ثمة تناقض عميق في مسار السلاح والدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، إذ يبدو ظاهرياً أن الخيارين يعملان في الوقت ذاته، وأنه من الصعب ترجيح أحدهما على الآخر، وهي الاستراتيجية التي يبدو أنها تدار بها “إدارة التصعيد” حتى الآن. بيد أن هذا التناقض يتجلى في صورة أخرى، تتمثل في ممارسة طهران لآليات الضغط من جانبها، مرة عبر تصريحات محسوبة تلفت الانتباه إلى نقاط محددة، وأخرى عبر تحركات ميدانية، خاصة في محيط مضيق هرمز، بما يعكس قدرتها على التأثير في هذا الممر الحيوي، ويطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول فاعلية الحصار المفروض من قبل واشنطن.
في حين مدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهلة وقف إطلاق النار، فإنه لم يحدد لها زمناً معلوماً، في إشارة إلى احتمالات عودة العمليات العسكرية، وإلى منطقية طرح مهلة زمنية محدودة بواقع أيام معدودة، قد تصل إلى خمسة أيام، بحسب ما جاء في موقع “أكسيوس“، وذلك بهدف ممارسة أقصى درجات الضغط على الجانب الإيراني لإبرام اتفاق يحقق المستهدف الأميركي، خاصة على مستوى مضيق هرمز.
وتحاصر القوات البحرية الأميركية الموانئ الإيرانية، فيما يحشد “الحرس الثوري” الإيراني نفوذه على مضيق هرمز، بعد استهداف سفن تجارية حاولت العبور، في توظيف فاعل للورقة نفسها، الأمر الذي يبدو معه المشهد وكأنه صراع بين طرفين يدرك كل منهما الآخر جيداً.
نقل موقع “أكسيوس” عن مصادر أن دونالد ترامب لن يستأنف الحرب قبل استنفاد جميع الخيارات، مشيراً إلى أنه يعتقد أنه حقق أهدافه العسكرية في إيران ويرغب في إنهاء الحرب. وفي السياق، أفاد مسؤول أميركي بوجود انقسام كبير وخلافات جوهرية بين المفاوضين الإيرانيين، بينما ذكر الموقع أن ترامب مستعد لمنح طهران مهلة إضافية تتراوح بين 3 و5 أيام للتوصل إلى اتفاق. كما أشار مسؤول أميركي إلى أن وقف إطلاق النار لن يستمر إلى ما لا نهاية، لافتاً إلى أن اغتيال علي لاريجاني تسبب في انقسام واسع داخل إيران.
وفي المقابل، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إن بلاده لم تتخذ بعد قراراً بشأن المشاركة في الجولة الجديدة من مفاوضات إسلام آباد، موضحاً أن طهران دخلت المفاوضات بحسن نية وجدية، غير أن واشنطن أظهرت، بحسب تعبيره، عدم الاكتراث وسوء النية. وزعم أن الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية لا يزال قائماً، مؤكداً في الوقت نفسه أن بلاده ستتجه إلى إسلام آباد إذا رأت أن المشاركة تخدم مصالحها الوطنية.
تكشف القراءة المتأنية في تصريحات الخارجية الإيرانية بشأن حقيقة المشاركة في جولة جديدة من مفاوضات إسلام آباد أن إيران تتحرك وفق سياسة الضغط القصوى أيضاً، وأنها تسعى إلى تحسين شروط التفاوض قبل الوصول إلى إسلام آباد، وأنها توظف ورقة مضيق هرمز، رغم الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية، بغية الوصول إلى نقطة حاسمة تتصل، أولاً، بفك الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية.
وثانياً، بعدول واشنطن عن أي وجود عسكري وميداني في حدود المضيق الحيوي، واستخدام مضيق هرمز كورقة جيوستراتيجية في بقية بنود التفاوض، سواء ما يتعلق باليورانيوم المخصب أو الصواريخ الباليستية أو الأذرع العقائدية.
قد يبدو ذلك منطقياً مع تصريحات السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني، حيث قال إن طهران ستكون مستعدة للمشاركة في الجولة المقبلة من المفاوضات مع الولايات المتحدة في إسلام آباد بمجرد رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، مشيراً إلى أن “طهران تعتبر هذا الحصار انتهاكاً لوقف إطلاق النار”.
إذاً، لم تعد مضامين المفاوضات محل نقاشٍ حاد أو خلافٍ ظاهر، بل بات رجل الشارع يدرك حقيقة القضايا الرئيسية التي يدور حولها التفاوض. بيد أن حافة الهاوية التي تقف عندها أطراف المفاوضات تتمثل في الحدود القصوى لكل قضية لدى كل طرف، حيث يسعى كل جانب إلى الضغط بشكل فاعل لنيل مكاسب محددة وفق الأولويات المدرجة.
قد يبدو من المنطقي أن الأولويات الأميركية في اللحظة الراهنة تتعلق بمضيق هرمز وتأمين الملاحة في الممر المائي، بما يحقق المصالح الأميركية بصورة استراتيجية، وبخاصة ما يتصل بحدود الصراع مع الصين اقتصادياً وتجارياً.
بينما تدرك إيران أن الأولوية العاجلة بالنسبة لها تتمثل في تخفيف الضغوط الاقتصادية والعقوبات المالية المفروضة عليها، بما يحقق لها انفراجة على المستوى الداخلي، ويبعد عنها شبح الغضب الشعبي وتآكل شرعية النظام نتيجة الأوضاع المعيشية الصعبة.
ولا يعني ذلك عدم اكتراث الجانبين بالقضايا الرئيسية الثلاث، لكنها قد تأتي في ترتيبٍ تالٍ لكل منهما، حيث تدرك واشنطن أنها وجهت ضربات قاصمة لطهران لن تجعلها قادرة على توظيف منشآتها النووية خلال مدى زمني طويل يمتد لسنوات، كما تدرك طهران أن الحفاظ على بنية النظام واستمراره كفاعل إقليمي ودولي بعد هذه المواجهة الفاصلة سيمنحها القدرة على تعويض أي خسائر سابقة.
قد يبدو النفاذ إلى فهم طريقة ممارسة إيران، بما يشمل ما يُعد تصعيداً كلامياً وميدانياً في المرحلة الأخيرة، ولا سيما بعد فشل الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد، مفيداً في ترجيح ما هو قادم، وتوقّع السيناريو الأكثر واقعية للأحداث.
يدرك النظام في إيران أنه تعرض لضربات قوية على مدار السنوات الأخيرة، وهو ما هدد بنية النظام وقدرته على الاستمرار، خاصة مع تقاطع ذلك مع دعوات إصلاحية داخل الداخل الإيراني ومن بعض رموزه أيضاً، غير أن الحرب الأخيرة منحت النظام فترة إضافية، ودفعت في شرايينه طاقات متجددة تؤهله لاستكمال مهامه.
إلى ذلك، قد يبدو من المنطقي أن يكون من بين دوافع النظام الإيراني اللجوء إلى هذه الموجة من حدة التصريحات، الظهور أمام المجال العام في الداخل بمظهر الصلابة والقوة، بما يهيئه لمرحلة جديدة من إعادة طرح شرعيته لمدد أخرى وبأدوار ومهام مختلفة.
في ضوء هذا المشهد، وما يتخلله من تطورات على المستويات الميدانية والسياسية والاقتصادية والمالية، والتي تعكس جميعها بنية مركبة ومعقدة، تبدو مسارات المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، غير المحددة زمنياً والمرجح انعقادها، محكومة بثلاثة سيناريوهات رئيسية، لا يمكن استبعاد أيٍّ منها بشكل كامل، وإن كان بالإمكان ترجيح أحدها استناداً إلى مجمل المعطيات المطروحة.
يبدو أن الطرفين راكما قدراً من الإدراك بأن كلفة استمرار الصراع تفوق بكثير احتمالات الصبر الاستراتيجي أو الانجرار إلى قرارات أكثر كلفة، كما أن تداعياته تنعكس بشكل بالغ على مختلف الأطراف.
وعليه، يبدو من غير المرجح الانزلاق مجدداً إلى تصعيد خشن بين واشنطن وطهران، كما أنه من غير المتوقع التوصل إلى تفاهم كامل حول جميع القضايا المطروحة، مع احتمالية ترحيل بعض الملفات إلى جولات لاحقة.
Loading ads...
وبناءً عليه، يظل السيناريو الأكثر واقعية هو التوصل إلى هدنة سياسية تُبنى على تفاهمات جزئية تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز وتجميد التصعيد العسكري، في إطار إدارة مؤقتة للأزمة، أكثر من كونها تسوية شاملة أو حلاً جذرياً لبنية الصراع القائم منذ سنوات عديدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

مشاهد جوية تظهر نبض الحياة في مدينة درعا ليلاً
منذ 13 دقائق
0



