5 ساعات
من الأبيض والأسود إلى وداع 2026: الحكاية الكاملة لثنائية حياة الفهد وسعاد عبدالله
الثلاثاء، 21 أبريل 2026
مَن منا لا يتذكر خالتي قماشة وبجوارها الست محبوبة، أو حتى حليمة ونعيمة في مسلسل البيت بيت أبونا؟! كلّ هذه شخصيات قدّمها الثنائي الذهبي حياة الفهد وسعاد عبدالله؛ حيث شكّلا ثنائياً عظيماً يبقى في الذاكرة الدرامية عبْر التاريخ، ومع إعلان رحيل حياة الفهد، لم تشعر الشاشة الخليجية بأنها تودّع فنانة كبيرة فقط؛ بل أحست بأن صورة كاملة فُقد نصفها. ذلك أن حياة الفهد، في وجدان جمهور المنطقة، لم تكن اسماً يعمل وحده، بقدر ما كانت ضلعاً أساسياً في ثنائية صنعت المزاج الدرامي لبيوت الخليج لعقود: حياة الفهد وسعاد عبدالله. لهذا بدا الخبر، منذ لحظته الأولى، أكبر من صياغة نعي، وأوسع من سيرة فردية. بدا وكأنه إقفال لباب ظَل مفتوحاً على الضحك والخصام والمكر والحنين والوجع، في آنٍ واحد.
ما يمنح هذا الرحيل وزنه العاطفي ليس الأرشيف وحده؛ بل اللغة التي وَصفت بها سعاد عبدالله علاقتها بحياة الفهد قبل أسابيع قليلة من الخبر. في مداخلة إذاعية مؤثّرة. قالت: "إن حياة واحدة من أهلي". وقد ربطت الحياة بينهما منذ الستينات، منذ زمن "الأبيض والأسود"؛ مؤكدة أنهما عرفتا الاتفاق والاختلاف والرضا، لكنهما بقيتا، عند الحاجة، قادرتين على العثور على بعضهما فوراً. هذه الجملة وحدها تشرح لماذا لا تبدو ثنائيتهما في الذاكرة مجرد شراكة مهنية ناجحة؛ بل هي عِشرة عمر عبَرت الأجيال والمنصات والتقلبات. وعندما قالت سعاد لاحقاً، إن الخلاف بينهما لم يكن يوماً كبيراً؛ فهي لم تكن تصحح شائعة بقدر ما كانت تعيد تعريف العلاقة: ليست صداقة مثالية؛ بل قرابة إنسانية كاملة بكلّ ما فيها من مدّ وجَزر.
ومن الجهة الأخرى، كانت حياة الفهد بدورها قد قاومت، في أكثر من محطة، الرواية السهلة التي تختزل المسافة بينها وبين سعاد في كلمة "خلاف". ففي 2012 قالت بوضوح، إن غياب النصوص هو ما فرّق بينهما لسنوات، لا الخصومة.
وفي 2013، مع عودتهما إلى اللقاء التليفزيوني، وصفت ما يُثار عن القطيعة بأنه "شائعات مغرضة". وقالت إن "الود والحب" هو ما جمعهما دائماً، وأنهما كانتا تنتظران "الفرصة المثالية" للظهور معاً من جديد.
ثم عادت سعاد في 2016 لتقول، إنّ ما بينهما، إنْ وُصف بالخلاف؛ فهو من نوع اختلاف الأهل والأخوات ورفاق الدرب، لا من نوع الخصام الذي يحرق الجسور.
في هذه التصريحات الثلاثة، المتباعدة زمنياً والمتقاربة في المعنى، يكمن مفتاح المادة كلها: هذه حكاية ثنائي لم تدمره الشائعات؛ بل أبقته الذاكرة حيّاً حتى وهو يتباعد.
سر هذه الثنائية أنها لم تُبنَ على التشابه؛ بل على الاختلاف الذكي. في قراءة لأرشيف الأعمال التي جمعتهما منذ أوائل الثمانينات، يتضح أن الحضور المشترك لم يكن يقوم على أن تكون إحداهما مرآة للأخرى؛ بل على أن تمنح كلّ واحدة زميلتها مساحة كافية للصدام أو للمناورة أو للمواجهة أو للتساند. لذلك كان المتفرج يشعر بأنه أمام لعب ممثلتين تعرفان جيداً متى تتقدمان، ومتى تتراجعان، ومتى تتركان الحوار يشتعل بين الشخصيتين لا بين النجمتين. وهذا بالتحديد ما جعل حضورهما معاً ممتعاً: لم تكن الشاشة تحتمل نجمتين كبيرتين فحسب؛ بل كانت تربح بينهما توتراً درامياً لا يصطنع المنافسة؛ بل يستخدمها لصناعة متعة المشاهدة.
ومن يتوقف عند أشهَر أعمالهما، سيلاحظ كيف تحولت الثنائية من مجرد اقتران في أسماء الشارة، إلى معمل كامل لالتقاط المجتمع الخليجي وهو يتغير. في واحد من أشهر أعمالهما، تتحول حكاية البيت الكبير إلى معركة بين سلطة الأم وحق الأفراد في الاستقلال. وفي عمل آخر تصبح الكوميديا وسيلة لفضح الظلم العائلي والمال والميراث والجنون الملفق. وفي أعمال أخرى ترتفع جرعة المفارقة الشعبية؛ فيغدو الاسم نفسه، أو الثنائية النسائية نفسها، علامة على زمن تليفزيوني كامل. هنا لم تكن البطولة المشتركة ترفاً تِجارياً؛ بل صيغة سردية تمنح المرأة الخليجية مركز الحدث، وتتيح لشخصيتين نسائيتين أن تديرا الإيقاع والحبكة والذاكرة في وقت واحد. لهذا عاشت هذه الأعمال أكثر من موسمها، وصارت قابلة للاستدعاء كلما أراد المشاهد أن يتذكر البيت الخليجي، بضحكه وقسوته ونفاقه ودفئه.
ولعل أهم ما في هذه الثنائية، أنها لم تكتفِ بإضحاك المشاهد أو تحريكه عاطفياً؛ بل منحت الدراما الخليجية معنى المنافسة الشريفة بين نجمتين كبيرتين من الجيل نفسه. فبعض التقارير الصحافية الحديثة لمسيرة حياة الفهد وصفتها، إلى جانب سعاد عبدالله، بأنهما قطبا التنافس الفني في الخليج. بينما شددت وزارة الإعلام الكويتية في نعيها على أن أعمال الفهد لامست قضايا المجتمع بصدق وعمق وجعلتها أحد أبرز أعمدة الدراما الخليجية. حين نضع هذين التوصيفين جنباً إلى جنب، نفهم لماذا لم تكن العلاقة بين الاسمين مجرد نجاحات متفرقة: لقد كانا جزءاً من الطريقة التي تعرّفت بها الدراما الخليجية إلى نفسها، وكيف قُدمت المرأة، لا كزينة للمشهد؛ بل كبؤرة له.
لهذا تحديداً، كان كل انقطاع بينهما يُقرأ كحدث بحد ذاته. فعندما قالت حياة الفهد إن النصوص هي التي فرّقت بينهما، كانت تشرح شيئاً أعمق من مجرد اعتذار إنتاجي. كانت تقول، إن ذاكرة الثنائي أكبر من أن تُستعاد بقرار سريع أو عمل عادي. ولذلك جاءت عودتهما في عمل 2013 ذات دلالة خاصة. ليس فقط لأنه جمعهما بعد انقطاع طويل؛ بل لأن حبكته نفسها قامت على أختين بينهما عداء قديم يتسرّب إلى أولادهما. كان في ذلك شيء من المفارقة الذكية: كأن العمل يستعير ما قيل عن الشراكة في الواقع، ثم يعيده إلى مكانه الطبيعي؛ أيْ إلى الفن. حتى هنا، ظل الجمهور يلاحق العلاقة، لا من باب الفضول الشخصي وحده؛ بل لأنه كان يدرك أن أيّ لقاء جديد بينهما، يعني عودة جزء من مزاج تليفزيوني مألوف.
ولم يكن ذلك العمل آخر رغبة في اللقاء. ففي سبتمبر 2023، اعتذرت حياة الفهد رسمياً عن المشروع الرمضاني الذي كان سيجمعها مجدداً بسعاد عبدالله؛ مبررة القرار بعبارة موجزة ومباشرة: "لظروف خاصة وصحية". وكان المشروع قد أُعلن بوصفه عودة مرتقبة عبْر إم بي سي؛ مما جعل الاعتذار حينها يبدو مؤلماً على مستويين: مستوى الجمهور الذي كان ينتظر لمّ الشمل من جديد، ومستوى الدلالة نفسها؛ لأن الصحة هنا لم تعُد تعطل عملاً واحداً فقط؛ بل تؤجل فصلاً كان الناس يعتقدون أن من حقهم رؤيته. وبعد ذلك بوقت، ومع تفاقُم الأزمة الصحية وبيانات العناية المركزة، صار واضحاً أن المسافة بين العودة والغياب النهائي تضيق على نحو موجع.
خالتي قماشة 1983: لعبت حياة الفهد دور قماشة، بينما لعبت سعاد عبدالله دور محبوبة.
رقية وسبيكة 1986: ثبّت الثنائية الشعبية بوصفها محور الحكاية، وأظهر قدرة العمل على تحويل الفقر والمكر والنجاة إلى كوميديا اجتماعية ذكية.
على الدنيا السلام 1987: من أكثر الأعمال رسوخاً في الذاكرة؛ لأنه جمع بين الميراث والظلم والجنون المصطنع والمقاومة الأخوية، في قالب ساخر.
سليمان الطيب 1993: يبرز نضج التجرِبة؛ خصوصاً مع مشاركة حياة الفهد في الكتابة، ويكشف انتقال الثنائية من المشاغبة الخالصة إلى بناء اجتماعي أعمق.
البيت بيت أبونا 2013: مثّل عودة متأخرة للشراكة على الشاشة بعد انقطاع طويل، ونقلها من كوميديا الأخوات الشعبية إلى دراما الطلاق والجيل الجديد.
تابعوا المزيد: أعمال درامية جمعت بين حياة الفهد وسعاد عبدالله خلال مسيرتهما الفنية: تعرفوا إليها
اليوم، حين ننظر إلى الردود الرسمية والشعبية على رحيل حياة الفهد، نرى بوضوح أن الناس لم يقرأوا الخبر كسقوط اسم فردي. نعي وزارة الإعلام الكويتية قدّمها بوصفها إحدى رائدات الفن، وصاحبة أداء استثنائي وحضور قوي وأعمال لامست المجتمع بصدق وعمق. وبرقيات التعزية الرسمية من أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح وولي العهد الكويتي، رفعت الحدث إلى مستوى الاعتراف الوطني بمسيرة أغنت الفن الكويتي والخليجي والعربي.
لذلك؛ فإن الكتابة عن حياة الفهد اليوم لا تكتمل إذا اكتفت بعدّ الأعمال أو استعراض الجوائز. الأهم أن يُقال إن هذه الفنانة تركت وراءها طريقة كاملة في صناعة النجومية: نجومية لا تخاف من شريكة قوية، ولا تستحيي من المنافسة، ولا ترى في الود نفياً للاختلاف. ولعل أقسى ما في المشهد، هو أن سعاد عبدالله نفسها كانت قد أعادت، قبل أسابيع، تعريف هذه العلاقة بأبسط العبارات وأصدقها: أهل، وبيت، وستينات، وأبيض وأسود، وخلاف لا يكبر. الآن، وقد غاب أحد الاسمين، لا تبدو سعاد عبدالله مجرد نجمة تودّع زميلة، تبدو كأنها الحافظة الأخيرة لذاكرة شراكة صنعت الضحك والدمع والدهشة معاً. هكذا فقط يصبح رحيل حياة الفهد نهاية فصل، لا نهاية خبر.
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي».
وللاطلاع على فيديوجراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي».
Loading ads...
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن».
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




