3 أشهر
وزارة الثقافة السورية.. أسبوع من الفعاليات ومزيد من الأسئلة
الثلاثاء، 27 يناير 2026
في وقت متقارب، رصدت وزارة الثقافة في سوريا سلسلة من الفعاليات والمشروعات التي تعكس تطوراً في مجالات الثقافة والفنون والتراث. كان هذا الأسبوع شاهداً على مجموعة من الإنجازات التي تتراوح بين الترميمات الآثارية، وافتتاح المشاريع الحديثة، وصولاً إلى تنظيم الفعاليات الثقافية المتنوعة. ولكن كما هو الحال مع أي عمل ثقافي رسمي، من المهم النظر إلى هذه التحركات من زاوية محايدة، دون تحامل أو تزيين، لكي نتفحص جودتها وتأثيرها على الساحة الثقافية، ومدى توظيفها في مشروع نهضوي ثقافي واسع يعيد لسوريا هويتها الحقيقية بعد اختطافها لعقود من الزمن.
من بين أبرز الأخبار التي تصدرت الساحة السورية، كان خبر الانتهاء من ترميم البرج الثامن في قلعة دمشق. يعد هذا الترميم جزءاً من جهود الوزارة للحفاظ على الآثار التاريخية في سوريا، وهي خطوة ضرورية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها البلاد في هذا المجال. إذ لا شك أن الحفاظ على هذه المعالم يمكن أن يُعتبر مسعىً ذا طابع ثقافي وتاريخي، لكن تبقى الأسئلة قائمة حول استدامة هذه المشاريع ودورها في تعزيز السياحة الثقافية.
في نفس السياق، أُعلن عن إطلاق موسوعة الجامع الأموي الكبير بدمشق وهي أكبر موسوعة عربية شاملة عن جامع بني أمية، برعاية الوزارة. هذا المشروع، الذي يأتي في إطار إبراز التراث المعماري والديني للبلاد، يمثل خطوة إيجابية نحو توثيق الفنون المعمارية الإسلامية. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بمدى توفر هذه المشاريع للعموم، وقدرتها على الوصول إلى جمهور عريض وليس فقط لأولئك الذين يستطيعون الوصول إلى الأدوات والمصادر المموّلة.
مؤتمر إطلاق معرض دمشق الدولي للكتاب الأكبر في تاريخ سوريا، كان أيضاً أحد المشاريع التي أُقيمت مؤخراً تحت رعاية الوزارة، حيث جدد الوزير تصريحاته المتعلقة بـ “انتهاء حقبة الرقابة” على الكتب. وقد لاقى هذا التصريح استحساناً لدى الكثيرين الذين رأوا فيه إشارة إلى تطور في المشهد الثقافي في سوريا، ومع ذلك، قد تبقى بعض الأسئلة بشأن مدى استقلالية الفكر في معرض كهذا، في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.
هذه الفعاليات والمشروعات، على الرغم من أنها تشير إلى حراك ثقافي لا بأس به، إلا أنها تبقى محكومة بالعديد من العوامل التي قد تحد من قدرتها على تحقيق التأثير المطلوب.
على مستوى الفعاليات الإقليمية، كان هناك أيضاً مسيرٌ ثقافي للحافلة الثقافية في الأرياف السورية، حيث تم استخدام اللغة الآرامية في بلدة معلولا الشهيرة. إن هذا الحدث يعكس اهتماماً بإحياء اللغة والتراث المحلي، وهو مسعى جدير بالثناء. لكن ما يثير الانتباه هنا هو ما إذا كانت هذه الأنشطة ستكون قادرة على جذب جمهور واسع من الشباب والمجتمعات المحلية الذين يعيشون في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
من جهة أخرى، كان منتدى "صناع الأثر"في حمص من بين الفعاليات التي رعتها أيضاً وزارة الثقافة. وقد جمع المنتدى نخبة من الأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي السوري، وقد طُرحت خلاله مجموعة من القضايا المتعلقة بصناعة الثقافة في البلاد. وبينما يمكن أن يشكل هذا المنتدى منصة مهمة للتبادل الفكري، يبقى من المهم أن يتم تفعيل نتائج هذه النقاشات على أرض الواقع في تطوير البرامج الثقافية المحلية، التي قد تواجه تحديات عديدة في ظل الظروف الراهنة.
فيما يخص الحفلات والندوات، فقد شهدت دمشق وحلب وحمص ودير الزور فعاليات متعددة، مما يعكس أن هناك نشاطاً ثقافياً مستمراً رغم الظروف الصعبة. ولكن يبقى التساؤل عن مستوى التفاعل مع هذه الأنشطة، وما إذا كانت تنجح في توسيع دائرة المشاركة بين جميع فئات المجتمع السوري.
وأخيراً، تم الإعلان عن إطلاق منصة "رواق"لتوثيق التراث السوري، وهي خطوة تهدف إلى جمع وحفظ المعلومات الثقافية والتاريخية المتعلقة بسوريا، مما يسهم في المحافظة على التراث المادي وغير المادي. لكن يبقى التساؤل حول قدرة هذه المنصة على تقديم معلومات دقيقة وشاملة لجميع جوانب التراث السوري، خاصة في ظل التحديات التقنية والمالية التي قد تواجهها.
هذه الفعاليات والمشروعات، على الرغم من أنها تشير إلى حراك ثقافي لا بأس به، إلا أنها تبقى محكومة بالعديد من العوامل التي قد تحد من قدرتها على تحقيق التأثير المطلوب. وكما أشار الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، "الوجود يسبق الجوهر"، مما يعني أن التوجهات الثقافية لا يمكن أن تكتسب تأثيراً إلا إذا كانت تعكس تطلعات الشعوب وتلامس واقعها بشكل فعلي.
Loading ads...
من هنا، لا يمكن الحكم على هذه الأنشطة بمعزل عن واقع سوريا الاجتماعي والسياسي. إذا كانت وزارة الثقافة تسعى فعلاً إلى تعزيز التراث والفكر الثقافي السوري، فعليها أن تضمن الوصول إلى الجمهور الأوسع، وأن تجعل من هذه الأنشطة مشروعاً شاملاً يعكس التنوع السوري في كافة جوانبه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




