لم يخطئ الإعلام المصري ولا الصيني بوصف زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر بالتاريخية لكثير من الأسباب، أبسطها توقيع 25 اتفاقية ووثيقة تعاون، وهي الثانية لبينغ منذ توليه منصبه، والأولى منذ عقد كامل، ولها رمزية كبرى كونها تتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين في 30 أيار/ مايو عام 1956، حيث كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية.
بالطبع، وكما هو متوقع سلفاً، أكد الزعيمان متانة التحالف، وبناء مسيرة جديدة تقوم على التنمية عالية الجودة والمستقبل المشترك، وتطوير "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" المبرمة منذ عام 2014، لكن في الخلفية الاحتفالية، هنالك مصالح كبرى على الطاولة بين العملاق الآسيوي والعملاق الإفريقي، لذا حين يجتمع رئيسان يمثلان 18٪ من سكان الكرة الأرضية، فهناك ما هو أكثر من البروتوكولات.
فعلياً "لم ينقطع حبل الود" بين البلدين لا اقتصادياً ولا سياسياً، وقد تجلّى التضامن المتبادل بينهما في مساندة الصين لمصر لتأكيد سيادتها الكاملة على قناة السويس، لتردّ مصر بالمثل عبر تصويت حاسم إلى جانب دول عدم الانحياز والجنوب العالمي لصالح استعادة الصين لمكانتها ومقعدها الشرعي في الأمم المتحدة. لكن ماذا عن التعاون العسكري؟ وماذا عن الكتلة الديموغرافية العملاقة؟
البداية الحقيقية التي لفتت انتباه العالم لم تكن مراسم السجاد الأحمر، وإنما كانت في السماء؛ حيث جرت مناورات "نسور الحضارة" الجوية المشتركة بمستويات تنسيق غير مسبوقة. كيف يمكن تفسير قطع المقاتلات الصينية المتطورة من طراز J-16 مسافة تزيد على 6000 كيلومتر لخوض اشتباك جوي تجريبي مع طائرات "رافال" الفرنسية الصنع التي يمتلكها الجيش المصري؟
قد تكون إحدى الإجابات المحتملة لهذا السؤال رغبة بكين في اختبار منظومتها العسكرية الحديثة أمام تقنيات عسكرية غربية متقدمة في بيئة عملياتية واقعية، وما يوازيها من رغبة القاهرة في إرسال رسالة حاسمة بأنها تمتلك من السيادة ما يكفي لتنويع خياراتها الدفاعية بعيداً عن الاحتكار التاريخي الغربي.
بحسب العسكريين، فالصور النادرة التي شاركها الموقع الرسمي لجيش التحرير الشعبي الصيني لطائرات التزود بالوقود الاستراتيجية الصينية YY-20 وهي تقوم بعمليات إمداد بالوقود لمقاتلات رافال المصرية في الجو، تمثل قفزة نوعية في دمج العقائد العملياتية للبلدين. هذا التنسيق العملياتي لا يمر مرور الكرام، إذ تراقبه واشنطن وإسرائيل بحذر شديد وقلق بالغ، نظراً لحجم الجيش المصري وموقعه الجيوستراتيجي الفريد كأكبر جيوش المنطقة وقربه من بؤر التوترات المباشرة.
لكن النظر إلى الطائرات والمناورات العسكرية لا يكفي؛ فالواقع الاقتصادي لا يقل سخونة، إذحتل الصين موقع الشريك التجاري الأكبر لمصر بحجم تبادل تجاري ناهز 19.52 مليار دولار في عام 2025، بزيادة فاقت 12% مقارنة بالعام السابق، وضخ استثمارات مباشرة ناهزت 10 مليارات دولار، مع تحول منطقة السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري المعروفة باسم "تيدا"، إلى مركز استقطاب حيوي لكبرى الشركات الآسيوية، بالتوازي مع مشروعات عملاقة أنجزتها الشركات الصينية كحي المال والأعمال والبرج الأيقوني في العاصمة الإدارية الجديدة ليكون أعلى ناطحة سحاب في القارة، والقطار الكهربائي الخفيف الذي يربط شرق القاهرة بالمدن الجديدة كأول شريان مكهرب في إفريقيا.
فعلياً، وقع الطرفان على اتفاقيات كبرى، مثل مذكرة تفاهم بشأن قائمة أولويات التعاون لإحداث التوافق والمواءمة بين "رؤية مصر 2030" ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية، واتفاقية للتعاون الاقتصادي والفني، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الاقتصادي في مجال سلاسل الصناعة والإمداد. إلى جانب توقيع أكثر من 20 وثيقة للتعاون شملت مجالات التكنولوجيا، والتمويل، والاقتصاد الرقمي، والمواصلات، ووسائل الإعلام، فضلاً عن تجديد اتفاقية تبادل العملات المحلية بين البلدين وزيادة قيمتها لتعزيز التعاون المالي والتجاري. كما امتدت التسهيلات الصينية لتشمل الزراعة المصرية، حيث أدخلت سياسة تصفير الرسوم الجمركية الصينية على الواردات الإفريقية حيز التنفيذ الكامل.
وبغض النظر عن مدى التعاون بين البلدين، فإن الثروة الأكبر ليست تكنولوجية أو عسكرية، بل الكتلتان البشرِيّتان الديموغرافيتان اللتان تملكان إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين وتطلعات مستقبلية واعدة. ففي حين تمتلك الصين أكبر وأعقد منظومة صناعية متكاملة على وجه الأرض مدعومة برأس مال بشري وتكنولوجي هائل، تمثل مصر في المقابل كتلة شبابية حيوية متسارعة النمو تشكل سوقاً استهلاكية ضخمة في ملتقى القارات الثلاث.
لكن، هل يمكن لعلاقة بهذا التعقيد والعمق أن تخلو من التباينات وتضارب الأولويات؟ فبينما تنظر بكين إلى شراكتها مع القاهرة كأداة حيوية لمقاومة النفوذ الأمريكي ومكافحة الأحادية الدولية ضمن استراتيجية المنافسة العالمية الكبرى بين القطبين، ترفض مصر الانجرار إلى سياسات الاستقطاب أو الانخراط في أي أحلاف عسكرية موجهة ضد أي طرف.
لذا، فالقاهرة التي دائماً ما أتقنت سياسة الاتزان الاستراتيجي مكرسة استقلالية قراراتها العسكرية والسياسية، لن تقبل في الغالب أن تُستغل كقوة ضغط في معارك لا تخصها؛ فهي حريصة على جذب الاستثمارات الصينية وتنويع مصادر دفاعها، غير أنها لا تبدي استعداداً للتضحية بروابطها الأمنية العميقة والممتدة مع واشنطن وبروكسل. ولعل هذا التمايز الناعم في مقاربة التحالفات يمثل أحد الخطوط الدقيقة التي تديرها الدبلوماسية المصرية بحذر شديد لتحقيق مصالحها الوطنية دون الاصطدام المباشر برغبات بكين في تشكيل جبهة مناهضة للغرب.
التباين الآخر يظهر بوضوح في هيكل الميزان التجاري الثنائي الذي يميل بشدة لصالح الصادرات الصينية التي تتدفق بغزارة إلى الأسواق المصرية. ورغم الاتفاقيات التجارية، تضغط القاهرة باستمرار على بكين للانتقال من علاقة استيراد وتصدير تقليدية إلى توطين حقيقي للصناعة ونقل فعلي للتكنولوجيا المتقدمة، لا سيما في مجالات المركبات الكهربائية ومكونات تحلية المياه والطاقة النظيفة، وهو مسار يتطلب من الشركات الصينية تقديم تنازلات تكنولوجية لا تبدو دائماً متحمسة لمشاركتها بالكامل دون ضمانات حمائية صارمة لملكيتها الفكرية وأسواقها التصديرية.
ليظل البحر الأحمر ومضيق باب المندب نقطة الخلاف الأكثر بروزاً وتأثيراً في الوقت الراهن، ولا سيما مع معاناة مصر بشكل مباشر من تصاعد العمليات العسكرية والتوترات الأمنية التي تعصف بحركة الملاحة في باب المندب، وهو ما يترجم إلى تراجع في عائدات قناة السويس التي تعد الرئة الاقتصادية الأساسية للبلاد.
وبينما ترغب مصر في اتخاذ مواقف دولية حاسمة ورادعة لتأمين الممر الملاحي، تتبنى بكين مقاربة دبلوماسية بالغة الحذر والهدوء مفضلةً تجنب التورط العسكري المباشر لحماية خطوط الشحن البحري، والتركيز على حلول سياسية بعيدة المدى، وهو ما تعتبره الأوساط السيادية في القاهرة أقل استجابة لحجم الخطر الاقتصادي والتهديد الأمني الراهن والمباشر الذي يضرب مصالحها الاستراتيجية.
الشراكة الصينية المصرية هي نموذج حي لواقع التعددية القطبية الجديد الذي يتشكل ببطء في عالم اليوم؛ ففي حين يدرك الطرفان أنهما بحاجة إلى بعضهما في ملفات التنمية ومساعي الاستقرار الإقليمي والدولي وصوت الجنوب العالمي، تثبت القاهرة قدرتها حتى اللحظة على السير فوق حبال التوازنات الدولية المعقدة لتضمن حماية سيادتها ومصالحها الحيوية دون الانضواء تحت لواء أحد.
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






