ساعة واحدة
من مواقع التصوير إلى سلاسل القيمة: الأثر الاقتصادي لحوافز صناعة الأفلام في المملكة
الثلاثاء، 16 يونيو 2026

ملخص: أصبحت المملكة العربية السعودية واحدة من أبرز وجهات تصوير الأفلام في المنطقة، نظراً إلى تنوعها الطبيعي الغني وإرثها الثقافي ومواقعها التاريخية الفريدة، إلى جانب تطوير بنية تحتية داعمة للإنتاج وتيسير الإجراءات التنظيمية. وقد أسهمت هذه الصناعة في تعزيز النمو الاقتصادي أيضاً. وفي هذا المقال، نتطرق إلى الدور المحوري الذي أدته برامج الحوافز التابعة لهيئة الأفلام، سواء الاسترداد المالي أم "ضوء" في تحقيق أثر اقتصادي مباشر وغير مباشر. إذ تجلى ذلك في ما يلي:
أصبحت المملكة العربية السعودية اليوم من أبرز وجهات تصوير الأفلام السينمائية في المنطقة نظراً لما تتمتع به من مقومات طبيعية وتراث ثقافي غني. فنجد طبيعة العلا مثلاً تستقطب صناع الأفلام محلياً وعالمياً، إذ تمتاز بالصحارى المفتوحة والتكوينات الصخرية النادرة والمواقع الأثرية المسجلة عالمياً. كما أسهم تطوير البنية التحتية الداعمة للإنتاج وتسهيل الإجراءات التنظيمية، وتكامل الجهود بين هيئة الأفلام والجهات المحلية، في إيجاد منصة احترافية للتصوير تعزز تنافسية المملكة باعتبارها وجهة للإنتاج السينمائي العالمي من ناحية، وتدعم الاقتصاد من خلال تنشيط قطاعات السياحة والصناعات الإبداعية من ناحية أخرى.
من هذا المنطلق، لم تعد صناعة الأفلام مجرد نشاط إبداعي محدود الأثر، بل أصبحت صناعة مكتملة البنية يمكن تحليلها من منطلق اقتصادي، من حيث تدفقات الاستثمار وتكوين سلاسل القيمة، وقدرة القطاع على توليد العوائد السوقية المستدامة وتحويل الإبداع والموهبة إلى أصول اقتصادية منتجة للثروة وفرص العمل. وقد أشارت تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" إلى أن الصناعات السمعية البصرية، وفي مقدمتها السينما، أصبحت عنصراً مؤثراً في حركة التجارة العالمية ومحركاً لنمو قطاعات متعددة.
وبالفعل، أثبتت التجربة السعودية هذا الطرح، إذ أسهمت برامج حوافز صناعة الأفلام التي تقودها هيئة الأفلام، وفي مقدمتها برنامجي الاسترداد المالي و"ضوء"، في بناء منظومة إنتاج تنافسية وجاذبة تتجاوز الدعم إلى الاستثمار التنموي. وأظهر تقييم حديث لهيئة الأفلام حول الأثر الاجتماعي والاقتصادي للبرنامجين، أن مردودهما امتد ليحفز أنشطة اقتصادية أوسع من صناعة السينما، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع روافد الاقتصاد، وتعزيز إسهامات القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.
تضطلع هيئة الأفلام بدور محوري في تنظيم قطاع الأفلام وتطويره، من خلال العمل بوصفها منظماً للسوق ومحفزاً للاستثمار وشريكاً استراتيجياً للقطاع الخاص.
ويتمثل هذا الدور في وضع الأطر التنظيمية التي تضمن كفاءة السوق واستدامته، إضافة إلى تصميم الحوافز بما يحقق توازناً بين دعم الإنتاج وتعظيم العائد الاقتصادي. كما تحرص على قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للحوافز، وربطه بمؤشرات واضحة مثل التوظيف المحلي وبناء القدرات وتوطين المحتوى، لا سيما مع تنامي إدراكها لدور الثقافة والإبداع باعتبارهما محركاً اقتصادياً متعدد الأبعاد يسهم في تنشيط قطاعات متصلة ويعزز قوة الاقتصاد الإبداعي.
ويمثل برنامج الاسترداد المالي وبرنامج "ضوء" لدعم الأفلام أدوات استراتيجية متقدمة لتطوير صناعة السينما وتحويلها إلى رافد اقتصادي متكامل، لا سيما مع امتداد دورهما إلى دعم الإنتاج الفني وتحفيز الاستثمار وبناء سلاسل قيمة اقتصادية. إذ يتيح برنامج الاسترداد المالي إمكانية استرداد نقدي يصل إلى 60% من إجمالي الإنفاق الإنتاجي المؤهل، ويعمل على توجيه الإنفاق الإنتاجي إلى الداخل، وتحفيز شركات الإنتاج الدولية والمحلية على استثمار مواردها في مواقع تصوير سعودية. ويعكس اشتراط استيفاء معايير تنظيمية دقيقة، مثل تسجيل شركات الإنتاج والحصول على التراخيص قبل بدء التصوير، تصميماً منهجياً لضمان الشفافية ورفع كفاءة السوق وربط الدعم بالحوافز الاقتصادية.
في المقابل، يقدم برنامج "ضوء" بعداً نوعياً يركز على تمكين الكفاءات الوطنية وتوطين الخبرات السينمائية. إذ تشجع المنح النقدية غير المستردة الموجهة لشركات الإنتاج المرخصة على إنتاج محتوى محلي متنوع مع الالتزام بمعايير الجودة العالمية. ويبرز هذا البرنامج الأثر التنموي الذي ينعكس على بناء رأس مال بشري متخصص، وتنمية القدرات الإبداعية وربطها بالاقتصاد الوطني.
نتيجة لذلك، أسهمت هذه البرامج في تحقيق أثر اقتصادي مباشر تجلى في عدة محاور رئيسية، وهي:
امتد الأثر الاقتصادي لصناعة الأفلام في المملكة إلى شبكة واسعة من القطاعات الاقتصادية المساندة. وقد خلصت دراسة بعنوان "أثر الثقافة المسرحية والسينمائية على الاقتصاد" إلى أن صناعة السينما تسهم مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي، من خلال تحفيز الأنشطة الاقتصادية في قطاعات مثل الضيافة والتجزئة والتكنولوجيا والخدمات، بما يعكس ما يعرف بتأثير التموج. ويبرز هذا التأثير أن السينما ليست مجرد منتج فني أو نشاط ثقافي منفصل، بل هي جزء من منظومة صناعية أكبر تمتد آثارها إلى الصناعات الإبداعية الأخرى لتعزز التكامل بين القطاعات الاقتصادية وتضاعف العوائد على الاقتصاد الوطني. على سبيل المثال، تسهم الأعمال المصورة في المملكة في إبراز تنوعها الجغرافي والثقافي، وتحويل مواقع التصوير إلى وجهات سياحية محتملة، بما يعزز الطلب السياحي ويدعم الاقتصاد المحلي.
وفي هذا الشأن، أسهم برنامجا الحوافز في تحفيز الديناميكية الاقتصادية لأنشطة حيوية في قطاعات الضيافة والخدمات اللوجستية والتموين والإنشاءات والتجزئة. وقد نتج عن ذلك ارتفاع الطلب على الفنادق وخدمات النقل وبناء الديكورات وتشغيل ورش الأزياء وتوريد الأغذية، ما يعكس قدرة القطاع السينمائي على خلق سلاسل قيمة مترابطة تتجاوز نطاق الإنتاج الفني نفسه.
وأظهرت بيانات الدراسة السالف الذكر أن برامج الحوافز أسهمت في تحقيق نحو 1.29 مليار ريال من القيمة المضافة الإجمالية خلال الفترة بين عامي 2020 و2024، منها نحو 707.7 مليون ريال نتيجة الأنشطة غير المباشرة في القطاعات المساندة وعموم الاقتصاد، أي أن ما يقارب أن أكثر من نصف الأثر الاقتصادي تحقق خارج نطاق الإنتاج السينمائي المباشر، ما يؤكد الدور الاستراتيجي للحوافز في تنويع الاقتصاد الوطني وتعظيم عائد الاستثمار الثقافي بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
أصبحت صناعة السينما في المملكة محركاً حقيقياً لسوق العمل، إذ وفرت فرص عمل مباشرة في مجالات الإنتاج والإخراج والتصوير والفنون التقنية المتقدمة، فضلاً عن وظائف غير مباشرة في القطاعات المساندة. ولم يقتصر الأثر على التوظيف فحسب، بل أسهم أيضاً في تطوير مهارات الكوادر الوطنية وبناء رأس مال بشري متخصص في الصناعات الإبداعية، ما يعزز القدرة التنافسية للمواهب السعودية على المستويين المحلي والدولي.
بدورها، أسهمت برامج الحوافز في دعم نحو 1,230 وظيفة سنوياً، منها متوسط 950 وظيفة من خلال برنامج الاسترداد النقدي و280 وظيفة عبر برنامج ضوء. وتضمنت وظائف غير سينمائية مثل السائقين والنجارين والكهربائيين وفرق الدعم اللوجستي، ما عكس قدرة القطاع على توزيع العوائد الاقتصادية على نطاق متعدد القطاعات. ووفقاً لهيئة الأفلام، فإن كل وظيفة في الإنتاج تولد وظيفة في القطاعات المرتبطة؛ ما يعكس دور القطاع في تنمية المهارات الوطنية وتعزيز الاقتصاد الإبداعي.
ومن خلال هذا التوظيف المتقاطع، يمكن لبرامج الحوافز تعزيز نقل المهارات والخبرات بين القطاعات، ما يزيد من مرونة الاقتصاد المحلي ويؤسس لسلاسل قيمة مترابطة تتجاوز حدود الصناعة الإبداعية نفسها.
كما أطلقت الهيئة مسرعة الأعمال السينمائية لتعزيز منظومة صناعة الأفلام وتمكين المواهب والشركات الناشئة، في خطوة تدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 نحو بناء قطاع سينمائي تنافسي عالمياً.
من إنتاجات هوليوودية كبرى إلى تعاونات بوليوودية وأفلام دولية متعددة الجنسيات، أصبحت المملكة وجهة جاذبة لشركات الإنتاج الإقليمية والعالمية، ما أدى إلى زيادة حجم الإنفاق المباشر في الاقتصاد المحلي، وتعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع عالي القيمة. وقد شهدت صناعة السينما في المملكة استثمارات شملت تطوير البنية التحتية وخدمات المحتوى والتقنيات الحديثة، بمشاركة المستثمرين المحليين والدوليين، ما يعكس الاهتمام المتنامي بالقطاع باعتباره رافداً اقتصادياً واستثمارياً.
وقد أسهمت برامج الحوافز في تعزيز الثقة في السوق السعودية، إذ تجاوز إجمالي الإنفاق الإنتاجي للنشاطات السينمائية التي استفادت منها نحو 1.08 مليار ريال بين عامي 2020 و2024.
كما بلغ إجمالي إيرادات شباك التذاكر 920.8 مليون ريال في عام 2025، مقارنة بنحو 845 مليون ريال في عام 2024، علماً أن عدد الأفلام المعروضة وصل إلى 538 خلال العام الماضي، مما يؤكد أن السوق السعودي هو الأكبر في المنطقة منذ 2022 بحسب بيانات هيئة الأفلام والهيئة العامة لتنظيم الإعلام.
ولا تقتصر الآثار الاقتصادية على قطاع الخدمات فحسب، بل حفزت المشاريع المدعومة أيضاً استثمارات القطاع الخاص في البنية التحتية، بما في ذلك تطوير استوديوهات تصوير ومرافق إنتاج جديدة في الرياض ونيوم والعلا، منها أستديوهات جاكس للأفلام في الرياض التي صُممت منصتها بالتعاون مع شركة" بيكسوموندو" المتخصصة في المؤثرات البصرية والإنتاج الافتراضي، والمصممة باستخدام أحدث تقنيات شاشات (VERONA Crystal LED) من سوني؛ مما يجعل الأستوديو الافتراضي جاهزًا لاستقبال أكثر الإنتاجات السينمائية طموحًا. ما يعزز القدرة الإنتاجية الطويلة الأمد لصناعة السينما في المملكة. وشكلت هذه الاستثمارات رأسمال ثابتاً ذا عوائد اقتصادية مستدامة، يدعم نمو الصناعات الإبداعية المستقبلية ويعزز تكاملها مع الاقتصاد الوطني. وقد أظهر تقييم هيئة الأفلام وجود أثر مضاعف للاستثمار الثقافي؛ فكل ريال ينفق من خلال برنامج الاسترداد المالي يحقق عائداً يصل إلى 3.14 ريال على الاقتصاد الوطني، فيما بلغ العائد على الاقتصاد 2.69 ريال لكل ريال أنفقه لبرنامج ضوء. وهو معدل عائد تنافسي مقارنة ببرامج الدعم التقليدية في القطاعات الأخرى.
Loading ads...
في الختام، تشكل حوافز صناعة الأفلام في المملكة العربية السعودية ركيزة أساسية في بناء قطاع سينمائي مستدام ذي أثر اقتصادي مضاعف. فهي تسهم في تحفيز الاستثمار وتنمية رأس المال البشري وتنشيط قطاعات اقتصادية متعددة. ومن خلال الدور الاستراتيجي الذي تؤديه هيئة الأفلام، تضمن هذه المنهجية أن يسهم كل فيلم يمكن إنتاجه في المملكة في توليد قيمة مزدوجة، سواء ثقافية أم اقتصادية، بما يحقق النمو المستدام للقطاع السينمائي والاقتصاد الوطني على حد سواء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

عقدة الهزيمة مفقودة.. كيف قهرت آسيا التوقعات في كأس العالم؟
منذ ثانية واحدة
0




