ساعة واحدة
تدمر على وقع احتجاجات العدالة الانتقالية.. ما الذي فجّر أعمال العنف؟
الثلاثاء، 16 يونيو 2026
شهدت مناطق سورية عدة، الإثنين، مظاهرات واحتجاجات شعبية طالبت بتسريع إجراءات العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت خلال فترة حكم النظام المخلوع، بينما برزت مدينة تدمر بوصفها المشهد الأكثر توتراً بعد تسجيل حوادث عنف وإطلاق رصاص.
بدأت القصة، مساء أمس، مع وقوع أعمال عنف رافقت الاحتجاجات، ما دفع عناصر قوى الأمن الداخلي إلى الانتشار في شوارع مدينة تدمر بهدف احتواء التوتر والحفاظ على الأمن والنظام العام، وأسفرت الأحداث عن تسجيل ثماني إصابات، إضافة إلى إحراق محلين تجاريين ومنزل سكني نتيجة رشق بالحجارة.
وبالتوازي مع التحركات الأمنية، باشر وجهاء وشخصيات اجتماعية من المدينة جهوداً لتهدئة الأوضاع ومنع التصعيد، سعياً للحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار المحلي.
وألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عدد من المتورطين في إطلاق النار على المتظاهرين وعناصر الأمن. وأوقفت كلاً من أسامة بن فريح قاسم (مواليد 2002) وشقيقه أحمد بن فريح قاسم (مواليد 2007)، بعد اتهامهما بإطلاق النار من بندقية باتجاه المتظاهرين بهدف ترهيبهم والاعتداء عليهم، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المعنية، وفقاً لـ"شبكة تدمر الإخبارية".
في هذ السياق، أكد مدير شبكة تدمر الإخبارية محمد حسن العايد أن التحركات هي تعبير طبيعي وعفوي عن غضب مشروع، تراكم نتيجة تأخر استكمال ملفات المحاسبة واسترداد الحقوق المنهوبة.
وأضاف لموقع "تلفزيون سوريا" أن المطالب الأساسية للمشاركين ترتكز على تسريع وتيرة العدالة الانتقالية، وتفعيل سلطة القانون والقضاء المحلي ليكون هو الفيصل، وضمان عدم إفلات عناصر "الشبيحة" والفلول المتورطين في انتهاكات سابقة من العقاب، وهي مطالب محقة تهدف إلى تثبيت استقرار المدينة على أسس متينة.
أوضح العايد أنه لا يمكن اختصار ما حدث أمس في مشهد واحد، إذ يعود التوتر إلى إرث ثقيل ومعقد عاشته المدينة خلال السنوات الماضية، بعدما شهدت منذ عام 2018 تغلغل شبكات مصالح مشبوهة وتجار حرب استنزفوا مقدرات البادية وخيراتها عبر تسهيلات استثنائية.
وأضاف أن هذا التراكم الاقتصادي والأمني الأسود، والتحديات الإدارية والقضائية الراهنة، كغياب منصب النائب العام محلياً وصعوبة تقديم الادعاءات إلا في مركز المحافظة، جعل المدينة نقطة ارتكاز ملحة لضرورة إنهاء هذا الملف وتطهير الواقع المحلي من تداعيات الحقبة البائدة.
عن التوترات التي أعقبت المظاهرة الأخيرة، اعتبر العايد أنها لم تكن خياراً شعبياً، بل جاءت كرد فعل طبيعي إثر استفزازات علنية ومباشرة من بعض عناصر الشبيحة والفلول المرتبطين بالنظام المخلوع تجاه متظاهرين سلميين.
وأضاف أن هذا الاحتكاك الميداني، بالتزامن مع بطء الإجراءات القانونية والتحقيقية بحق بعض المتهمين بالسلب والنهب، فجّر حالة الاحتقان، مما يثبت مجدداً أن بقاء هؤلاء خارج قاعات المحاكم يشكل التحدي الأكبر للسلم الأهلي، حسب وصفه.
فيما يتعلق بتعامل قوى الأمن الداخلي، أكد العايد أن سوريا اليوم تمر بمرحلة انتقالية حساسة تتطلب بناء دولة المؤسسات، وأن قوى الأمن الداخلي تتحمل مسؤولية وطنية حرجة.
وشدد ضرورة لتفعيل قنوات تنسيق أوثق مع النخب والأعيان المحليين، وأن يكون التعامل الأمني أكثر حزماً وسرعة في توقيف المتورطين بالانتهاكات وتفكيك أي مظهر من مظاهر السلاح المنفلت لديهم، مع العمل بوعي لمنع أي انزلاق نحو الفوضى.
قال العايد إن الاحتجاجات تعكس بصورة واضحة موقفاً عاماً في تدمر يعتبر أنه لا استقرار دون عدالة ناجزة، وأن الرسالة الشعبية كانت واضحة جداً في رفض استمرار النفوذ الاقتصادي أو التجاري لرموز فلول النظام المخلوع والدفاع الوطني.
وأضاف أن الهواجس من حدوث "فتنة" أو استغلال هذه التطورات ضد مصلحة المدينة هي مخاوف مشروعة في مثل هذه الظروف، وأكد أن المحاسبة التي ينشدها ويطلبها الأهالي هي محاسبة قانونية ومؤسساتية وفردية بحق الجناة، وليست عقوبات جماعية، فالأهالي حريصون على دولة القانون ويرفضون الفوضى الثأرية.
لفت العايد إلى أن أبرز التحديات أمام العدالة الانتقالية تتمثل في ثلاث نقاط، أولها الجوانب الإجرائية والقضائية، ويتمثل ذلك في ضرورة نقل وتسهيل الآليات القضائية لتبسيط تقديم الشكاوى محلياً ودون عوائق مركزية.
والتحدي الثاني هو محاولات الالتفاف المالي لشبكات تجار الحرب القدامى الساعين للإفلات من العقاب عبر الرشاوى وتزوير الأضابير القضائية في مراكز المحافظات. والتحدي الثالث هو مساحة البادية الشاسعة التي تتطلب ضبطاً أمنياً وعسكرياً متكاملاً لحماية الأملاك العامة والخاصة.
أكد أن تحقيق التوازن بين العدالة والسلم الأهلي يتحقق بترك الأمر كاملاً لسلطات إنفاذ القانون والمؤسسات القضائية المستقلة، وتفادي الأخذ باليد. عندما يرى المواطن أن القانون يأخذ مجراه بحزم وسرعة ضد المتجاوزين، سينكفئ الشارع تلقائياً نحو البناء والاستقرار.
وقال إن السلم الأهلي يُحمى بالعدالة الناجزة، والعدالة المتأخرة هي ما يهدد السلم، لذلك فإن الموازنة تتطلب ممارسة التعبير السلمي الراقي توازياً مع دعم المسار المؤسساتي للدولة.
وأشار إلى أن تسريع المحاكمات هو خطوة جوهرية ولا غنى عنها لطمأنة الضحايا، لكنها تظل جزءاً من سلة مطالب أوسع.
وأضاف أن الشارع يطالب بالتوازي بإصلاحات إدارية وخدمية عميقة، واستبعاد الكفاءات الضعيفة أو الشخصيات الإشكالية من المشهد الإداري، وإلغاء الاستثمارات غير القانونية (مثل عقود الملاحات والمناقصات البلدية الفاسدة)، وضمان نزاهة تامة في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والمشفى الوطني.
يرى العايد فإن مستقبل الأوضاع في تدمر رهينة بمدى استجابة الجهات المعنية للمطالب الشعبية المحقة، فإذا سار ملف المحاسبة بجدية وشفافية، وجرى إصلاح الهيكل الإداري بالاستعانة بالتكنوقراط والنخب التدمرية المشهود لها بنظافة اليد، ستتجه تدمر نحو استقرار نموذجي يسهم في نهضتها وعودة سكانها.
في أعقاب الأحداث التي شهدتها مدينة تدمر، أصدرت محافظة حمص صباح الثلاثاء بياناً أكدت فيه عودة الهدوء إلى المدينة بعد التوترات والمواجهات التي اندلعت يوم أمس.
ودعت أهالي تدمر إلى التحلي بالوعي والمسؤولية الوطنية وعدم الانجرار وراء أي محاولات لاستغلال المطالب المشروعة أو الدفع باتجاه الفوضى والتصعيد.
كما أكد محافظ حمص مرهف النعسان أن حقوق الضحايا تمثل التزاماً ثابتاً على عاتق الدولة وصولاً إلى تحقيق العدالة الانتقالية، مشدداً على أن سيادة القانون والأمن والاستقرار تشكل الضمانة الأساسية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات وحفظ حقوق الضحايا وذويهم.
امتدت المطالبات بالعدالة الانتقالية إلى مناطق أخرى، حيث شهدت مدينة طيبة الإمام في ريف حماة مظاهرة مماثلة دعت إلى تسريع مسار المحاسبة القانونية للمتورطين في انتهاكات عناصر النظام المخلوع.
شهد حي عش الورور في دمشق حالة من التوتر عقب مظاهرة انطلقت من حي برزة، طالبت بإخراج فلول النظام المخلوع، وذلك بالتزامن مع انتشار عناصر قوى الأمن الداخلي في المنطقة لاحتواء الموقف وضبط الأوضاع.
كما شهدت محافظات إدلب وحلب ودير الزور خلال الأيام الماضية مظاهرات واعتصامات شعبية رفعت شعارات تؤكد ضرورة عدم السماح بدخول "فلول النظام" إلى المحافظة، والدعوة إلى نبذهم ومنع أي محاولات لإعادة دمج المتورطين في الجرائم والانتهاكات، مؤكدين تمسكهم بمبدأ المحاسبة وتحقيق العدالة للضحايا.
أكد وزير العدل مظهر الويس أن مسار العدالة الانتقالية مستمر عبر القانون ومؤسسات الدولة، مشدداً على أن العدالة لا تتحقق بالفوضى أو الانتقام، وإنما من خلال سيادة القانون وحفظ حقوق الضحايا.
ماضون بكل عزم في تحقيق العدالة ومحاسبة مجرمي النظام البائد، ولن نسمح بالإفلات من العقاب. ونؤكد لأهلنا أن العدالة مستمرة عبر القانون ومؤسسات الدولة، فلا مكان للفوضى أو الانتقام، بل لسيادة القانون وحفظ الحقوق للضحايا.
من جانبه، أوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا أن مطالب السوريين بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات خلال عهد النظام المخلوع تمثل "رغبة طبيعية في رؤية العدالة تتحقق"، مشدداً على أن هذا المسار يجب أن يتم عبر القانون والقضاء، لا من خلال الانفعال أو الأحكام المسبقة أو العقوبات العشوائية.
كما أكد النائب العام للجمهورية حسان التربة أن العدالة الانتقالية في سوريا يعتمد على منظومة قانونية وحقوقية وسياسية متكاملة، وتسير وفق أحكام القانون السوري، فيما شددت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية على أن المسار يعتمد على المسؤولية الفردية والمساءلة القانونية، ويرفض مبدأ العقاب الجماعي أو الانتقام.
تواصل وزارة العدل العمل على توثيق الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال الفترة السابقة، وجمع الأدلة وإحالة المتورطين إلى القضاء، في إطار جهود منع الإفلات من العقاب وتعزيز مبادئ الشفافية واستقلال القضاء.
وفي سياق المحاسبة القضائية، تتواصل محاكمة عدد من رموز النظام المخلوع، وتُعد محاكمة عاطف نجيب أولى المحاكمات العلنية لشخصيات أمنية بارزة.
Loading ads...
وتعكس الاحتجاجات التي شهدتها عدة مناطق سورية تصاعد المطالب الشعبية بتسريع إجراءات العدالة الانتقالية وضمان محاسبة المتورطين في الانتهاكات السابقة ضمن إطار قانوني ومؤسساتي. وفي المقابل، تؤكد الجهات الرسمية التزامها بمسار العدالة عبر القضاء ومؤسسات الدولة، مع رفض أي ممارسات انتقامية أو عقوبات جماعية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وترسيخ سيادة القانون خلال المرحلة المقبلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

