2 ساعات
موسم إنعاش مائي استثنائي.. البحيرات والأنهار تستعيد عافيتها شمالي حلب
الأحد، 22 فبراير 2026
شهدت مختلف مناطق محافظة حلب شمال غربي سوريا خلال الفترة الأخيرة هطولات مطرية غزيرة وواسعة النطاق، وهذه الهطولات أعادت إلى الأذهان مواسم مطرية مشابهة مرت على المحافظة قبل أكثر من عقدين تقريباً، والتي كانت تشكل أساساً للاستقرار الزراعي والمائي في المحافظة، وجاءت هذه الأمطار بعد سنوات من الجفاف والتذبذب في كميات الهطول، وهو ما منحها أهمية استثنائية على المستويين الزراعي والبيئي، وأعاد الأمل لدى المزارعين بتحقيق موسم إنتاجي أفضل مقارنة بالمواسم السابقة.
وأسهمت كميات الأمطار المسجلة في إعادة تنشيط عدد كبير من المسيلات المائية الطبيعية، وعودة الجريان إلى الوديان والأنهار والينابيع التي كانت قد شهدت تراجعاً ملحوظاً في منسوب المياه خلال سنوات الجفاف السابقة، كما انعكس ذلك بشكل مباشر على مخزون السدود المائية، حيث أتاحت هذه الهطولات فرصة لتخزين كميات جيدة من المياه يمكن الاعتماد عليها في الري التكميلي خلال الموسم الزراعي الشتوي الحالي، خاصة لمحاصيل الحبوب والبقوليات، إضافة إلى دعم الري الصيفي لمحاصيل الخضراوات بمختلف أنواعها.
ولا يقتصر أثر هذه الهطولات على الجانب الزراعي فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز المخزون الجوفي من المياه، والذي يشكل المصدر الأساسي لمياه الشرب في العديد من المناطق في أرياف حلب الجنوبية والشمالية والغربية وإلى الشرق وصولاً إلى نهر الفرات، سواء عبر الآبار المنزلية أو شبكات المياه المحلية، ويعد تحسن المخزون الجوفي عاملاً حيوياً في تخفيف الضغوط على مصادر المياه خلال فترات الصيف، ويمنح مؤشراً إيجابياً على إمكانية تحسن الواقع المائي في المنطقة إذا استمرت معدلات الهطول عند مستويات جيدة خلال ما تبقى من الموسم المطري.
الكميات الهاطلة تقترب من المعدل
كشف مدير زراعة حلب، فراس سعيد، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن البيانات الصادرة عن شعبة الاستمطار في المديرية أظهرت مؤشرات مطرية إيجابية جداً منذ بداية الموسم المطري وحتى الوقت الحالي، وأوضح أن كميات الهطولات المسجلة هذا العام تفوقت بشكل واضح على كميات الأمطار المسجلة خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، والذي صنف كأحد الأعوام الجافة نتيجة لضعف الهطولات وتراجع توزعها الزمني والجغرافي، وبين أن معظم مناطق المحافظة باتت قريبة من تحقيق المعدل السنوي التقليدي للهطولات المطرية، وهو مؤشر مهم على استقرار الموسم المطري وقدرته على دعم مختلف القطاعات المرتبطة بالمياه.
وأشار سعيد إلى أن هذه الأمطار الغزيرة ستنعكس بشكل مباشر على الواقع الزراعي، إذ ستفيد مختلف أنواع المحاصيل الشتوية والصيفية، كما ستسهم في تعزيز المخزون المائي في السدود وزيادة تغذية المياه الجوفية، وأضاف أن الأثر الإيجابي لا يقتصر على الإنتاج الزراعي فقط، بل يمتد إلى الجانب البيئي أيضاً، حيث ستسهم وفرة الأمطار في ترميم الغطاء النباتي الطبيعي في مناطق واسعة من المحافظة، والذي تعرض لتدهور كبير خلال السنوات الماضية نتيجة لفترات الجفاف المتكررة وندرة الهطولات المطرية، الأمر الذي انعكس سلباً على التوازن البيئي والتنوع النباتي.
وتابع سعيد أن هذه الهطولات تمثل فرصة مهمة لإنعاش الزراعة في عدد من مناطق ريف المحافظة، لا سيما في مناطق اعزاز والباب وجرابلس، خاصة في ظل توقف عدد من مشاريع الري الحكومية خلال السنوات الماضية، مثل مشروع ري سهول ميدانكي ومشروع ري سهول الباب، حيث كان التركيز في الفترات السابقة ينحصر في تأمين مياه الشرب فقط، ولفت إلى أن زيادة كميات الأمطار هذا الموسم قد تعوض جزئياً غياب مشاريع الري، خصوصاً أن هذه المناطق تعتمد بشكل كبير على الزراعات البعلية، ما يجعلها أكثر استفادة من المواسم المطرية الجيدة، كما توقع أن يكون للأمطار أثر واضح في دعم إنتاج البساتين، وخاصة أشجار الزيتون والفستق الحلبي، والقمح والبقوليات، والتي تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الزراعي في تلك المناطق، وتعتمد بشكل كبير على معدلات الهطول السنوية المنتظمة.
منطقة عفرين تتصدر الهطولات
تصدرت منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي قائمة المناطق الأعلى من حيث كميات الهطولات المطرية خلال الموسم الحالي، متفوقة على باقي مناطق محافظة حلب بفارق ملحوظ، ويعزى ذلك، وفق ما أوضحه محمد العبد الله نائب مدير مكتب الزراعة في المنطقة، إلى مجموعة عوامل جغرافية وطبيعية، في مقدمتها الموقع الجغرافي لعفرين ضمن نطاق المرتفعات الجبلية، والتي تسهم في تكاثف الغيوم وزيادة معدلات الهطول مقارنة بالمناطق السهلية.
وأوضح العبد الله أن الهطولات المطرية الغزيرة التي شهدتها المنطقة هذا الموسم أدت إلى عودة الجريان في عدد كبير من الأودية التي كانت جافة خلال السنوات الماضية، كما أعادت الحياة إلى أنهار توقفت عن الجريان لفترات طويلة بسبب موجات الجفاف المتعاقبة، وأضاف أن عدداً من الينابيع الطبيعية عاد للتدفق مجدداً بعد سنوات من التراجع أو الانقطاع، ومن أبرزها نبعة النبي هوري التي تعد أحد الروافد المغذية لنهر عفرين، كما عادت المياه إلى أودية رئيسية مثل وادي عفرين ووادي جنديرس، وإلى مجاري أنهار عدة أبرزها النهر الأسود ونهر عفرين، إضافة إلى فروع مائية أصغر مثل نهر جمروك، والتي تصب جميعها في بحيرة ميدانكي التي بدأت تستعيد منسوبها المائي بعد أن وصلت إلى مستويات متدنية للغاية خلال سنوات الجفاف السابقة.
وتعد منطقة عفرين من أكثر مناطق شمال غربي سوريا غنى بالموارد المائية الطبيعية، إذ تتميز بطبيعة جبلية خصبة وانتشار واسع للينابيع والمجاري المائية، ويشكل نهر عفرين الشريان المائي الرئيسي في المنطقة، حيث يمتد داخل الأراضي السورية لمسافة تقارب 85 كيلومتراً، وينبع من جبال طوروس، وعلى امتداد مجرى النهر والوديان المحيطة به تنتشر مساحات واسعة من بساتين الزيتون والرمان، إضافة إلى وجود عدد كبير من الينابيع الطبيعية والشلالات مثل شلالات جمروك وميدان إكبس، التي تعد من أبرز المظاهر الطبيعية في المنطقة.
وبين العبد الله أن توقيت هذه الهطولات كان ذا أهمية كبيرة، إذ تركزت خلال فترة أربعينية الشتاء، وهي عادة من أكثر الفترات برودة خلال الموسم الشتوي، وأشار إلى أن هطول الأمطار خلال الأجواء الباردة يساعد على تسرب المياه إلى أعماق التربة بشكل أفضل، ما يعزز تغذية المياه الجوفية ويزيد من مخزونها الاستراتيجي، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للزراعة ومصادر مياه الشرب في المنطقة.
وأضاف أن المعدل السنوي الطبيعي للهطولات المطرية في منطقة عفرين يبلغ نحو 540 ميليمتراً، في حين سجل الموسم المطري الحالي حتى الآن نحو 440 ميليمتراً، أي أن المنطقة اقتربت بشكل كبير من تحقيق المعدل السنوي الكامل، مع احتمال تجاوزه في حال استمرار المنخفضات الجوية خلال الفترة المقبلة، وأكد أن استمرار هذا النمط المطري سيسهم في تفجر المزيد من الينابيع وعودة الجريان إلى أنهار وأودية جفت منذ سنوات طويلة، مشيراً إلى أن بعض هذه المجاري المائية لم تشهد جرياناً فعلياً للمياه منذ ما يقارب عقداً من الزمن، وهو ما يعكس حجم التحسن الذي شهده الواقع المائي هذا الموسم.
شهدت بحيرة ميدانكي في ريف عفرين خلال الأسابيع الأخيرة تغيرات مائية ملحوظة، بعد أن تسببت السيول الناتجة عن الهطولات المطرية الغزيرة في جرف كميات كبيرة من الأتربة والوحول إلى داخل البحيرة، ما أدى إلى تعكر المياه مؤقتاً وتوقف استجرار مياه الشرب منها نحو المدن التي تعتمد عليها كمصدر رئيسي، وفي مقدمتها مدينتا عفرين واعزاز.
ورغم هذا التعكر، فإن الواقع المائي العام للبحيرة يعد إيجابياً، إذ أسهمت السيول والهطولات المطرية في رفع منسوب المياه إلى مستويات جيدة بعد سنوات من التراجع الحاد، كما أسهمت عودة تدفق المياه من ينابيع مهمة مثل النبي هوري وعرب ويران، التي كانت قد توقفت خلال سنوات الجفاف، في تعزيز المخزون المائي للبحيرة وتحسين واردها المائي الطبيعي.
ويعكس هذا التحسن تحولاً واضحاً في الواقع الهيدرولوجي للمنطقة، حيث باتت البحيرة تستعيد تدريجياً دورها كمصدر استراتيجي لمياه الشرب والري، إضافة إلى دورها البيئي في دعم الغطاء النباتي والتوازن البيئي في محيطها.
وقال أبو محمد، أحد أهالي قرية ميدانكي المجاورة للبحيرة، إن البحيرة مرت بسنوات قاسية كادت تتحول خلالها إلى مسطح شبه جاف، موضحاً لموقع تلفزيون سوريا: "كان هناك جزيرة صغيرة وسط البحيرة لا يمكن الوصول إليها إلا عبر القوارب، لكن خلال سنوات الجفاف أصبحنا نصل إليها مشياً على الأقدام. اليوم ومع عودة الأمطار وارتفاع المنسوب، بدأت البحيرة تستعيد حياتها، ومعها عاد الأمل بعودة الحياة الطبيعية للمنطقة."
عودة جريان الأنهار
كشف مدير مركز عفرين للموارد المائية، حسين حاميش أنه تم تسجيل ارتفاع واضح في منسوب مياه نهر عفرين خلال الموسم المطري الحالي، في مؤشر إيجابي بدأ ينعكس بشكل مباشر على الواقع الزراعي والمعيشي في المنطقة.
وأوضح حاميش لموقع تلفزيون سوريا أن تحسن الجريان أسهم في تعزيز توفر مياه الري وخفف اعتماد المزارعين على ضخ المياه من الآبار ذات الكلفة المرتفعة، ما أسهم في إنعاش البساتين التي تضررت خلال سنوات الجفاف الماضية، وخاصة بساتين الزيتون والمحاصيل البعلية، كما أن وفرة المياه تعني عملياً زيادة الإنتاج الزراعي وتحسن دخل الأسر الريفية وتنشيط الدورة الاقتصادية المرتبطة بالزراعة.
وأشار حاميش إلى أن نهر عفرين شكّل عبر آلاف السنين العمود الفقري للاستقرار الزراعي والسكني في المنطقة الجبلية شبه الجافة، حيث نشأت على ضفافه قرى زراعية واسعة، واشتهرت المنطقة تاريخياً ببساتين الزيتون المرتبطة باستقرار جريان النهر.
وأشار حاميش إلى أن النهر شهد تراجعاً خلال العقدين الأخيرين نتيجة لانخفاض الهطولات وتأثير التغير المناخي، إضافة إلى الضخ الجائر للمياه الجوفية والعوامل المرتبطة بمناطق المنابع خارج البلاد، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف الري واضطرار المزارعين لتغيير أنماط الزراعة نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه.
وشدد على أهمية استثمار الموسم المطري الحالي بشكل مدروس عبر تنظيم دورات الري، واعتماد أنظمة الري الحديثة مثل التنقيط والرش، وإصلاح القنوات المائية، ومراقبة الضخ العشوائي، إضافة إلى إنشاء سدات ترابية صغيرة لتخزين المياه والاستفادة القصوى منها.
بحيرة الشهباء ونهر قويق
في ريف حلب الشمالي، عادت المياه تدريجياً إلى بحيرة الشهباء بعد سنوات طويلة من الجفاف، نتيجة لعودة جريان الوديان الموسمية التي تشكل منابع نهر قويق، وأبرزها وادي مبارك ووادي طفشين القادمان من الأراضي التركية، بعد أن بقيت هذه المجاري شبه جافة لأكثر من عقد.
ويعد نهر قويق أحد أهم المجاري المائية التاريخية في شمالي سوريا، حيث ارتبط اسمه تاريخياً بمدينة حلب ونشاطها الزراعي، واعتمدت عليه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبساتين في سهول حلب الشمالية وصولاً إلى السهول الجنوبية، كما لعب دوراً محورياً في الاستقرار السكاني في المناطق التي يمر بها.
وخلال جولة ميدانية لموقع تلفزيون سوريا، لوحظ أن بحيرة الشهباء باتت قريبة من الامتلاء الكامل، وفي حال وصولها إلى الحد التخزيني الأعلى سيتم فتح السد، ما يسمح لمياه قويق بمتابعة جريانها نحو مدينة حلب ثم إلى ريفها الجنوبي، باتت البحيرة جاذبة لأهالي المنطقة للتنزه برغم الأجواء الماطرة وعدم توفر الخدمات، كالطرق مثلاً، فقد كانت البحيرة قبل عقد ونيف وجهة للعائلات التي ترغب في التنزه.
وقال ربيع حسو (أحد أهالي القرى المحيطة بالبحيرة) لموقع تلفزيون سوريا: "لأكثر من عشر سنوات لم نشاهد البحيرة بهذا الشكل، كنا نشاهد أرضاً جافة مكان المياه، البحيرة بالنسبة لنا ليست فقط ماء، بل مصدر حياة للزراعة وللأرض وحتى للمواشي، وكذلك تضيف للمنطقة طابع جمالي مميز وتحسن كثيراً من طقس المنطقة" ويضيف حسو، إن عودة المياه اليوم تعني أن المواسم القادمة قد تكون أفضل، وأن الحياة قد تعود تدريجياً إلى طبيعتها".
تكشف المؤشرات المائية هذا الموسم عن تحول مهم في الواقع البيئي والزراعي في ريف حلب، حيث أعادت الأمطار الغزيرة الحياة إلى أنهار وبحيرات كادت تفقد دورها الحيوي خلال سنوات الجفاف الماضية، وفي حين تعكس عودة الجريان وارتفاع مناسيب البحيرات فرصة حقيقية لإنعاش الزراعة وتحسين الواقع المعيشي للسكان، تبقى الاستفادة المستدامة من هذه الموارد مرهونة بحسن إدارة المياه وترشيد استخدامها.
Loading ads...
ومع تصاعد التحديات المناخية عالمياً، تبدو الحاجة ملحّة لوضع استراتيجيات طويلة الأمد لإدارة الموارد المائية، بما يضمن استقرار القطاع الزراعي ويعزز الأمن الغذائي في المنطقة، فالموسم المطري الجيد يمنح فرصة مهمة، لكنه يضع أيضاً مسؤولية كبيرة على الجهات المعنية والمجتمع المحلي للحفاظ على هذا المورد الحيوي وضمان استمراريته للأجيال القادمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



