ربما كان من طرائف الحرب السورية أن المنتصرين والمهزومين فيها يتسابقون اليوم، بنشاط، إلى كتابة تاريخها أو تاريخيهما المتباينين لها.
وإذا كانت كتابة الأول؛ الرابح، من طبائع الأشياء فإنّ سرعة إقبال الثاني؛ الخاسر، على تأليف روايته ونشرها غريبة إن لم نلحظ أنها جاءت مدفوعة بمخاطر داخلية حفزت على صياغة نسخة متعجلة من تاريخ أكثر من نصف قرن من حكم الأسدين، وأربعة عشر عاماً من الثورة، بطريقة تحصر أضرار الانتقام، أو المحاسبة، في طغمة محدودة سبق أن فرّت إلى خارج البلاد وكفى الله السوريين عبء العدالة بأي شكل؛ حرفية أو انتقالية أو عشوائية.
وثاني هذه الطرائف أن مروّجي رواية المهزومين، الذين يبلغون عدداً كبيراً من المشاركين السابقين في بنية النظام القمعية والسياسية والإعلامية، التقوا، في "لفلفة" الأمور، مع قطاع من المنتصرين يريد المحافظة على أوسع ما يمكن من بنية "الدولة" لتشغيل رجالها بسرعة فائقة في تسيير المشروع الجديد للبلاد، بخبراتهم أو ثرواتهم أو علاقاتهم.
للبعث مع السوريين قصة طويلة، فمنذ وصل إلى السلطة، بانقلاب الثامن من آذار عام 1963، نخرته "اللجنة العسكرية" وقاده الضباط الذين سرعان ما طردوا مؤسسيه من الأساتذة إلى خارج البلاد..
على كل حال فإنّ طرائف الروايتين كثيرة وسيغربلها الزمن بالتأكيد، لكننا سنعرض هنا لواحدة منها تبدو فكاهية في ذاكرة السوريين القريبة، وهي أن المتهربين من الاعتراف بواقع التمييز الطائفي في النظام السابق أخذوا يبحثون، لكبار ضباطه في الجيش والأمن، بل ومتوسطيهم وعامتهم، عن شركاء في النفوذ فوجدوا إحدى ضالاتهم في "حزب البعث" بما أنه كان، شكلياً، قائداً للدولة والمجتمع، بموجب مادة دستورية.
للبعث مع السوريين قصة طويلة، فمنذ وصل إلى السلطة، بانقلاب الثامن من آذار عام 1963، نخرته "اللجنة العسكرية" وقاده الضباط الذين سرعان ما طردوا مؤسسيه من الأساتذة إلى خارج البلاد، شارك حافظ الأسد في هذا وإن بشكل أقل غلواء من رفاقه حكّام الستينات الذين اصطدم معهم في أروقة "القيادة القطرية" للحزب، ملوحاً بعصا الجيش الغليظة التي استخدمها أخيراً للإطاحة بهم.
بقيادة قطرية رُكِّبت على عجل ممن أيد انقلاب وزير الدفاع في تشرين الثاني عام 1970، الذي سيُسمّى لاحقاً "الحركة التصحيحية"، وضع "الأسد" النسخة اليسارية من الحزب في السجن بعد أن كانت الطبعة اليمينية قد استقرت في العراق ومنافٍ أخرى.
لكنه ظل يحكم باسم البعث أولاً، وبدكتاتوريته الشخصية المتنامية ثانياً، وبالشرعية العسكرية التي عززتها حرب تشرين وفق الرواية الرسمية ثالثاً، وفي العمق بالقبضة الأمنية التي أخذت تتغول في السبعينيات، وهو العقد الذي شهد إقصاء "الأسد" لمن ظن من رفاقه في الحركة أنه شريك في الحكم.
وفي نهايته وقع الصدام مع الإسلاميين وخرج منه منتصراً لا عليهم فقط بل على مجمل الحركة السياسية في البلاد، بما فيها البعث الذي أصبح، بعد سيادة الرعب، مجرد مدخل لإثبات الولاء لمن فاتته الطرق الذهبية في المخابرات والوحدات العسكرية النخبوية.
فتضخم الحزب إلى درجة مفرطة أفقدته كل معنى سياسي ذي دلالة جدية، وأصبح الانتساب إليه محض ورقة يبحث عنها المرء لدعم ملفه الوظيفي أو لمجرد اتقاء شرور التقارير الأمنية إلى حد معين.
أما في الغرف الفاعلة، كأجهزة المخابرات أو قيادات الفرق العسكرية، فكانت الشعبة الحزبية كياناً نظرياً، فأي حاجة برئيس فرع أمني إلى حضور الاجتماعات المملة التي تبدأ وتنتهي بترديد الشعار؟ تاركاً ذلك لطلاب المدارس الثانوية الذين غالباً ما جرى تنسيبهم إلى الحزب بالجملة، بطلبات بليدة وُزِّعت عليهم في حصة كئيبة آخر الدوام.
أهمل حافظ الأسد حتى تنظيم المؤتمرات المركزية الدورية الضرورية للبعث، وتوفي قبيل أن يعقد واحداً قيل إنه كان سيحمل خطوات "إصلاحية"، تاركاً ذلك لولده الذي وجد نفسه على رأس حزب لا يعنيه ولا يعني أحداً في الحقيقة.
فقد تحول مفرّغوه إلى موظفين مدنيين تتيح لهم مراكزهم الاحتكاك بالفاعلين في الأمن والحكم، فأخذوا دورهم في تيسير الفساد الذي صارت سمسرته نشاطهم الأساسي، فضلاً عن نسخ الخطابات من بعضها في المناسبات ودلق الكروش وصباغة الشعر وتثخين الشارب.
يحاول بعضهم الآن أن يقول إن هذا الحزب كان شريكاً فاعلاً في الحكم، بما كان عليه من ترهل واستتباع ومكتبية واضمحلال بالمعنى الجاد، وذلك لأنّ البعث، بحالة "سوق الجمعة" المترامي التي أضحى عليها، صار عباءة واسعة متاحة للجميع ولم يكن مطمعاً لأي باحث عن صعود ذي بال..
حتى أن بشار الأسد، حين أراد، في العام 2012، إلغاء المادة الثامنة من الدستور، المشار إليها أعلاه، في محاولة لتطويق الثورة عليه؛ لم يحتج إلى مؤتمر للحزب ولم يلق من قواعده، التي بلغت الملايين وفق زعمهم، سوى الترحيب بقراره الحكيم بطبيعة الحال، أما عندما أعلنت السلطة الحالية حل الحزب فلم نسمع نأمة احتجاج واحدة من جماهيره التي كانت حاشدة في مسيرات رسمية سابقة!
ورغم ذلك يحاول بعضهم الآن أن يقول إن هذا الحزب كان شريكاً فاعلاً في الحكم، بما كان عليه من ترهل واستتباع ومكتبية واضمحلال بالمعنى الجاد، وذلك لأنّ البعث، بحالة "سوق الجمعة" المترامي التي أضحى عليها، صار عباءة واسعة متاحة للجميع ولم يكن مطمعاً لأي باحث عن صعود ذي بال، فصار بحق حزب العمال والفلاحين والمدرّسين وصغار الكسبة والنفوس والطموح والفرص من دون تمييز طائفي.
وفي هذا لا تصح نهائياً مقارنته بشقيقه وخصمه اللدود في العراق، فقد استمرت أهمية البعث هناك حتى آخر أيام صدام حسين، وحين انهار حكمه أطلق مسؤولوه، الذين كثيراً ما كانوا ضباطاً، مقاومات متعددة للغزو الأميركي والحكم الذي تلاه، وصل بعضها إلى أن يكون "داعش"، التي نشأت من زواج غير شرعي بين بعض هؤلاء الضباط وبين الآيديولوجيا السلفية الجهادية بطبعة أبي مصعب الزرقاوي، فوُلِدت الطفرة الخطرة.
Loading ads...
في النهاية لا تُغلَق صفحة الماضي بالتدليس، ولا تُطمَس الحقائق بالصوت العالي، خاصة إذا كانت من النوع الذي شهد عليه ملايين السوريين الذين لم تتعاقب عليهم أحقاب الدهر لكي ينسوا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

