لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الأكثر قرباً لـ"إسرائيل"، بل لعلها الدولة الوحيدة التي لا تزال تمنح حكومة الاحتلال الضوء الأخضر في كل حروبها، لكن وراء هذا الدعم، ثمة خلاف يتفاقم يوم بعد آخر، تؤكده تسريبات وتقارير تنشرها وسائل إعلام أمريكية.
آخر تلك التقارير، ما أوردته شبكة "إن بي سي نيوز" الأمريكية، والتي أشارت إلى أن وزارة الدفاع "البنتاغون"، رفعت مستوى التهديد المرتبط بأنشطة التجسس الإسرائيلية إلى درجة "حرج"، وفق مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين.
ورغم نفي البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية لما ورد في التقرير، فإن أهمية القضية لا تكمن فقط في مضمونها الأمني، بل في توقيتها السياسي، إذ أن التقرير جاء في لحظة تشهد تباينات واضحة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو بشأن إدارة الحرب مع إيران، والتعامل مع الملف اللبناني، وحدود العمل العسكري في المنطقة.
وبينما لا يزال التحالف الأمريكي الإسرائيلي قائماً على أسس استراتيجية وعسكرية راسخة، فإن الأسابيع الأخيرة أظهرت أن تطابق المصالح بين الطرفين لم يعد كاملاً كما كان في مراحل سابقة، فهل تدخل علاقة الجانبين منعطفاً جديداً بعد هذا التطور؟.
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، بدا أن واشنطن وتل أبيب تتحركان ضمن هدف مشترك يتمثل في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وإجبار طهران على العودة إلى طاولة التفاوض بشروط جديدة.
لكن مع تطور الأحداث، بدأت تظهر تباينات في رؤية الطرفين لنهاية الحرب، ففي الوقت الذي تركز إدارة ترامب على تحويل الإنجازات العسكرية إلى اتفاق سياسي ينهي المواجهة ويضمن حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، تدفع حكومة الاحتلال نحو تقويض أي تفاهمات، لصالح الحسم العسكري.
وخلال الأسابيع الماضية، تحدث ترامب مراراً عن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، فيما واصل مسؤولون إسرائيليون التحذير من أن أي تسوية لا تتضمن قيوداً صارمة على البرنامج النووي الإيراني ستكون غير كافية من وجهة نظرهم.
هذا التباين ظهر بصورة أوضح مع تعثر المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، إذ بدا أن الإدارة الأمريكية لا تزال تراهن على المسار الدبلوماسي، بينما استمرت "إسرائيل" في الدفع باتجاه مواصلة الضغط العسكري.
وتكشف حجم الخلاف بين الجانبين، خلال الاتصال الذي جرى مؤخراً بين ترامب ونتنياهو، ووفقاً لموقع "أكسيوس" فقد انتقد الرئيس الأمريكي، رئيس حكومة الاحتلال بقوة، واصفاً إياه بالهجوم، كما اتهمه بدفع "إسرائيل" نحو مزيد من العزلة.
وليست حرب إيران سبباً وحيداً للخلاف، بل امتد الأمر إلى الملف اللبناني، وهو ما كان سبباً لهجوم ترامب على نتنياهو، إذ تدفع واشنطن باتجاه ترتيبات لخفض التصعيد في لبنان، في الوقت الذي تواصل "إسرائيل" التصعيد هناك، ما يهدد بنسف التفاهمات مع إيران، التي تصر على ربط الملف اللبناني بأي اتفاق مع واشنطن.
وتزامن ذلك مع مساعٍ أمريكية لبلورة تفاهمات جديدة بين لبنان و"إسرائيل"، تضمنت مقترحات لوقف متبادل لإطلاق النار، وفق ما نقلته وكالة "رويترز" عن مسؤولين أمريكيين ولبنانيين، وقد أثمرت ضغوطات إدارة ترامب، في إجبار نتنياهو على التراجع، ووقف أي عملية عسكرية في بيروت، وكذا التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة يشمل جميع الجبهات، بما فيها لبنان، معتبراً أن أي تصعيد هناك يمثل انتهاكاً للتفاهمات القائمة.
في ظل هذا المناخ المتأزم سياسياً بين إدارة ترامب، وحكومة نتنياهو، جاء تقرير شبكة "إن بي سي نيوز" الأمريكية، ليشير إلى أن البنتاغون، رفع مستوى التحذير من أنشطة التجسس الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة إلى درجة حرجة.
ووفق التقرير فإن هذه الخطوة، "تعكس تصاعد القلق داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية من اتساع نطاق عمليات جمع المعلومات التي تنفذها تل أبيب ضد حليفها الأبرز".
ونقلت الشبكة عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، أن وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية قدمت خلال الأسابيع الأخيرة تقييماً جديداً لمخاطر التجسس المضاد، تضمّن تعميماً داخلياً يُصنف التهديد الإسرائيلي عند أعلى مستوى تحذيري.
ويشير التقرير إلى تزايد المخاوف الأمريكية، من سعي "إسرائيل" إلى مراقبة كبار المسؤولين الأمريكيين والحصول على معلومات مرتبطة بالمداولات الداخلية لإدارة ترامب بشأن الأحداث المتصاعدة في الشرق الأوسط، خاصة الحرب مع إيران.
وأكد أحد المسؤولين، أن التقييم الاستخباراتي، جاء مدعوماً بمواد تحليلية ورسوم بيانية، خلص إلى أن قدرات "إسرائيل" في مجال التجسس البشري وعمليات جمع المعلومات التقنية بلغت مستوى حرج.
هذا التحوط الأمريكي، انعكس من خلال إجراءات ملموسة، فعلى سبيل المثال، قال أحد المسؤولين لشبكة "إن بي سي نيوز"، إن الولايات المتحدة باتت تتخذ احتياطات إضافية خلال التعامل مع "إسرائيل"، وأن الأجهزة الإسرائيلية معروفة بعدوانيتها في جمع المعلومات.
وقد نفت سفارة "إسرائيل" لدى الولايات المتحدة هذه الأنباء، وكذلك البيت الأبيض الذي قال إن ما ورد في شبكة "إن بي سي نيوز"، غير صحيح.
هذا التطور في عقيدة مكافحة التجسس الأمريكي، ليس طارئاً، إذ سبق أن حدثت توترات بين الجانبين في أوقات سابقة، على خلفية أنشطة "إسرائيل" التجسسية داخل الولايات المتحدة.
ففي ثمانينيات القرن الماضي، تسبب النشاط التجسسي الإسرائيلي، في تدهور العلاقة بين الجانبين، وذلك في أعقاب الجاسوس جوناثان بولارد، الذي أمضى 30 عاماً في السجن بعد إدانته ببيع حقائب مليئة بالوثائق السرية للغاية لـ"إسرائيل".
إلا أن القضية الحالية، التي أشارت إليها التسريبات الأخيرة، تبدو أكثر أهمية وخطورة، لارتباطها بخلاف واضح في تقدير الموقف تجاه حرب إيران التي تمثل حساسية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة، كما أنها تتزامن مع مأزق تعيشه إدارة ترامب، وسط اتهامات لها بالانجرار وراء أهواء نتنياهو.
ومن منظور إسرائيلي، تبدو الحاجة إلى معرفة اتجاهات القرار الأمريكي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فحكومة الاحتلال تواجه اليوم أسئلة مصيرية تتعلق بمستقبل الحرب مع إيران، وإمكانية استئناف العمليات العسكرية، وشروط أي اتفاق قد يبرم بين واشنطن وطهران.
بالمقابل، تنظر واشنطن إلى هذه الملفات من زاوية أوسع تشمل أمن الملاحة الدولية، واستقرار أسواق الطاقة، وحماية القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، إضافة إلى تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.
المحلل السياسي الفلسطيني وسام عفيفة، يرى أن رفع مستوى التهديد من خطر التجسس الإسرائيلي في الولايات المتحدة إلى "حرج"، يمثل رسالة أمنية وسياسية غير مسبوقة تجاه حليف استراتيجي.
وأضاف في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن هذا التصنيف يعني أن المؤسسات الأمنية الأمريكية باتت ترى أن النشاط الاستخباري الإسرائيلي تجاوز حدود المتابعة التقليدية بين الحلفاء وأصبح يشكل مصدر قلق مباشر للأمن القومي الأمريكي، خاصة فيما يتعلق بالوصول إلى معلومات حساسة تخص عملية صنع القرار داخل الإدارة الأمريكية
Loading ads...
وحول هدف التجسس الإسرائيلي في الولايات المتحدة أشار عفيفة، إلى أنه ظاهرياً يبدو الهدف الرئيسي هو معرفة اتجاهات القرار الأمريكي قبل صدورها رسمياً، خصوصاً فيما يتعلق بملفات إيران وغزة ولبنان.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






