ساعة واحدة
العراق.. ملامح تسوية بين الأكراد و"الإطار" لحسم الرئاسة ورئيس الوزراء
الخميس، 19 فبراير 2026

تشهد الساحة السياسية في العراق حراكاً متسارعاً لإعادة تحريك ملف رئاسة الجمهورية بعد أشهر من الجمود، على وقع مؤشرات عن تفاهمات غير معلنة تجري خلف الكواليس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والإطار التنسيقي، ترافقت مع حديث القيادي الكردي هوشيار زيباري عن "انفراجة" مرتقبة.
هذه الانفراجة، وفق مصادر سياسية، لا تتعلق فقط باسم رئيس الجمهورية، بل تبدو جزءاً من مقاربة أوسع لإنتاج تسوية شاملة للرئاسات الثلاث، في ظل رغبة متزايدة لدى القوى السياسية بحسم الاستحقاقات خلال شهر رمضان، وإنهاء حالة "الحكومة المعلقة" بين الضغوط الإقليمية والدولية والانقسام الداخلي.
وبحسب المعطيات المتقاطعة داخل المنطقة الخضراء، يدور جوهر الحراك حول مقايضة سياسية غير معلنة، وهي تراجع كردي عن فرض مرشح صدامي، مقابل خطوة مماثلة من الإطار بإعادة النظر في ترشيح نوري المالكي، والبحث عن "مرشح تسوية شيعي" يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً.
تسوية كردية لخفض سقف الاشتباك
داخل البيت الكردي، يبدو أن الواقعية السياسية بدأت تتقدم على سياسة كسر الإرادات، فالقوى الكردية، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي، باتت تدرك أن الإصرار على مرشح يواجه اعتراضات شيعية وسنية سيعني استمرار الانسداد، وبالتالي تعطيل استحقاقات الإقليم أيضاً، سواء ما يتعلق بالموازنة أو الملفات المالية أو العلاقة مع بغداد.
لذلك، تتجه النقاشات، وفق أوساط سياسية مطلعة، نحو شخصية توافقية أقل استفزازاً، قادرة على لعب دور "جسر" بين أربيل وبغداد، بدل أن تكون جزءاً من الصراع بينهما، هذا التوجه يتقاطع مع رغبة دولية في أن يكون منصب رئيس الجمهورية عامل استقرار لا نقطة اشتباك إضافية.
وقال عبد السلام برواري، النائب السابق في برلمان إقليم كردستان عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، لـ"الشرق"، إن الحزب أبدى مرونة واضحة في التعاطي مع ملف رئاسة الجمهورية، وذهب باتجاه تخفيض سقف الاشتباك السياسي وتغليب خيار التوافق، إلا أن هذه المرونة، بحسب تعبيره، لم تجد استجابة مماثلة من الاتحاد الوطني الكردستاني الذي ما يزال متمسكاً بمرشحه، ويتعامل مع المنصب وكأنه حصة حصرية له، رغم أن الرئاسة، كما يؤكد، استحقاق لجميع الكرد وليست حكراً على حزب بعينه.
وأوضح برواري أن التعثر الحقيقي لا يرتبط بالموقف الكردي بقدر ما يتعلق بالانقسام داخل الإطار التنسيقي نفسه، لا سيما مع استمرار الجدل حول ترشيح نوري المالكي، مشيراً إلى أن الإطار لم يحسم قراره حتى الآن، وأن الاجتماع الأخير تم إلغاؤه بطلب من المالكي، ما يعكس حجم الخلافات الداخلية.
وأضاف أن الحديث عن "انفراجة" يبقى مشروطاً أولاً باتفاق القوى الشيعية على مرشح واضح وقابل للتسويق سياسياً، يحظى بقبول داخلي وخارجي، ولا يفتح الباب أمام أزمات مع قوى إقليمية ودولية مؤثرة مثل الولايات المتحدة.
وأوضح أن الأكراد يمتلكون 63 مقعداً فقط، مقابل (266) نائباً من بقية الكتل، وهو عدد يكفي لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية داخل مجلس النواب حتى في حال مقاطعة الكرد، ما يعني أن التعطيل سببه غياب التوافق بين القوى الكبرى على رئيس الوزراء المقبل.
وأضاف أن انتخاب رئيس الجمهورية يفرض دستورياً تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة خلال 15 يوماً، وهو استحقاق يصعب المضي به في ظل استمرار هذا الانقسام.
الإطار التنسيقي.. انقسام حول المالكي
في المقابل، لا يبدو المشهد داخل الإطار التنسيقي أقل تعقيداً، ففكرة سحب ترشيح المالكي لا تزال محل جدل حاد بين أجنحته، بين من يرى أن المرحلة تتطلب تنازلاً تكتيكياً لتسهيل تشكيل الحكومة، ومن يعتبر أن أي انسحاب تحت الضغط سيُفسَّر كاستجابة لإملاءات خارجية.
وقال عضو الإطار التنسيقي عامر الفائز، لـ"الشرق"، إن ما يُشاع عن حسم قرار الانسحاب "غير دقيق"، مؤكداً أن الإطار لم يتوصل بعد إلى قرار موحد.
وأضاف الفائز أن "الآراء متعددة داخل الإطار، فهناك من يرى أن انسحاب المالكي ضروري لتفادي الضغوط الأميركية التي تحدث عنها القائم بالأعمال في السفارة الأميركية ببغداد، بينما يعتقد آخرون أن الانسحاب في هذا الظرف سيضعف موقف العراق أمام واشنطن ويجعلها تتمدد في مطالبها مستقبلاً".
وتابع أن فريقاً ثالثاً يطرح صيغة وسطية تقوم على تولي المالكي المنصب لفترة محددة ثم الانسحاب لاحقاً "كي لا نشعر بأننا خضعنا لضغط خارجي مباشر"، مشيراً إلى أن "الملف لا يزال قيد النقاش ولم نصل إلى نتيجة نهائية كإطار تنسيقي".
وبشأن الحديث عن مقايضة مع القوى الكردية، شدد الفائز على أنه "لا توجد مقايضة رسمية حالياً، لأن المالكي ما يزال مصراً على البقاء مرشحاً، وبالتالي لم يُفتح باب البحث الجدي عن مرشح بديل أو تسوية"، موضحاً أن بعض الآراء تقترح أن يطرح المالكي بنفسه اسم البديل لتسهيل الانسحاب، فيما تدعو أطراف أخرى للعودة إلى الأسماء السابقة، أو البحث عن شخصية جديدة ذات بعد اقتصادي وسياسي وعلاقات إقليمية مقبولة، "لكن كل ذلك لا يزال في إطار الطروحات النظرية".
ويحضر البعد الخارجي بقوة في هذه المعادلة؛ فالحكومة العراقية، كما ترى دوائر سياسية، تقف عند تقاطع حساس بين ضغوط الولايات المتحدة الساعية إلى إعادة ترتيب البيت السياسي وتمكين مؤسسات الدولة، وبين نفوذ إيران الذي لا يزال مؤثراً داخل قوى الإطار.
ويرى رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، في حديث مع "الشرق"، أن واشنطن تنظر إلى رئاسة الجمهورية بوصفها مفتاحاً لتشكيل الحكومة المقبلة، وليست مجرد منصب بروتوكولي.
وقال الشمري إن "الولايات المتحدة لا تزال تنتظر توافقاً بين الحزبين الكرديين التقليديين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لاختيار شخصية تنهي الخلاف، لأن هذا المنصب سيكون بوابة لاختيار رئيس الوزراء".
وأضاف أن الاتحاد الوطني يتمسك بالمنصب باعتباره جزءاً من إرث الرئيس الراحل جلال طالباني، ما يجعل واشنطن حريصة على مراعاة هذه الحساسية لكسب حليف أقرب لها في بغداد، وأوضح أن الإدارة الأميركية "لن تدفع باتجاه شخصية جدلية أو مرتبطة بمحاور إقليمية، بل تفضّل مرشحاً مستقلاً نسبياً، قادراً على تحقيق الاستقرار الداخلي وإدارة علاقة متوازنة مع واشنطن".
ويرى الشمري أن فرص المالكي تراجعت بفعل الانقسام داخل الإطار والفيتو الأميركي غير المعلن، إلى جانب غياب أي دعم واضح من المرجعية الدينية المتمثلة بعلي السيستاني، ما يدفع باتجاه البحث عن بديل توافقي.
صفقة "السلة الواحدة"
كل هذه المعطيات تعزز فرضية الذهاب نحو "صفقة سلة واحدة"، تشمل تمرير رئيس الجمهورية مقابل الاتفاق على رئيس الوزراء وبقية الاستحقاقات دفعة واحدة.
ويُنظر إلى هذا السيناريو باعتباره الطريق الأسرع لكسر الجمود السياسي، خصوصاً في ظل الضغوط الشعبية والخدمية والاقتصادية التي تتفاقم مع استمرار الفراغ التنفيذي.
غير أن هذا المسار لا يخلو من المخاطر، إذ أن أي خلاف على اسم واحد قد يُفجّر التفاهمات بالكامل، كما أن أجنحة داخل القوى السياسية ما تزال تتحفظ على تقديم تنازلات كبيرة، خشية خسارة النفوذ أو الظهور بمظهر المتراجع.
في المحصلة، تبدو "الانفراجة" التي يجري الحديث عنها أقرب إلى تسوية اضطرارية فرضتها موازين القوى أكثر مما هي توافق مريح بين الأطراف.
وبين حسابات أربيل وبغداد، وضغوط واشنطن وتوازنات طهران، يتحرك الجميع في مساحة ضيقة عنوانها البحث عن أقل الخسائر، فإذا نجحت القوى السياسية في تحويل التفاهمات الصامتة إلى اتفاق مكتمل خلال رمضان، فقد تخرج البلاد من دوامة التعطيل أخيراً.
Loading ads...
أما إذا تعثرت الأسماء وعادت الحسابات الفئوية للواجهة، فستبقى الحكومة معلّقة، وتبقى "الانفراجة" مجرد وعد مؤجل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

الشهري: لم نفتح باب المستقبل.. تركيزي على عملي
منذ دقيقة واحدة
0


