منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، تواجه الرابطة التونسية لحقوق الإنسان قيوداً على دخول السجون. علماً أنها الجمعية المحلية الوحيدة المصرح لها بذلك. وفي الشهر الأخير من العام الماضي، شكت المنظمة منع العديد من وفودها من زيارة السجون، خصوصاً في قفصة والمهدية وبلي وبرج الرومي.
لاحقاً، فرضت وزارة العدل التونسية الحصول على إذن مسبق كشرط لزيارة السجون، اعتباراً من 22 كانون الثاني/ يناير 2026، متجاهلةً أن مذكرة التفاهم بين الرابطة والوزارة عام 2015 تستوجب الإخطار المسبق فقط.
"يقوّض (هذا الإجراء) دور الرابطة في الرصد والرقابة، ويشكِّل عائقاً أمام حق الناس في الاطلاع على الأوضاع داخل السجون واحترام حقوق الإنسان"، بحسب الرابطة، لا سيّما وأنه يتزامن مع تنديد عدد من محامي الدفاع في تونس بالقيود المفروضة على زيارة موكليهم في السجون، وتحديداً من صدرت في حقهم أحكام إدانة في الاستئناف في قضايا ذات دوافع سياسية والذين طعنوا بالتعقيب.
يكتسب التعتيم على وضع السجون وحالة من في داخلها بعداً أقسى في الوقت الراهن في ظل تواتر الشكاوى والتقارير عن وفيات سجناء بسبب الارتفاع الهائل في درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء وعدم توافر مصادر تهوئة جيدة أو كافية في زنازين الاحتجاز المزدحمة بالسجناء السياسيين والجنائيين على السواء.
لكن ذلك ليس نهجاً معزولاً وإنما يندرج ضمن سياسة ممنهجة لنظام الرئيس قيس سعيد لقمع المجتمع المدني في البلاد، والتي أدّت إلى "الإغلاق شبه الكامل للحيز المدني النابض الذي نشأ بعد ثورة 2011"، وفق ما تقوله منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها الصادر في 2 أيلول/ سبتمبر 2026، بعنوان: "'حياة مع وقف التنفيذ'... قمع المجتمع المدني في تونس".
يشرح التقرير، الذي يرد في 49 صفحة، مراحل تصعيد السلطات التونسية قمعها مجموعات المجتمع المدني المحلية والدولية العاملة في البلاد، ومضايقة وملاحقة عدد من العاملين فيها والمنتسبين إليها، بل وتوظيف الملاحقات القضائية التعسفية، والاعتقالات التعسفية، والاحتجاز، والتحقيقات المالية والجنائية، والتعليق الجماعي، والتهديد بالحل أسلحةً ضدها.
يضطلع المجتمع المدني في تونس بأدوار رئيسية في محاسبة السلطة، جنباً إلى جنب مع تقديم خدمات أساسية، والدفاع عن حقوق الإنسان. ويبدو أن نظام الرئيس قيس سعيد وعقب وضع غالبية معارضيه في السجون أو اضطرارهم إلى الهروب خارج البلاد في منفى اضطراري، بات يضيق ذرعاً بأي محاولة لتوثيق مناخ القمع الذي يفرضه.
فعلى نحو متصاعد منذ عام 2022، يشيطن الرئيس التونسي، في خطاباته، المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، مصوِّراً إياها على أنها تهديد لـ"السيادة الوطنية".
"تضطلع منظمات المجتمع المدني في تونس بدور رئيسي في محاسبة السلطة، وتقديم خدمات أساسية، والدفاع عن حقوق الناس. من الواضح أن السلطات تسيء استخدام كل ما في حوزتها من أدوات لإغلاق الحيز أمام المجتمع المدني في تونس وإقفال هذه المنظمات"، حسبما يقول نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، بسام خواجا.
ويتابع: "من خلال تفكيك الحيز المتاح للمجتمع المدني، تحاول السلطات ضمان ألا يبقى أحد لمحاسبتها. على المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات عاجلة للمساعدة في الحفاظ على ما تبقّى من الحيز المدني في تونس، وضمان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وإنهاء هذا التراجع الحقوقي الخطير".
وبين أيار/ مايو وكانون الأول/ ديسمبر 2024، اعتقلت السلطات عدد من العاملين في منظمات تقدم المساعدة إلى اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، وأخرى تكافح العنصرية والتمييز. ولا يقل إجمالي من تلاحقهم عن 47 شخصاً من بينهم 10 أشخاص على الأقل حبسوا احتياطياً لأكثر من 14 شهراً - المدة القصوى المسموح بها في القانون التونسي.
وظّفت السلطات التونسية قوانين تجرّم مساعدة الأجانب المهاجرين غير النظاميين وكذلك قانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال لعام 2015 من أجل توجيه "تهم تعسّفية" إلى مدافعين عن حقوق الإنسان وعاملين في منظمات حقوقية غير حكومية.
وأسفرت محاكمات عدّة خلال عامي 2025 و2026 عن إدانة 14 شخصاً على الأقل من المجتمع المدني وصدور أحكام بسجنهم، بمن فيهم المدافعة البارزة عن حقوق الإنسان سعدية مصباح المحكومة بالسجن ثماني سنوات فضلاً عن غرامة باهظة استناداً إلى "تهم تعسّفية" تتعلق بجرائم مالية.
استهدفت السلطات أيضاً الجمعيات بشكل جماعي بتحقيقات مالية وجنائية، وفي أوقات تثير الريبة في نواياها. على سبيل المثال، قبيل الانتخابات الرئاسية، تحديداً في نهاية 2024، أخطرت "فرقة الأبحاث ومكافحة التهرب الجبائي" ما لا يقل عن 10 جمعيات – من بينها المكتب الإقليمي لـ"منظمة العفو الدولية" ومجموعة "أنا يقظ" المحلية التي تُعنى بمكافحة الفساد– بإخضاعها للتحقيق.
هذه التحقيقات تضيف أعباءً إدارية وتشغيلية، وقد أدّت إلى تجميد الحسابات المصرفية لجمعيتين على الأقل. ويثير الاستخدام الواسع والممنهج لهذه التحقيقات ضد شريحة واسعة من المجتمع المدني مخاوف جدية من أن الحكومة تستخدم هذه الإجراءات سلاحاً لاستهداف منظمات المجتمع المدني وترهيبها.
بين تموز/ يوليو وتشرين الأول/ أكتوبر 2025، وبين نيسان/ أبريل وأيار/ مايو 2026، أساءت السلطات التونسية استخدام المرسوم 2011-88 المتعلّق بالجمعيات لفرض إغلاق جماعي على عمل جمعيات. وقد حدّدت "هيومن رايتس" ما لا يقل عن 20 جمعية مجتمع مدني أوقف عملها، مبرزةً صعوبة تحديد العدد الدقيق لغياب البيانات الرسمية. ووفق المنظمة، تحايلت قرارات التعليق هذه على الإجراءات القانونية الواجبة وشابتها مخالفات حيث لم تتلقَّ بعض الجمعيات الإنذارات الرسمية التي يفرضها القانون، والتي كانت لتمكّنها من الرد على مزاعم الانتهاكات أو معالجتها.
في غضون ذلك، حاولت جمعيات أخرى الرد لكنها لم تتلقَّ أي جواب. وتشدّد "هيومن رايتس" على أن "تعليق عمل جمعية إجراء جذري ينبغي ألا يُتخذ إلا كملاذ أخير، وبمبرّر واضح ومراجعة مستقلة".
وعقب ملاحقتها ووقف عملها، "تواجه هذه المجموعات خطراً جدياً يتمثّل في حلها بمجرد استنفاد جميع سبل الطعن"، وفق المنظمة الحقوقية. وأكد محامون قدموا الدعم لبعض المجموعات المعلّقة لـ"هيومن رايتس" أن السلطات رفضت طعون نحو 30 جمعية قدمت طعوناً بالفعل.
ومن بين الجمعيات التي تواجه خطر الحل راهناً، جمعية "الخط" الناشرة للمنصة الإعلامية المستقلة "إنكفاضة"، وجمعية "منامتي".
جدير بالذكر أن الجمعيات واجهت قيوداً إضافية بالتوازي مع حملة القمع الرسمية، ويشمل ذلك فرض مصارف خاصة قيوداً غير مبرَّرة على جمعيات عديدة، مثل إقفال حساباتها بالعملة الصعبة أو بالدينار التونسي القابل للتحويل، أو حجب أموال أجنبية مرسلة إلى حسابات تونسية أو إعادتها، أو إغلاق حساباتها المصرفية.
كما أفادت بعض الجمعيات بأن السلطات رفضت اعتمادها لمراقبة الانتخابات، أو فرضت قواعد أكثر صرامة على دخولها السجون ومراكز الاحتجاز، أو حظرت بعض الفاعليات العامة.
في الأثناء، يخذل القضاء، الذي يصدر أوامر التعليق، المجتمع المدني حيث يخضع إلى سيطرة السلطة التنفيذية منذ عام 2022، عندما اتخذ الرئيس سعيد إجراءات واسعة توسّع صلاحياته وتسحق استقلال القضاء.
كذلك، سعت السلطات التونسية مراراً إلى استبدال الإطار التشريعي الحالي المنظِّم للجمعيات وتشديده بطرق من شأنها تقويض حق المنظمات في حرية تكوين الجمعيات بشكل خطير إذ من شأن مشروعي قانون، أحدهما سُرّب في أوائل 2022 وآخر قُدم إلى البرلمان في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أن يمنحا الحكومة سيطرة ورقابة كبيرتين على إنشاء المجموعات المستقلة وأنشطتها وعملياتها وتمويلها.
وفي نهاية تقريرها، تحضّ "هيومن رايتس" السلطات التونسية على التوقّف عن تقييد حرية تكوين الجمعيات، وإنهاء التحقيقات التعسّفية والمضايقات القضائية وتجريم عمل مجموعات المجتمع المدني وأعضائها، مطالبةً إياها بالإفراج عن جميع العاملين في المنظمات غير الحكومية، والناشطين. والمدافعين عن حقوق الإنسان المحتجزين تعسّفاً بسبب عملهم المشروع، وإلغاء الإدانات الجائرة.
وتدعو المنظمة البرلمان التونسي إلى ضمان قدرة الجمعيات على العمل بحرية، بسبل منها سحب مشاريع القوانين التي تنتهك الحق في حرية تكوين الجمعيات.
Loading ads...
أما عن المجتمع الدولي، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، أن يحضّ السلطات التونسية علناً وخلف الأبواب المغلقة على الإفراج عن جميع العاملين في المنظمات غير الحكومية، والمدافعين عن حقوق الإنسان، وغيرهم من المحتجزين تعسّفياً، وإلغاء الإدانات المرتبطة بالعمل المشروع للمجموعات، وإنهاء القمع ضد المجتمع المدني.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






