل العقبات، والحيلولة دون الوصول لانسداد يفضي إلى جولات تصعيد جديدة تهندسها "إسرائيل" لأسباب سياسية وأمنية وانتخابية خاصة بها، بعد أن فشلت في حسم معاركها في غزة ولبنان وإيران واليمن".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






