7 أيام
إخوان سوريا والقانون 49.. من الملاحقة بالإعدام إلى مقترح الإلغاء التشريعي
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
على مدى عقود، لم يكن الخوف في سوريا يحتاج دائمًا إلى جريمة مكتملة الأركان. أحيانًا كان يكفي اسمٌ في محضر أمني، أو وشاية، أو شبهة انتماء للإخوان المسلمين أو ضمن دائرة معارفهم، حتى يجد إنسان نفسه أمام سنوات من السجن أو حكم بالموت.
وبين أكثر النصوص التي اختزلت هذا الخوف قسوةً، كان القانون رقم 49 لعام 1980، الذي جعل مجرد الانتساب إلى جماعة الإخوان المسلمين جريمة عقوبتها الإعدام، من دون أن يشترط ارتكاب قتل أو حمل سلاح أو المشاركة في عمل عنيف.
مرّ أكثر من أربعة عقود على صدور القانون، وسقط نظام الأسد الأب والابن في 8 من كانون الأول 2024، وتغيرت الدولة ومؤسساتها ومرجعيتها الدستورية، لكن اسم القانون بقي حاضرًا في الذاكرة السورية بوصفه واحدًا من أكثر رموز الحقبة الأمنية قسوة؛ قانون لم يعاقب الفعل فقط، بل فتح الباب أمام العقاب على الهوية السياسية المشتبه بها، وما رافق ذلك من خوف امتد إلى عائلات وأجيال كاملة.
واليوم، ومع بدء إعادة بناء المنظومة القانونية بعد سقوط النظام السابق، يعود القانون 49 إلى الواجهة، لكن هذه المرة من باب المطالبة بإلغائه نهائيًا وإزالة آثاره.
وفي أحدث التحركات داخل مجلس الشعب السوري الجديد، كشف عضو المجلس كنان النحاس عن تقديم مجموعة من النواب مقترح قانون إلى رئاسة المجلس يقضي بإلغاء القانون رقم 49 لعام 1980 بصورة كاملة، وإبطال جميع النتائج المترتبة عليه، تمهيدًا لمناقشته وعرضه لاحقًا على المجلس للتصويت.
وقال النحاس، في منشور له بحسابه الرسمي بموقع فيسبوك، إن الخطوة تأتي في إطار القطيعة مع إرث النظام المخلوع والبدء ببناء دولة تقوم على احترام كرامة الإنسان وإنصاف المتضررين من التشريعات التي ارتبطت بالقمع السياسي والأمني.
وبحسب ما نشره، وقع على المقترح أكثر من أربعين نائبًا، في حين أبدى نواب آخرون تأييدهم له من دون أن يتح جمع تواقيعهم قبل تقديمه إلى رئاسة المجلس في اليوم نفسه.
ويستند مشروع القانون، وفق النص الذي نشره النحاس، إلى أحكام الإعلان الدستوري، وخصوصًا المادة 48 منه، التي تنص على إلغاء القوانين الاستثنائية التي ألحقت الضرر بالسوريين وتتعارض مع حقوق الإنسان.
ولا يقتصر المقترح على إلغاء القانون 49، بل يتجه إلى معالجة آثاره القانونية والإنسانية. إذ تنص مادته الأولى على إلغاء القانون رقم 49 لعام 1980 واعتبار جميع نتائجه باطلة.
أما المادة الثانية فتقترح منح صفة "شهيد" لكل من أُعدم استنادًا إلى القانون، بما يتيح لعائلاتهم الاستفادة من المزايا المادية والمعنوية المقررة لعائلات الشهداء، إلى جانب منح السجناء الأحياء المتضررين من القانون عضوية رابطة المحاربين القدماء والاستفادة من المزايا المرتبطة بها.
وتقترح المادة الثالثة نشر أسماء الذين أُعدموا بموجب القانون بطريقة تليق بهم، وإدراجهم ضمن قائمة ما يسميه المشروع "شهداء الثورة السورية الأولى ضد الاستبداد".
كما يربط المقترح ملف الضحايا بمسار العدالة الانتقالية، إذ تنص مادته الرابعة على استفادة المشمولين بالقانون وعائلاتهم من أي برامج أو تشريعات مستقبلية تتعلق بجبر الضرر، في حين تنص المادة الخامسة على نشر القانون في الجريدة الرسمية واعتباره نافذًا من تاريخ صدوره.
ويكتسب المقترح أهمية خاصة لأنه ينقل قضية القانون 49 من مستوى المطالبات الحقوقية والسياسية إلى مسار تشريعي داخل مجلس الشعب نفسه. فبعد عقود من استمرار القانون رغم الانتقادات الواسعة الموجهة إليه، بات المجلس الجديد أمام محاولة معلنة لإلغائه بالكامل ومعالجة جزء من الآثار التي تركها على ضحاياه وعائلاتهم.
وربط النحاس في منشوره بين القانون 49 ومجزرة سجن تدمر التي نفذها النظام المخلوع في حزيران 1980، قبل أسابيع من صدور القانون، معتبرًا أن التشريع شكّل لاحقًا غطاءً قانونيًا لسياسة استهداف واسعة طالت المتهمين بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين.
وصل حافظ الأسد إلى السلطة في سوريا عبر انقلاب عسكري داخل حزب البعث في تشرين الثاني 1970، أطاح خلاله برفاقه في قيادة الحزب، وفي مقدمتهم الجناح المرتبط بصلاح جديد، قبل أن يكرّس سيطرته على الدولة ويصبح رئيسًا للجمهورية عام 1971.
وخلال السنوات التالية، أعاد الأسد تشكيل النظام السياسي بما يضمن تركيز السلطة في يده، وجاء دستور عام 1973 ليكرس موقع حزب البعث بوصفه "الحزب القائد في المجتمع والدولة"، ويوسع صلاحيات رئيس الجمهورية ويجعل مؤسسات الدولة أكثر ارتباطًا بمركز السلطة. وبالتوازي مع ذلك، توسع نفوذ الأجهزة الأمنية، وجرى إخضاع مؤسسات الدولة والنقابات والاتحادات المهنية لرقابة سياسية مشددة، مع الاعتماد بصورة متزايدة على الاعتقال ومنع النشاط السياسي وتقييد حرية التعبير في مواجهة المعارضين.
وأدى هذا المسار إلى تصاعد رفض حكم الأسد لدى طيف واسع من القوى السياسية والنقابية والمهنية والمجتمعية، وإن اختلفت دوافع تلك القوى وأساليب معارضتها. ومع نهاية السبعينيات، دخلت البلاد مرحلة أكثر عنفًا مع تصاعد المواجهة بين النظام والحركة الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وبشكل خاص تنظيم "الطليعة المقاتلة" الذي خاض مواجهة مسلحة ونفذ عمليات اغتيال وهجمات استهدفت شخصيات ومؤسسات مرتبطة بالنظام.
وفي المقابل، زاد النظام من حملات الاعتقال الواسعة إلى جانب عمليات قتل وقمع أمني متصاعد، ليتحول الصراع بين أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات إلى واحدة من أكثر مراحل التاريخ السوري الحديث دموية، وسط تصاعد حاد في الاستقطاب السياسي والطائفي.
وفي قلب هذه المواجهة صدر القانون رقم 49 لعام 1980، الذي نقل الصراع من المجال الأمني والسياسي إلى التشريع، حين جعل مجرد الانتساب إلى جماعة الإخوان المسلمين جريمة عقوبتها الإعدام.
أُحيل مشروع القانون إلى مجلس الشعب في نهاية حزيران/يونيو 1980، وسط أجواء أمنية شديدة التوتر، وبدأت مناقشته في 30 من حزيران، قبل أن تقره الأكثرية في 7 من تموز/يوليو، ويصدر بصيغته النهائية موقّعًا من حافظ الأسد في 8 من تموز/يوليو 1980.
ورغم طبيعة الدولة البوليسية آنذاك، شهدت مناقشات المجلس اعتراضات وتحذيرات من خطورة القانون. وحذر نواب من أن شخصًا بريئًا قد يجد نفسه متهمًا بالانتماء إلى الإخوان بسبب وشاية أو لأن معتقلًا آخر ذكر اسمه تحت الضغط، ثم يصبح عمليًا مطالبًا بإثبات أنه ليس عضوًا في الجماعة. وكانت تلك المخاوف مرتبطة بخطورة استناد القانون إلى «الانتساب» في دولة تهيمن أجهزتها الأمنية على التحقيق والاعتقال.
القانون رقم 49 لعام 1980 هو تشريع استثنائي يتكون من ست مواد، وكان جوهره تجريم الانتساب إلى جماعة الإخوان المسلمين وفرض عقوبة الإعدام على المنتسب إليها.
المشكلة الأساسية في القانون 49 لم تكن عقوبة الإعدام وحدها، بل أن المادة الأولى جرّمت الصفة والانتماء بدل الفعل. ففي القوانين الجزائية العادية يفترض أن يثبت القضاء أن المتهم ارتكب جريمة محددة، أما القانون 49 فكان يكفي بموجبه إثبات ـ أو الادعاء بإثبات ـ انتساب الشخص إلى جماعة سياسية لكي يواجه عقوبة الموت.
ووثقت منظمات حقوقية لاحقاً حالات اتُّهم فيها سوريون بعلاقات مع الإخوان أو جماعات إسلامية من دون إجراءات قضائية عادلة، وأحياناً اعترافات تحت التعذيب، كما وثقت أن النظام اعتقل وعذب وقتل أشخاصاً اتهمهم، وفي حالات كثيرة من دون أدلة كافية، بالتعاون مع جماعات إسلامية معارضة.
وهكذا تجاوز أثر القانون أعضاء التنظيم الفعليين إلى مجموعات شعبية ومواطنين منخرطين بالعمل السياسي وآخرين عاديين. فإلى جانب من كانوا منتسبين إلى الإخوان، أصبح مجرد الاشتباه أو الوشاية أو ما يرد في محضر أمني قادراً على إدخال المواطن في مسار من الاعتقال والتحقيق والتعذيب والمحاكمة الاستثنائية وقضاء سنوات في سجن تدمر أو المزة أو صيدنايا.
ولم يقتصر اتهام المعتقلين بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين على المسلمين وحدهم، إذ توثّق شهادات منشورة لمعتقلين سابقين وجود مسيحيين تعرّضوا للاعتقال والتعذيب في سجن تدمر بتهمة الانتماء إلى الجماعة. ومن أشهر هذه الشهادات ما استند إليه مصطفى خليفة في روايته "القوقعة"، إذ أوضح أن حكاية بطلها المسيحي المتهم بالانتماء إلى الإخوان لم تكن مفارقة أدبية متخيّلة، بل استندت إلى قصة معتقل مسيحي حقيقي عرفه في تدمر، ودمجها الكاتب مع تجربته وتجارب معتقلين آخرين.
ولم تكن "القوقعة" إلا واحدة من أبرز الأعمال التي فتحت نافذة على عالم السجون السورية، ضمن أدب سجون واسع يغص بعشرات الشهادات والذكريات والقصص الإنسانية الدامية عن الاعتقال والتعذيب والاتهامات الجاهزة. وتكشف هذه الشهادات أن التصنيف الأمني لم يكن بالضرورة يتوقف عند الانتماء الديني الفعلي للمعتقل، إذ كان يمكن أن يُعتقل المسيحي ويُعامل بوصفه من "الإخوان المسلمين" متى وضعته الأجهزة الأمنية في هذه الخانة.
وبقي القانون 49 طوال عقود أحد أبرز رموز التشريع الأمني في سوريا، لأنه اختصر فلسفة كاملة في التعامل مع المعارضة، أياً كانت انتماءاتها أو خلفياتها السياسية، إسلامية أو شيوعية أو قومية أو غير ذلك.
لم يكن تجريم التنظيم السياسي ظاهرة سورية خالصة، فقد عرفت دول عديدة قوانين حظرت أحزاباً أو جماعات معارضة وفرضت عليها عقوبات قاسية، لكن القانون السوري رقم 49 لعام 1980 تميز عن كثير من نظائره بأنه لم يحصر عقوبة الإعدام في مؤسسي الجماعة أو قادتها أو من حمل السلاح باسمها، بل جعل مجرد الانتساب إلى جماعة الإخوان المسلمين جريمة عقوبتها الموت.
ويقترب منه في ذلك قرار مجلس قيادة الثورة العراقي رقم 461 الصادر في 31 من آذار 1980، الذي جعل الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية سببًا للحكم بالإعدام، وكذلك القانون الليبي رقم 71 لعام 1972 الذي جرّم تأسيس التنظيمات السياسية المحظورة والانضمام إليها ووصل بالعقوبة إلى الإعدام.
Loading ads...
وفي دول أخرى ظهرت تشريعات شبيهة ولكن بدرجات أقل قسوة، مثل قانون مكافحة التخريب في الفلبين ضد الحزب الشيوعي، وقانون الأمن القومي في كوريا الجنوبية، وقانون 509 في اليونان بعد الحرب العالمية الثانية، إذ كانت عقوبة الإعدام في الغالب مرتبطة بالقيادة أو التنظيم أو حمل السلاح، لا بمجرد العضوية العادية. ولهذا يبقى القانون السوري 49، إلى جانب النموذجين العراقي والليبي، من أكثر الأمثلة تطرفاً في تحويل الخصومة السياسية والانتماء التنظيمي إلى جريمة قد تودي بصاحبها إلى الإعدام.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




