ساعة واحدة
معركة الذاكرة .. كيف يرفع الذكاء الاصطناعي أسعار الهواتف والحواسيب الشخصية؟
الإثنين، 21 سبتمبر 2026

لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي تضغط على المعالجات ومراكز البيانات فقط، إنما بدأت تمتد إلى الذاكرة، وهو المكون الأقل لفتا للانتباه والأكثر التصاقا بأجهزة المستخدمين.
ومع التوسع السريع في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، ارتفع الطلب على ذاكرة النطاق الترددي العالي، وعلى ذاكرة الخوادم ومحركات أقراص الحالة الصلبة المخصصة لمراكز البيانات.
وفي الوقت نفسه، ظلت الهواتف والحواسيب الشخصية بحاجة إلى ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية وذاكرة الفلاش من نوع ناند، لكن ضمن سوق أصبحت فيه القدرة التصنيعية أكثر ازدحاما وأعلى تكلفة.
ولا يعني ذلك أن مراكز البيانات تشتري ذاكرة الهواتف نفسها، إنما يتنافس الطرفان بصورة غير مباشرة على طاقة التصنيع والمواد والقدرات المتقدمة.
ومع إعادة توجيه جزء أكبر من هذه الطاقة إلى منتجات الذكاء الاصطناعي الأعلى أولوية، ارتفعت أسعار بعض أنواع الذاكرة التقليدية، وبدأت شركات الأجهزة بتمرير جزء من الزيادة إلى المستهلك أو تقليص المواصفات للحفاظ على الأسعار.
تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة إلى نقل كميات كبيرة من البيانات بين وحدات المعالجة والذاكرة بسرعة عالية، وهو ما جعل ذاكرة النطاق الترددي العالي عنصرا أساسيا في مسرعات الذكاء الاصطناعي.
وتختلف ذاكرة النطاق الترددي العالي عن ذاكرة الوصول العشوائي أو ذاكرة الوصول العشوائي المزدوجة المنخفضة الطاقة الموجودة في الحواسيب والهواتف، لكنها في جوهرها تعتمد على ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية.
وتستخدم تقنيات تكديس ثلاثية الأبعاد، تربط طبقات الذاكرة بآلاف المسارات العمودية العابرة للسيليكون من أجل توفير نطاق ترددي كبير بالقرب من المعالج.
لكن هذا الأداء المرتفع يأتي بتكلفة تصنيعية، إذ تستخدم الشركات المصنعة للذاكرة جزءا من قاعدة تصنيع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية لإنتاج ذاكرة النطاق الترددي العالي، التي تتطلب قدرا أكبر من طاقة الرقاقة لكل بت.
ويتطلب إنتاج كل بت من ذاكرة النطاق الترددي العالي طاقة تصنيع على مستوى الرقاقة أكبر بنحو ثلاثة أضعاف مما يحتاجه تصنيع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية المتزامنة بمعدل نقل بيانات مزدوج من الجيل الخامس، ما يجعل قرار تخصيص السعة ذا أثر مباشر في المعروض من المنتجات الأخرى.
كما أن ذاكرة النطاق الترددي العالي تشغل حصة متزايدة من طاقة تصنيع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية لدى أكبر الموردين.
وتقدر "تريند فورس" أن ذاكرة النطاق الترددي العالي قد تتطلب نحو 22 في المئة من إجمالي مدخلات رقاقات ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية لدى الشركات الثلاث الكبرى بحلول نهاية 2026، مقابل 18% في نهاية عام 2025، على أن ترتفع النسبة إلى 30% في عام 2027.
ويقلل توجيه جزء من طاقة تصنيع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية إلى ذاكرة النطاق الترددي العالي كمية الذاكرة التقليدية التي يمكن إنتاجها بالطاقة نفسها، ولهذا يتحدث قطاع الذاكرة عن تأثير الإزاحة.
وكلما توسع الطلب على ذاكرة النطاق الترددي العالي، أصبح من الصعب زيادة إنتاج جميع أنواع ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية بالسرعة نفسها.
لا تتوقف قصة الذاكرة عند ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية، حيث تحتاج مراكز البيانات أيضا إلى كميات متزايدة من التخزين السريع لتشغيل استخدامات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يدعم الطلب على محركات أقراص الحالة الصلبة المخصصة للمؤسسات.
وتشير "سامسونغ " نفسها إلى أنها تتوقع استمرار الطلب على حلول ذاكرة الفلاش من نوع ناند المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما حلول التخزين العالية الأداء المستخدمة في عمليات الاستدلال، بالتوازي مع نمو ذاكرة النطاق الترددي العالي.
وهكذا تؤثر طفرة الذكاء الاصطناعي في سوق الذاكرة عبر مسارين مختلفين، أولهما ضغط ذاكرة النطاق الترددي العالي على جانب ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية، وثانيهما تعزيز استخدامات مراكز البيانات للطلب على محركات أقراص الحالة الصلبة للمؤسسات في سوق ذاكرة الفلاش من نوع ناند.
وفي يوليو/تموز، توقعت "تريند فورس" ارتفاع أسعار عقود ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية التقليدية بين 13 و18% في الربع الثالث من عام 2026، وارتفاع أسعار ذاكرة الفلاش من نوع ناند بين 10 و15%، رغم تباطؤ وتيرة الصعود مقارنة بالقفزات التي شهدها السوق في بداية العام.
وقالت إن ارتفاع الأسعار بدأ يدفع المشترين في سوقي الهواتف والحواسيب إلى حدود القدرة على تحمل المزيد من الزيادات.
تقود هذه التغييرات ثلاث شركات تسيطر على أكثر من 90% من السوق العالمية لذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية، وهي "سامسونغ" و"إس كيه هاينكس" و"ميكرون"، ولكل منها إستراتيجيتها في التعامل مع طفرة ذاكرة النطاق الترددي العالي.
وأعادت هذه الشركات توجيه طاقتها التصنيعية بشكل ممنهج نحو ذاكرة النطاق الترددي العالي وذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية المتزامنة بمعدل نقل بيانات مزدوج من الجيل الخامس الموجهة للمؤسسات، حتى لو أدى ذلك إلى نقص في السوق الاستهلاكي.
وبدأت "إس كيه هاينكس" مبكرا في الاستثمار بكثافة في تقنية ذاكرة النطاق الترددي العالي، وواصلت خلال عام 2026 توسيع إنتاج هذه النوعية من الذاكرة، وأعلنت عبر نتائجها للربع الثاني أنها أبرمت اتفاقيات توريد طويلة الأجل مع نحو 10 عملاء، مع استمرار مفاوضات إضافية لتأمين الطلب المستقبلي.
وقالت الشركة إن الطلب على ذاكرة الذكاء الاصطناعي والذاكرة التقليدية يتوسع بالتوازي مع نمو الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
أما "سامسونغ"، فقد سارعت في تحويل خطوط إنتاج قديمة إلى خطوط متخصصة في ذاكرة النطاق الترددي العالي، خاصة في مجمع بيونغتايك، مع استخدامها الجيل السادس من تقنيات ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية في فئة 10 نانومتر مع قاعدة منطقية مصنعة بدقة 4 نانومتر لتعزيز الأداء.
وتتوقع الشركة أن تتجاوز مبيعات ذاكرة النطاق الترددي العالي في عام 2026 ثلاثة أمثال مبيعات عام 2025، في وقت تعمل فيه على زيادة طاقة إنتاجها، حيث ارتفعت حصتها من سوق ذاكرة النطاق الترددي العالي إلى نحو 33% في الربع الثاني من عام 2026، وفقا لتقديرات "كاونتربوينت".
وفي المقابل، أعلنت "مايكرون" في مارس/آذار 2026 دخول الجيل الجديد من ذاكرة النطاق الترددي العالي مرحلة الإنتاج بكميات كبيرة، بالتوازي مع إنتاج وحدات أقراص التخزين الصلبة من الجيل السادس لمراكز البيانات وحلول ذاكرة منخفضة الطاقة موجهة إلى منصات الذكاء الاصطناعي.
وأعلنت "مايكرون" في ديسمبر/كانون الأول 2025 خروجها من نشاط "كروشال" الموجه للمستهلكين، وقالت إن نمو الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات كان من الأسباب التي دفعتها إلى إعادة توجيه الإمدادات نحو العملاء الاستراتيجيين والقطاعات الأسرع نموا.
بدأ أثر هذا التحول بالظهور في تكلفة مكونات الهواتف نفسها، حيث ارتفعت أسعار ذاكرة الهواتف بأكثر من 80% على أساس فصلي في الربع الثاني من عام 2026، وذلك وفقا لشركة "كاونتربوينت".
وأدى ذلك إلى إعادة تشكيل هيكل تكلفة الأجهزة بصورة غير مسبوقة، حيث ارتفعت تكلفة المكونات في الهواتف المنخفضة السعر بنحو 70% على أساس سنوي، وكان الجزء الأكبر من الزيادة مرتبطا بالذاكرة.
وفي الفئة المتوسطة بلغت الزيادة نحو 52%، بينما أصبحت ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية أغلى مكون منفرد في بعض الهواتف الرائدة متجاوزة المعالج الرئيسي.
وتظهر آثار الأزمة بوضوح أكبر في الفئات الأرخص، لأن هوامش الربح فيها محدودة أصلا، ولذلك فإن زيادة تكلفة الذاكرة تمثل عبئا أكبر على المصنع.
وتشير "كاونتربوينت" إلى أن الضغط على الشريحة الأقل سعرا من السوق دفع الشركات إلى إجراءات، مثل تأخير بعض الإطلاقات، وإطالة دورة تحديث المنتجات، وتقديم ذاكرة أو تخزين أقل للحفاظ على السعر أو الهامش. كما تتعرض الهواتف التي يقل سعرها عن 200 دولار لضغوط متزايدة.
وتؤكد بيانات أحدث من وكالة رويترز أن المشكلة لم تعد مجرد توقعات نظرية، حيث بدأت الشركات الأصغر لتصنيع الهواتف والحواسيب بإعادة تصميم منتجاتها وتأمين رقاقاتها مسبقا لمواجهة نقص تتوقع استمراره حتى عام 2027.
كما أشارت الوكالة إلى أن الذاكرة قد تصل إلى 60% من تكلفة مكونات هاتف يبلغ سعره 400 دولار في بعض الحالات.
وتتوقع "كاونتربوينت" حاليا انخفاض شحنات الهواتف الذكية العالمية بنحو 14.3% في عام 2026، في أكبر انكماش سنوي متوقع في تاريخ السوق، مع تعرض الفئة الواقعة دون 200 دولار لضغط أشد.
لا تختلف الصورة كثيرا بالنسبة للحواسيب المحمولة، حيث يحتاج الحاسوب إلى ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية للتشغيل وذاكرة فلاش من نوع ناند للتخزين، بينما أدت الزيادة في أسعار الذاكرة والتخزين إلى رفع حصة المكونات الرئيسية من تكلفة تصنيع الجهاز.
وفي شهر سبتمبر/أيلول، قالت "تريند فورس" إن مكونات وحدة المعالجة المركزية وذاكرة الوصول العشوائي ومحرك الأقراص الصلبة كانت تمثل نحو 45% من إجمالي تكلفة المواد في نموذج حاسوب محمول مرجعي بسعر بيع 900 دولار في الربع الأول من عام 2025.
لكن هذه الحصة ارتفعت إلى 68% في الربع الثالث من عام 2026 بعد أكثر من عام من ارتفاع الأسعار.
كما تتوقع مؤسسة "تريند فورس" انخفاض شحنات الحواسيب المحمولة عالميا بنسبة 9.4% خلال عام 2026.
وكانت "تريند فورس" قد قدرت في مارس أن ارتفاع أسعار الذاكرة وحدها قد يزيد سعر حاسوب محمول مرجعي بسعر 900 دولار بأكثر من 30% في بعض سيناريوهات تمرير التكلفة، وقد تقترب الزيادة الإجمالية من 40% إذا أضيف إليها ارتفاع أسعار المعالجات.
أما "غارتنر"، فقد توقعت في فبراير/شباط ارتفاعا قدره 130% في أسعار الذاكرة والتخزين مجتمعة بنهاية عام 2026، بما قد يؤدي إلى زيادة متوسط أسعار الحواسيب الشخصية بنحو 17% والهواتف الذكية بنحو 13%.
وتوقعت المؤسسة في السيناريو نفسه انخفاض شحنات الحواسيب بمقدار 10.4% المئة والهواتف بمقدار 8.4% في عام 2026، مع احتمال اختفاء شريحة الحواسيب التي يقل سعرها عن 500 دولار بحلول عام 2028.
في حين تشير أحدث توقعات "تريند فورس" للحواسيب إلى انخفاض سنوي أقل حدة، عند 9.4%، ما يعكس تغير ظروف السوق، لكنه لا يلغي ضغط تكلفة الذاكرة.
ولا يقتصر التأثير في الهواتف والحواسيب، إذ امتد الضغط إلى أجهزة الألعاب والإلكترونيات الاستهلاكية الأخرى التي تعتمد على الذاكرة، حيث رفعت "مايكروسوفت" و "سوني" أسعار بعض نماذج "إكس بوكس" وبلاي ستيشن".
قد يبدو الحل بسيطا عبر إنتاج ذاكرة إضافية، لكن هذه الزيادة ليست عملية فورية، إذ تحتاج إلى توسيع المصانع، وتحسين معدلات الإنتاج، وإضافة قدرات تقنية، كما أن الانتقال إلى أجيال أحدث لا يزيد كمية الشرائح المتاحة بالسرعة نفسها التي ينمو بها الطلب.
وتزداد المسألة تعقيدا بسبب العقود الطويلة الأجل، حيث قالت "تريند فورس" إن بعض شركات الحوسبة السحابية أبرمت اتفاقيات متعددة السنوات مع موردي الذاكرة، ما يوفر لها قدرا أكبر من استقرار الإمدادات في سوق تعاني نقصا.
وتشير الصورة الحالية إلى أن المشكلة في اختلال توزيع القدرة التصنيعية بين أسواق تتنافس جميعها على الموارد نفسها.
ولا يوجد حتى الآن إجماع على المدة التي قد تستمر فيها الأزمة، إذ تحذر شركات الذاكرة من أن نمو الذكاء الاصطناعي قد يبقي الطلب أعلى من المعروض لسنوات.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة "إس كيه هاينكس" إن عام 2027 قد يكون من أصعب أعوام الصناعة من حيث القدرة على تلبية الطلب، مع توقعات بأن يظل الخلل بين العرض والطلب ممتدا إلى ما بعد عام 2030.
ومن جهة أخرى، تظل صناعة الذاكرة دورية بطبيعتها، حيث أن زيادة الأسعار تدفع المصنعين إلى الاستثمار والتوسع، كما تدفع المستهلكين إلى تأجيل الشراء، وهو قد يخفف الطلب مع مرور الوقت.
لكن المختلف هذه المرة هو أن الذكاء الاصطناعي أضاف مستهلكا ضخما جديدا للذاكرة، ولم تعد المسألة مقتصرة على دورة الحواسيب والهواتف، إنما تشمل ذاكرة النطاق الترددي العالي وذاكرة الخوادم وأقراص الحالة الصلبة للمؤسسات وغيرها من المنتجات التي تخدم مراكز البيانات.
وبالتالي، قد لا تعود سوق الذاكرة إلى توازنها السابق بمجرد بناء مصانع جديدة، إذ قد يذهب جزء كبير من السعة الجديدة إلى استيعاب نمو الطلب على الذكاء الاصطناعي نفسه.
تكشف أزمة الذاكرة عن ارتباط التقنيات التي تبدو بعيدة عن المستهلك، مثل ذاكرة النطاق الترددي العالي ومسرعات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، بالمكونات الموجودة داخل الهاتف والحاسوب.
لكن لا يعني ذلك أن ذاكرة النطاق الترددي العالي تأخذ محل ذاكرة الهاتف، إنما يعيد الطلب عليها توزيع موارد صناعة محدودة السعة، وكلما خصصت الشركات إنتاجا إضافيا للمنتجات المطلوبة للذكاء الاصطناعي، أصبحت المحافظة على أسعار الذاكرة التقليدية أكثر صعوبة.
وقد بدأ هذا الانتقال يظهر في تكلفة مكونات الهواتف والحواسيب، وفي تأجيل بعض المنتجات، وفي خفض المواصفات، وفي ارتفاع أسعار بعض الأجهزة.
Loading ads...
ختاما، بين الطلب المتصاعد من مراكز البيانات وقدرة الصناعة المحدودة على زيادة الإنتاج، أصبحت الذاكرة نقطة التقاء بين سباق الذكاء الاصطناعي العالمي وسوق الإلكترونيات الاستهلاكية، ويعد السعر الذي يدفعه المستخدم مقابل هاتف أو حاسوب جديد أوضح مؤشر على مقدار ما تستهلكه مراكز البيانات من موارد صناعة التقنية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




