إن كان بإمكاننا حمل بطاقات تعريفية صادقة عن أنفسنا، بالطبع سأختار أن تحمل بطاقتي عنوان: "صديقة سامّة".
لن أرغب في أن ينخدع أحد في طباعي الودودة، لأننا حتماً سنُصبح أصدقاء، وربّما مقربين جداً… حتى يأتي اليوم المشؤوم الذي ينبغي فيه انتهاء الصداقة.
سأتولى تلك المسؤولية بصدر رحب، ربّما من طريق مكالمة هاتفية طويلة أو برسالة نصية أشرح فيها أسبابي، مصحوبةً بقائمة بعنوان: "عشرة أسباب لماذا انتهى الود بيننا، الثالثة ستُبهرك"، أو "ملخّص أخطائك الفادحة في حقي"، أو غيرهما.
لا أتحمل الرحيل الصامت، ولا الموت البطيء في العلاقات. لا أحبّ النهايات المفتوحة ولا الأبواب المواربة التي قد تسمح يوماً بتسلل الود بيننا.
لا أذكر أنني حظيتُ يوماً بنهاية لائقة لأي من علاقاتي، كأن نجلس في مقهى ونتحدّث عن الأمر بهدوء، أو حتى بعنف. لا كلمات وداع، ولا أحضان، ولا مشهد أخير يليق بما كان بيننا. لم أحظَ بتلك الشجاعة. ولم أعرف أحداً يملكها.
ولا يقلقني أنني أترك ذلك الانطباع عن نفسي عمداً: إنسانة متقلّبة، يراها آخرون ممن تحرّكهم مشاعرهم، متسرّعة في قراراتها، لا تُخبّئ غضبها في المواقف التي عادةً ما يعمّها الصمت، حاضرة دائماً بردودها اللاذعة، أو برغبتها في امتلاك الأشياء أو التخلّص منها في التوّ واللحظة، كأن العالم سينتهي فوراً.
لا تزعجني صورتي كامرأة هوجاء، يزعجني أكثر أن تُكتشف أعماقي المليئة بالصبر.
لم أكن أعلم مقدار الصبر الذي أملكه، بل وصدّقت أنني "متسرّعة" بالفعل. احتاج الأمر سنوات، وربّما عقوداً، ونظرةً إلى مُجمل حياتي، لأدرك أن الصبر ليس مجرّد صفة اكتسبتها، بل هو في حدّ ذاته ما كوّنني.
الصبر هو الأساس الذي ورثتهُ عن نساء عائلتي. فتاريخهن سلسلة من الحلقات المتشابهة: صبر على الأذى والظلم، وربّما الفقر أحياناً، دون بوادر تُذكر للتمرّد.
في صغري، كطفلة في بيت مسيحي، تعلمتُ أن لكل إنسان صليباً عليه أن يحمله. فالتقط عقلي المعلومة سريعاً بأن الصبر ليس فضيلة، بل فريضة.
تعلمتُ أن الحياة لا تستمر من دون صبر، وأنه نقيض الانتظار. فالانتظار نار مشتعلة لا تُطاق. أما الصبر فلا يعد بأي نهاية أو هدف قريب. عليك فقط أن تصبر وتحتمل، إلى أن تتحسن الأشياء من تلقاء نفسها، أو بحسب مصيرك المكتوب لك سلفاً.
ربّما لهذا أجد سنوات ضائعة في الأماكن الخطأ وبين الأشخاص الخطأ. لم أكن أفرّق أبداً بين الصبر والسلبية، وظننت أن تحمّل المعاناة شيء محتّم لا يمكن الفرار منه. حبسني الصبر في علاقات كان ينبغي أن تمرّ سريعاً، ولا أتحدث هنا عن العلاقات العاطفية فقط، بل الصداقات أيضاً.
اليوم، بعد مرور ما يزيد على عقد من الزمن، استطعتُ أخيراً أن أترك صداقة تؤذيني بالفعل، بعد أن عشتُ سنوات في وهم أن لديّ "صديقة عمر"، فرداً من عائلتي اخترته بنفسي، إن صحّ التعبير.
لكن ما إن بدأت رحلتي الواعية إلى نفسي، وربّما قبل ذلك بقليل، حتى تبدّد ذلك الوهم، لأواجه وحدي قبح كل ما صبرت عليه وتحمّلته باعتباره أمراً حتمياً.
كيف يمكن أن تُسمّى "صداقة" وأنا لا صوت لي فيها؟ لا أقصد أنني كنت مجرّد مستمعة. بالعكس، ربّما تحدّثت كثيراً. تحدّثت عن خيباتي وأحزاني، وشاركت الأجزاء الأضعف من نفسي، لألاحظ في النهاية أن كل ما كنت أكرّره آلاف المرات بأنه يؤلمني، كان يحدث بكل تفاصيله في ذلك المكان الآمن المسمّى "صداقة"!
حينما أشكو التهميش، أجدني أُهمَّش في هذه الصداقة. وحين أتذمّر من أن لا أحد يحاول أن يبذل أي جهد من أجلي، مثلما أفعل للجميع، لا يُبذل لأجلي شيء على الإطلاق. مع فارق بسيط: لم يكن لديّ أي حق في الاعتراض، لأنني أعلم مسبقاً أن اعتراضاتي ستنقلب عليّ بالتأكيد. وربّما ينتهي الأمر بأن أقدّم اعتذاري عن اتهاماتي القاسية، بدلاً من أن أجد من يستمع إليّ بحبّ.
احتجتُ أكثر من عشرة أعوام لكي أدرك أن استمرارية تلك الصداقة كانت مرتبطة فقط بقدرتي على الصبر والتحمّل، دون أن تنطق شفتاي بأي شكوى. كما أنني كنتُ مجبرة على أداء واجباتي كصديقة جيدة كاملةً. فلا ينبغي أن تفوتني المناسبات الرسمية، كأعياد الميلاد، ولا أن أعترض على رحلات ونزهات في غنى عنها تماماً.
أما عن حقوقي كصديقة؟ لم أطالب بأيًّ منها أصلاً، لكي أحصل على واحدة. كنتُ رهن صداقة تحتم عليّ التواجد والدعم في الأحزان، أو كلما ساءت الأمور، لكنها تتجاهلني في الأوقات السعيدة، كدمية ملقاة جانباً، إن تواجدت دميات أجمل، وكأن وجودي، أنا الدمية، قد يجلب الشؤم.
لم يكن الوضع كذلك منذ البداية. بل كلما اتّسع صبري، مبتلعاً صغائر الأمور دون شكوى، سقطت حدودي واحدة تلو الأخرى حتى تبدّدت. وكلما ابتعدتُ صامتة لأرى ما قد يُحدثه غيابي، لم يكن يحدث أيّ شيء. كنتُ أنا من أعود دائماً.
لم يكن ذلك خوفاً أو ضعفاً. كنتُ فقط أخشى أن أكون قد سببتُ ألماً، أو تسرّعتُ في أحكامي.
كنت مؤمنة كل الإيمان بأن الصبر سيصلح كل شيء، لكنه لم يكن كافياً لإصلاح الشقوق في جدار صداقتنا. ولم أكن ماهرة في إعادة بناء حدودي مرّة أخرى، فتهدّم كل شيء دفعة واحدة ربّما، أو على دفعات كثيرة.
ربّما كنت صديقة سامة.
ربّما كانت مسؤوليتي المبكرة أن أتعلّم كيف أحمي حدودي، أن أقول "لا أريد" مبكراً جداً، أن أرسّخ احترامي لذاتي حين أطالب بما أحتاجه، قبل أن اسعى إلى إرضاء الجميع أولاً.
ربّما تعلمت الكثير من تلك العلاقة غير العادلة، لكنني ممتنّة أيضاً لأولئك الذين قابلتهم قبل أن أتعلم أي شيء…
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






