في عام 2010، جلس مسؤولو "أمازون" يراقبون بقلق متصاعد كيف يتسرب جزء من إيرادات الشركة ببطء لصالح "آبل" و"جوجل"، فكل عملية شراء تتم عبر تطبيق الشركة على الجوالات كانت تمر بمتاجر تطبيقات الشركتين أولاً، ومعها تذهب نسبة من هامش الربح الضئيل أصلاً إلى المنافس.
كان الحل الذي توصلت إليه أمازون بسيطاً في ظاهره: لماذا لا نضع جوالنا في يد المستخدم مباشرة؟ ومن هنا وُلدت فكرة "فاير فون"، لكن هذه الرؤية ركزت على مصلحة الشركة أكثر من احتياجات المستخدم، وهو الخطأ الذي رافق المشروع منذ بدايته.
المبالغة في التوقعات..وصدمة التسعير
في يونيو 2014، وقف "جيف بيزوس" مؤسس شركة التجارة الإلكترونية على المسرح في سياتل ليكشف عن "فاير فون"، في حدث ضخم حمل توقعات مرتفعة، في أول محاولة فعلية للشركة لدخول سوق الهواتف الذكية، مستفيدة من النجاح الذي حققته أجهزة "كيندل فاير" اللوحية.
وقدمت "أمازون" الجوال باعتباره مختلفًا عن منافسيه، مع مزايا مثل تقنية "المنظور الديناميكي" التي استخدمت أربع كاميرات أمامية لإضفاء تأثير ثلاثي الأبعاد، لكن ما بدا ابتكارًا على المسرح، اعتبره كثير من المراجعين مجرد استعراض تقني لا يضيف قيمة حقيقية لتجربة الاستخدام اليومية.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في السعر، فعلى الرغم من اشتهار "أمازون" بتقديم منتجات منخفضة التكلفة، إلا أنها طرحت الجوال مقابل 199 دولارًا مع عقد لمدة عامين مع شركة الاتصالات "إيه تي أند تي"، أو 650 دولارًا دون عقد، ليصبح في الفئة السعرية نفسها تقريبًا لهواتف "آيفون" و"سامسونج جالاكسي".
ولم يقتصر الأمر على السعر، بل إن الهاتف بيع حصريًا عبر "إيه تي أند تي"، لأن "أمازون" أبرمت صفقة مع شركة الاتصالات مقابل دعم التسويق والبيع بالتجزئة، وهي خطوة شائعة لدى البائعين الأقل شهرة (وليس شركة التكنولوجيا الشهيرة)، ما ضيق قاعدة العملاء المحتملين منذ اليوم الأول.
وبدلًا من أن يكون بديلًا اقتصاديًا كما توقع كثيرون، وجد المستهلك نفسه أمام هاتف جديد يطلب منه التخلي عن علامة يثق بها مقابل منتج لا يقدم أفضلية واضحة.
كان أبرز أسباب الفشل هو التأخر في دخول سوق الجوالات الذكية، لأنه عندما طرح "فاير" كان الآيفون وهواتف أندرويد تسيطر على معظم السوق، بينما بلغت نسبة انتشار الهواتف الذكية في الولايات المتحدة نحو 72%، ما جعل إقناع المستخدمين بتغيير هواتفهم مهمة شديدة الصعوبة.
كما أن الجوال اعتمد نسخة معدلة من نظام "أندرويد" مع متجر تطبيقات خاص بـ "أمازون"، افتقر إلى تطبيقات أساسية مثل "جيميل" و"يوتيوب" و"جوجل مابس"، كما لم يتحمس المطورون لإنشاء نسخ خاصة من تطبيقاتهم من أجل جهاز لم يثبت حضوره في السوق.
إضافة إلى ذلك تركيز مزايا عديدة في الجوال على تسهيل تسوق المستخدمين من "أمازون" أكثر من تحسين تجربة الهاتف نفسها، وهو ما جعل الجهاز يبدو وكأنه بوابة للتسوق، لا منافسًا حقيقيًا في سوق الهواتف الذكية.
لم تنتظر السوق طويلاً لإصدار حكمها، رغم أن "أمازون" قررت بعد أشهر قليلة فقط من الإطلاق، خفض سعر الجوال إلى 99 سنتًا مع عقد مع "إيه تي أند تي" (مع إمكانية الحصول عليه مقابل 179 دولارًا بدون عقد) في محاولة لإنقاذ المبيعات، لكن الخطوة جاءت متأخرة.
وفي أكتوبر 2014، أعلنت الشركة تسجيل خسائر مرتبطة بالمشروع بلغت 170 مليون دولار، تضمنت شطب 83 مليون دولار قيمة أجهزة غير مبيعة تراكمت في المخازن.
وبعد نحو 15 شهرًا فقط من إطلاقه، أسدلت أمازون الستار نهائيًا على "فاير فون" وقررت وقف إنتاجه، لتنتهي التجربة سريعًا بعدما بدأت بضجة إعلامية كبيرة.
تبقى تلك التجربة واحدة من أبرز الإخفاقات في تاريخ "أمازون"، إذ أظهرت أن قوة العلامة التجارية وحدها لا تكفي لاقتحام سوق ناضجة وشديدة التنافس، كما أكدت أن نجاح أي منتج لا يعتمد على الابتكار التقني أو الإمكانات المالية فحسب، بل على فهم احتياجات المستخدم، وتقديم قيمة حقيقية تبرر تغيير عاداته الشرائية.
Loading ads...
المصدر: أرقام – مجلة "تايم" - "هارفرد بيزنس سكول" – موقع "سي نت" – فاينانشال تايمز.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





