14 ساعات
سوريا في مؤتمر ميونخ للأمن.. من ملف "أزمة" إلى مقاربة أمنية
الخميس، 19 فبراير 2026
انعقدت دورة هذا العام من مؤتمر ميونيخ للأمن من 13 إلى 15شباط في مدينة ميونيخ الألمانية، بمشاركة واسعة من قادة دول ووزراء ومسؤولين أمنيين من مختلف أنحاء العالم. ويُعد المؤتمر، الذي يُنظَّم سنويا منذ ستينيات القرن الماضي، منصة لبحث قضايا الأمن الدولي، حيث تنُاقش التحولات الجيوسياسية والتوازنات الإقليمية ضمن إطار حواري مكثف يمتد على مدى ثلاثة أيام.
وشهدت دورة هذا العام من المؤتمر مشاركة سورية لافتة على مستويين: حضور رسمي عبر وزير الخارجية، وحضور من قياديي "قوات سوريا الديمقراطية" تزامنا مع تحقيق تقدم في اتفاق الدمج، ورغم أن المؤتمر شهد "تضاربا وتقاطعا في المصالح" وخاصة بين باريس وواشنطن، إلا أن شكل المشاركة وتعدد الأطراف يعكس مقاربة دولية جديدة للتعامل مع سوريا بوصفها ملفا مركّبا تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والسياسية والإقليمية.
وكان قائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي، التقى السبت 14 من شباط بشكل منفرد، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، مؤكدا أنه لمس التزاما مباشرا وشخصيا من ماكرون بدعم جهود وقف إطلاق النار ودفع مسار التهدئة، في حين اعتبر صحفيون وسياسيون، أن اللقاء جاء للتأكيد على الدور الفرنسي شمال شرقي سوريا، مشيرين إلى إصدار السفارة الأميركية في باريس منشورار على صفحتها باللغة الفرنسية يتحدث عن دور واشنطن الرئيس في اتفاق 30 من كانون الثاني بين "قسد" ودمشق.
وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، التقى وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو على هامش أعمال المؤتمر، وبحث الجانبان خلال اللقاء العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، مع التأكيد على أهمية تعزيز الحوار والتعاون لتحقيق الاستقرار في المنطقة، كما استعرضا جهود تحقيق السلام والتنمية في سوريا، وفق وكالة "سانا".
رسائل هادئة من دمشق ومقاربة أمنية
شارك وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، في أعمال المؤتمر وعقد سلسلة من اللقاءات الثنائية مع وزراء ومسؤولين دوليين. وبحسب التصريحات الرسمية، أكد الشيباني خلال اجتماعاته على: وحدة وسيادة سوريا وأهمية الاستقرار الأمني والسياسي وفتح قنوات تعاون مع الأطراف الإقليمية والدولية، ووفق تغطيات إعلامية رسمية، جاءت لقاءاته مع مسؤولين عرب وغربيين في سياق “تعزيز التواصل” و“بحث مسارات العمل المشترك”، مع التركيز على ملف مكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار في المناطق الحدودية.
هذه المقاربة لا تعكس تغييرا جذريا، لكنها تظُهر رغبة دمشق في إعادة تفعيل الحضور الدبلوماسي ضمن منتديات دولية كبرى، ولو بخطوات تدريجية ومحسوبة.
في المقابل، شارك قائد "قسد"، مظلوم عبدي وإلهام أحمد مسؤولة العلاقات الخارجية في "الإدارة الذاتية"، ضمن حوارات المؤتمر.
وقالت إلهام أحمد، أن الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية و"قسد" لا يتضمن نصاً صريحاً على حل مؤسسات الإدارة الذاتية، وإنما يجري بحث إعادة ترتيبها ضمن إطار لا مركزي داخل الدولة السورية.
وأضافت في مقابلة مع قناة "الجزيرة مباشر" إن مؤسسات "الإدارة الذاتية" ستستمر في تقديم خدماتها لسكان المنطقة، ولكن ضمن آلية دمج مدني وإداري جديدة قيد البحث، مؤكدة أن الهدف هو الحفاظ على نوع من العلاقة اللامركزية في إطار الدولة الموحدة.
وتأتي مشاركتهم في إطار اهتمام أوروبي بدور هذه القوى لضبط الحدود ومكافحة التنظيمات المتطرفة مع بدء انسحاب القوات الأميركية من المنطقة، ودخول سوريا إلى التحالف الدولي، إضافة لإدارة المناطق "المعقدة" شرقي الفرات.
وخلال اللقاء الذي جمعه بوزير الخارجية السوري، أكّد روبيو أن الولايات المتحدة “تدعم قيام سوريا مستقرة، تحمي حقوق جميع مكوّناتها، وتعيش بسلام مع محيطها” وفق بيان وزارة الخارجية الأميركية.
وووصف روبيو اللقاء الذي جمع مسؤولين أميركيين بالشيباني، وقائد "قسد"، مظلوم عبدي، خلال المؤتمر بأنه "تاريخي"، لكونه جمع الطرفين في قاعة واحدة، معتبراً أن الاجتماع يعكس توجهاً لتثبيت التفاهمات ومنع العودة إلى التصعيد.
وجود ممثلين من الحكومة السورية ومن "قسد" في السياق نفسه لا يعني تقاربا سياسيا فقط، لكنه يعكس تعاملا دوليا واقعيا مع تعدد الفاعلين الإقليميين (تركيا، العراق، السعودية، إيران..) والمحليين على الأرض، واعتبارهم جزءا من المشهد الأمني الذي لا يمكن تجاهله.
تقاطع المصالح الدولية في سوريا
ملف سوريا في ميونيخ لم يُطرح تحت عنوان "الأزمة السياسية" هذه المرة، بل تحت عنوان الأمن الإقليمي، حيث ركزت النقاشات ركّزت على الدور الإيراني وتوتراته الإقليمية ومستقبل الوجود الأميركي شمال شرقي سوريا وموقع تركيا وخطوط النفوذ وآليات ضبط الحدود ومنع عودة التنظيمات المتطرفة، بهذا الإطار يصبح الملف السوري حزمة أمنية أكثر مما هو مسار سياسي، ما يفسّر طبيعة النقاشات المتصلة به داخل المؤتمر.
وإلى جانب الجلسات الرسمية، عُقدت لقاءات أخرى أبرزها: اجتماع أسعد الشيباني مع وزير الخارجية السعودي، حيث تم التأكيد على سيادة سوريا ودعم مسارات التعاون الأمني، ولقاء الشيباني مع رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، مع بحث ملفات اقتصادية وأمنية مشتركة، والمباحثات بين نائب وزير الداخلية السوري ومسؤولين ألمان حول التدريب وتبادل الخبرات في المجال الأمني.
هذه اللقاءات رغم اختلاف أطرافها، تشترك في نقطة واحدة: المجتمع الدولي يتعامل مع الملف السوري عبر قنوات متعددة لا عبر طرف واحد، إذا ماذا تكشف مشاركة سوريا هذا العام في مؤتمر ميونخ؟
من خلال قراءة مخرجات الحضور السوري في ميونيخ، يمكن تسجيل ثلاث ملاحظات مركزية:
دمشق تعود تدريجيا إلى مساحات النقاش الدولي، لكن عبر ملفات أمنية أكثر منها سياسية.
شمال شرقي سوريا يُناقش باعتباره عنصرا أساسايا في الاستقرار الإقليمي، سواء وُجد مسار سياسي موحد أو لا.
القوى الدولية تتعاطى مع سوريا كمنظومة متعددة الأطراف، وليس كدولة بوفد واحد يمثلّها بالكامل.
لا يمكن القول إن مشاركة سوريا في ميونيخ شكّلت تحوّلا سياسيا فقط، بل شكّلت تحولًا في طريقة تناول العالم للملف السوري، فاليوم سوريا لم تعد تظهر كـ“ملف أزمة”، بل كقضية أمنية إقليمية معقدّة تحتاج مقاربة هادئة، ومنفتحة على أطراف مختلفة في الداخل.
ويقول مركز كارنيغي للدراسات: إن المصالح الجيوسياسية لأوروبا في سوريا، والتي تشمل نشر الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة والتعاون على مكافحة الإرهاب، وحفظ الأمن والنظام في حوض البحر المتوسط، تتجاوز حدود معالجة قضية الهجرة.
فسوريا المستقرة التي تخلصت من براثن شبكات أذرع إيران لابد لها أن تعيد رسم شكل الأمن في منطقة حوض المتوسط، لأن انهيار ممر التوريد لحزب الله وحماس والذي كان يخضع لإشراف ورعاية من الأسد وإيران، وتحول سوريا إلى دولة شريكة في محاربة الإرهاب، جعل من دمشق نقطة ارتكاز للنظام الإقليمي بشكل لابد له أن يؤثر على أمن أوروبا مباشرة.
ومن خلال حضور الوفد السوري المشترك، بدا واضحا أن أي نقاش حول مستقبل سوريا لم يعد ممكنا تجاهل تعدديته الفعلية على الأرض. ميونيخ لم تقدمّ حلولًا، لكنها وضعت إطارا جديدًا لنقاش الملف السوري: إطار قائم على الواقعية، وتوازن الحسابات، وفهم أن المسار القادم لن يُكتب بلغة طرف واحد بل عبر شبكة مصالح تتقاطع داخل سوريا وخارجها.
اتفاق شامل بين الحكومة السورية و"قسد"
وكانت الحكومة السورية و"قسد" قد توصلتا في أواخر كانون الثاني الماضي إلى اتفاق "نهائي شامل"، تضمن التفاهم على تنفيذ عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، بهدف تعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات قسد، إضافة إلى تشكيل لواء لقوات عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.
Loading ads...
وبيّن مصدر حكومي لوكالة "رويترز" أن الاتفاق يشمل دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم، لافتاً إلى أن "الاتفاق يهدف إلى توحيد الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة، عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

وزارة الثقافة:1.290 مليون زائر لمعرض دمشق الدولي للكتاب
منذ ساعة واحدة
0



