ساعة واحدة
فرنسا تحشد قواتها لردع المحتجين.. هل تآكلت حقوق الإنسان في بلد الثورة؟
الجمعة، 23 أكتوبر 2026
بينما تتأهب فرنسا لاحتجاجات واسعة مقررة السبت، يبدو الرئيس إيمانويل ماكرون أقرب لتبني المقاربة الأمنية منه إلى الحلول السياسية، وفق محللين يرون أن الحكومة في وضع يجعلها عاجزة عن التعامل مع هذه الأزمة.
فقد أعلنت الداخلية الفرنسية تعبئة 70 ألفا من عناصرها لتأمين البلاد خلال المظاهرات المرتقبة التي تجاوزت مطالب طلاب المرحلة الثانوية إلى أخرى فئوية تتعلق بغلاء الأسعار وتحسين الأوضاع المعيشية.
وستكون هذه العناصر مدعومة بوحدات النخبة ومروحيات ومدرعات، في حين قال وزير الداخلية لوران نونيز، إن السلطات رصدت دعوات إلكترونية من مجموعات وصفها باليسارية المتشددة للتحريض على العنف واستهداف مبان عامة، مؤكدا أن التعامل "سيكون صارما مع أعمال الشغب والنهب".
وفي خطوة أكثر تطورا، حظرت الحكومة المظاهرات في مدن عدة بينها ليون ومرسيليا، فيما عقد ماكرون لقاء مع ممثلي منظمات طلابية دعوا بعد اللقاء إلى مواصلة التعبئة.
كما أعلنت الحكومة نشر قوات "سينتينيل"، السبت، لتنفيذ "مهام تأمين ثابتة"، قال موقع قناة "فرانس 24″، إنها عادة ما تكون مسؤولية رجال الشرطة، مشيرا إلى أنها "خطوة نادرة في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، إذ إن الجنود غير مدرَّبين على حفظ النظام العام والتعامل مع الحشود".
ويُعد هذا الاختيار خطوة إستراتيجية لمساندة قوات الأمن، لكنه يحمل أيضا بعدا سياسيا، إذ يهدف إلى إظهار أن السلطات ستعتمد انتشارا أمنيا "واسع النطاق"، بحسب الموقع الفرنسي.
وكانت فكرة الاستعانة بالجيش قد طُرحت منذ صباح الاثنين، ولا سيما من جانب رئيس الوزراء السابق والمرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، غابرييل أتال.
وقال أتال لوكالة الصحافة الفرنسية إنه ينبغي "تحرير قوات الأمن التي تتولى مهام الحراسة الثابتة، حتى لو اقتضى الأمر استبدالها بعناصر من قوات الاحتياط، أو حتى بقوات عسكرية"، موضحا أن الغرض "ليس تكليف الجيش بحفظ النظام العام، بل إحلاله محل الشرطة في هذه المهام".
ويكشف هذا الاستعداد عما وصفه أستاذ العلوم السياسية توما غينولي بالمفارقة الفرنسية "إذ يتعامل الطلاب المحتجون بهدوء بينما تتعامل الحكومة كالأطفال وترفض تقديم أي تنازلات، وترد على مطالب الناس بالعنف وقنابل الغاز"، حسب تعبيره.
فما يحدث اليوم في فرنسا ليس جديدا، كما قال غينولي خلال برنامج "ما وراء الخبر"، إذ شهدت البلاد في مايو/أيار 1968 مظاهرات طلابية اتسعت لاحقا إلى مطالب شعبية وانتهت بإضراب عام، مضيفا أن ما يحدث اليوم "مشابه لما حدث في ذلك التاريخ".
لكن المشكلة الكبرى تتمثل في إعلان حظر التظاهر في عدد من المدن، وهو قرار يخالف حق التظاهر السلمي الذي يكفله الدستور، وفق غينولي، الذي قال إن هذه الإجراءات ليست منطقية وتنم عن عدم الكفاءة لا عن غياب الأمن، لأن بإمكان الدولة التعامل مع مئات ممن يخترقون القانون دون أن تحرم آلافا آخرين من حقهم الدستوري في التعبير عن رأيهم.
ولا يختلف الباحث الأول بمعهد السياسة العالمية جاك رولان، مع حديث غينولي، عن حق الفرنسيين في التظاهر بل ويؤكد ضرورة استجابة الحكومة لهم، لكنه يرى أن الدولة ليست في وضع سياسي ولا اقتصادي يمكنها من تلبية بعض هذه المطالب.
ففرنسا -كما قال رولان في "ما وراء الخبر"- تعاني وضعا اقتصاديا صعبا خصوصا في ظل ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق بسبب الحرب الأمريكية على إيران، ومن ثم لن تكون قادرة على تنفيذ شيء مما يطالب به المحتجون.
والأهم، برأي المتحدث، أن الحكومة فشلت في تقدير هذه الاحتجاجات وتوقعت أن تنتهي بنهاية العطلة الدراسية، وقللت من غضب الطلاب العارم ثم فشلت في التعامل معها عندما اصطدمت بالأعداد الكبيرة التي شاركت فيها وبانضمام فئات ونقابات أخرى إلى المتظاهرين.
بل إن الحكومة قد تفشل في التعامل مع الوضع خلال الأيام المقبلة، بحسب رولان، الذي قال إن ماكرون يمتلك أغلبية برلمانية تمكنه من فرض تدابير أمنية لكن البلاد مقبلة على انتخابات رئاسية تجعل كثيرين يرفضون قبول هذه التدابير التي ربما تساعد في احتواء الغضب الذي لم يعد معروفا إلى أي حد سيصل.
أما أستاذ العلاقات الدولية حسني عبيدي، فيرى أن ماكرون ليس في وضع يسمح له بتقديم بعض التنازلات للمتظاهرين كما فعل سابقا مع حركة السترات الصفراء عام 2018، لأنها تعاني دينا كبيرا ونسب فوائد مرتفعة، فضلا عن تأثر الأزمة بالانتخابات المقبلة.
فالأحزاب اليمينية، وفي مقدمتها "التجمع الوطني" بزعامة مارين لوبان، تنادي بما تسميه استعادة الدولة، أي استخدام مزيد من القوة مع المظاهرات والذهاب بشكل أكبر إلى المقاربة الأمنية وربما التعسف في استخدامها، وهو ما حدث فعلا خلال الأيام الماضية ودفع 7 أحزاب يسارية إلى اللجوء للقضاء لإلغاء قرار حظر المظاهرات، كما يقول عبيدي.
فهذه الأحزاب لا تملك حلولا للأزمة شأنها شأن ماكرون الذي خرجت الأمور من يده، وفق عبيدي, الذي قال إن الاجتماعات التي عقدها الرئيس مع الطلاب "تعتبر روتينية مقارنة بحجم الأزمة مما يعني أنه سيواصل المقاربة الأمنية".
وبالنظر إلى هذا التعسف في استخدام الحلول الأمنية وتقليل سن المسؤولية الجنائية إلى 16 عاما واعتقال أعداد كبيرة من القُصّر، يعني أن فرنسا ربما تخسر بعض مكتسباتها على صعيد حقوق الإنسان، برأي عبيدي.
وبدأت الأزمة بمظاهرة نظمها طلاب إحدى المدارس الثانوية منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، بضاحية كريتاي جنوب شرق العاصمة باريس، ثم امتدت إلى مدارس أخرى، قبل أن تتسع رقعتها إلى المدن الكبرى وتؤدي إلى مواجهات وأعمال عنف ونهب وإغلاق لمئات المدارس.
Loading ads...
ولاحقا، انضمت فئات ونقابات إلى موجة الاحتجاج التي بلغت ذروتها يوم 17 من الشهر الجاري، عندما وقعت أعمال نهب وحرق واسعة في باريس ومرسيليا وليون، ومدن أخرى، مما دفع بالسلطات لمنع التظاهر وفرض حظر للتجوال في بعض المناطق تزامنا مع المظاهرات المقررة السبت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




