تحولت تظاهرات إيران الغاضبة من المطالب المتعلقة بالمعيشة والتدهور الاقتصادي إلى تبني خطاب سياسي يطالب بتغيير النظام.
منذ قرابة أسبوعين، تعيش إيران على إيقاع احتجاجات غاضبة لم تعد محصورة في القضايا المعاشية، بل أخذت طابعاً أوسع يعكس عمق الأزمة التي يمر بها المجتمع الإيراني.
البداية كانت معيشية بامتياز؛ تضخم خانق، وعملة تتهاوى، وأجور لم تعد تكفي لسد أساسيات الحياة، لكن ما لبث هذا الغضب اليومي أن تحوّل إلى شعور عام بالاختناق، خاصة لدى فئات الشباب والطبقة الوسطى، التي ترى أن الأزمات لم تعد ظرفية أو مرتبطة بعقوبات فقط، بل بنمط حكم ديني مغلق فقد القدرة على الإصلاح.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات بات السؤال المطروح في الشارع الإيراني وخارجه: هل ما يجري ما زال احتجاجاً مطلبياً أم بداية مواجهة مفتوحة بين شعب منهك، ونظام الملالي الذي يفقد قبضته تدريجياً على المشهد السياسي والأمني في البلاد؟
اللافت أن الشعارات التي رُفعت في الأيام الأخيرة، ومنها هتافات مباشرة ضد المرشد الأعلى علي خامنئي، تعكس تحوّلاً في سقف الخطاب، وتشي بأن قطاعات من المحتجين تجاوزت منطق تحسين الأوضاع إلى التشكيك في شرعية السلطة ذاتها.
ميدانياً، تستمر التظاهرات بوتيرة متصاعدة رغم قطع الإنترنت وتشديد القبضة الأمنية، حيث خرج محتجون في طهران وتبريز وأصفهان ومشهد وقم والأحواز وكرمانشاه وغيرها، وفق مقاطع بثتها قنوات ناطقة بالفارسية خارج البلاد ومصادر حقوقية، هذا الانتشار الجغرافي يمنح الحراك زخماً يصعب احتواؤه سريعاً.
ایران میں دو ہفتوں سے جاری احتجاجی مظاہروں میں اب شدت آگئی ہے۔ احتجاج میں متعدد افراد کی ہلاکت کی اطلاعات بھی موصول ہو رہی ہیں۔دُنیا کے متعدد شہروں میں آباد ایرانی بھی اب حکومت مخالف ان مظاہروں کی حمایت میں احتجاج کر رہے ہیں۔ pic.twitter.com/NKmZpAe4IQ
— The Balochistan Post (@BalochistanPost) January 11, 2026
الجيش الإيراني دخل على الخط، محذراً مما أسماه "مخططات العدو"، ومتعهداً بـ"حماية المصالح الوطنية والبنية التحتية الاستراتيجية، والممتلكات العامة بالبلاد ومكتسبات الثورة الإسلامية".
كما أكد الحرس الثوري الإيراني أن أمن البلاد وحماية إنجازات الثورة خط أحمر، فيما أعلنت الشرطة إصابة نحو 270 من عناصرها، في حين تم القبض على العشرات، قالت السلطات إنهم مسؤولون عن الفوضى، في المقابل قالت منظمات حقوقية إن أكثر من 50 شخصاً قتلوا خلال أسبوعين.
وحذر المدعي العام محمد موحدي آزاد (السبت 10 يناير) من أن أي شخص يشارك في الاحتجاجات سوف يعتبر "عدواً لله"، وهي تهمة عقوبتها الإعدام بموجب القانون الإيراني.
دولياً لم تمر مشاهد العنف دون ردود فعل، إذ ندد قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا بما وصفوه "قتل المتظاهرين"، مطالبين طهران بضبط النفس واحترام حق التعبير والتجمع السلمي، كما صدرت إدانات مماثلة من الاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا.
الولايات المتحدة دخلت بدورها على خط الأزمة، إذ قال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، إن واشنطن تدعم شعب إيران الشجاع، فيما أكد الرئيس دونالد ترامب استعداده للتدخل إذا استمرت عمليات القمع.
وقال ترامب (السبت 10 يناير) عبر مدونته "تروث سوشيال": إن "إيران تتطلع إلى الحرية، ربما أكثر من أي وقت مضى. الولايات المتحدة الأمريكية على أهبة الاستعداد للمساعدة!".
في المقابل، ردّت طهران باتهام واشنطن و"إسرائيل" بتأجيج الاحتجاجات، حيث قال مندوبها لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، إن "الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية تحويل احتجاجات سلمية إلى أعمال عنف"، فيما تحدثت استخبارات الحرس الثوري عن برنامج دقيق تقوده أجهزة أجنبية لإثارة الفوضى الداخلية.
كما قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في تصريحات لتلفزيون "تي آر تي" التركية (السبت 10 يناير) إن "إسرائيل تسعى لاستغلال الأوضاع في إيران، وتغيير النظام"، متوقعاً فشلها في تحقيق ذلك.
وأضاف: "أرسلنا رسالة: على إيران أن تترك ماضيها وتفتح صفحه جديدة مع دول المنطقة، لأن تعزيز التعاون الإقليمي ضروري لاستقرار الشرق الأوسط".
وفي حديثه لـ"الخليج أونلاين" يشرح محمود شعبان، الباحث في شؤون إيران وأمن الشرق الأوسط، الأسباب التي دفعت الشارع الإيراني إلى الغضب والاحتجاج، مشيراً إلى أن تجاوز "الشكاوى الاقتصادية" ليحمل طابعاً سياسياً واجتماعياً أعمق يعكس أزمة شرعية متنامية، خاصة لدى فئات الشباب والنساء والطبقة الوسطى.
ووفق شعبان، فعلى الرغم من اتساع رقعة الغضب الشعبي فإن النظام الإيراني لا يزال متماسكاً مؤسسياً، لافتاً إلى أن "الحرس الثوري، وقوات الباسيج، والأجهزة الأمنية لم تشهد حتى الآن انشقاقات مؤثرة، كما أن المعارضة تفتقر إلى قيادة موحدة قادرة على تحويل الاحتجاج إلى مشروع سياسي منظم".
وأشار أيضاً إلى الانقسام الاجتماعي بين المدن الكبرى والأطراف، وبين الطبقات الاجتماعية المختلفة، فضلاً عن قدرة النظام على امتصاص الصدمات عبر القمع الانتقائي والمناورة السياسية والإعلامية، مضيفاً:
- على المدى القصير ستستمر الاحتجاجات بصورة متقطعة مع ارتفاع كلفة القمع، من دون الوصول إلى انهيار فوري للنظام.
- أما على المدى المتوسط، فإن تراكم الأزمات الاقتصادية والشرعية قد يفتح الباب أمام أحد احتمالين، إما إصلاحات محدودة من داخل النظام لاحتواء الغضب، أو أن تذهب إيران نحو انفجار أعنف وأوسع إذا تزامن الحراك الشعبي مع ضغوط خارجية كبيرة من جانب أمريكا و"إسرائيل"، كالذهاب الى حرب شاملة. وبناء عليه فإن سقوط النظام عبر الشارع وحده لا يبدو وشيكاً.
- في خضم الجدل حول التدخل الخارجي، فان الاحتجاجات نابعة أساساً من الداخل الإيراني وتعكس مطالب شعبية حقيقية تتعلق بالحرية والعدالة والكرامة المعيشية.
- لكن ذلك لا يعني غياب الولايات المتحدة و"إسرائيل" عن المشهد؛ فواشنطن تقدم دعماً سياسياً وإعلامياً وتكثف الضغوط الاقتصادية.
- كما تركز تل أبيب على الحرب النفسية والاستخباراتية بهدف إضعاف صورة النظام، خاصة الحرس الثوري، ومع ذلك لا توجد مؤشرات على إدارة خارجية مباشرة للحراك أو قيادته ميدانياً.
- في المقابل يلجأ النظام إلى إبراز دور الخارج لأسباب متعددة رغم أنها لا تلغي حقيقة الأزمة البنيوية التي يعيشها الداخل الإيراني هي:
تجريم الاحتجاج ووصمه بالعمالة.
توحيد قاعدته الصلبة عبر خطاب "الحصار".
استعادة الشرعية الأمنية في ظل تراجع الشرعية السياسية.
- يمثل احتمال سقوط النظام الإيراني أو تفككه سيناريو بالغ التأثير على الإقليم، إذ سيشكل ضربة جوهرية لنفوذه في المنطقة.
- سيشمل ذلك "حزب الله" في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، والحوثيين في اليمن، كما سيؤدي تراجع الدعم المالي واللوجستي والعقائدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، ما يشكل مكسباً استراتيجياً كبيراً لـ"إسرائيل".
Loading ads...
- سقوط النظام ربما لا يضمن انتقالاً ديمقراطياً منظماً، بل قد يفتح الباب أمام تفكك الدولة المركزية، وصراعات إثنية (كردية، عربية، بلوشية، أذرية)، وتنافس إقليمي ودولي على النفوذ داخل إيران نفسها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






