مع فتح مراكز الاقتراع في الولايات المتحدة، يراقب المتداولون في نيويورك شاشات الأسعار ونشرات الاستطلاعات في آن واحد، أمامهم سؤال رئيسي: هل يكفي تغيّر موازين القوى في الكونغرس لتحديد وجهة وول ستريت؟
الرهان الذي يسبق النتيجة
منذ بداية الولاية الثانية للرئيس "ترامب"، ينفرد الجمهوريون بالسيطرة على البيت الأبيض ومجلسي الكونجرس، ما منح الإدارة مساحة واسعة لتنفيذ أجندتها.
غير أن استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم الديمقراطيين في السباق على مجلس النواب، مع منافسة أكثر تقارباً في مجلس الشيوخ، وإذا تحققت هذه التوقعات، ستعود الولايات المتحدة إلى نموذج انقسام السلطة، حيث يتقاسم الحزبان الجمهوري والديمقراطي مفاصل الحكم.
أما استراتيجيو "يو بي إس لإدارة الثروات العالمية"، فقد قدروا احتمالية سيطرة الديمقراطيين على المجلسين بنحو 50%، مقابل 40% لفوزهم بمجلس النواب مع احتفاظ الجمهوريين بالشيوخ، و10% لاستمرار السيطرة الجمهورية على المجلسين.
وتاريخيًا، ارتبط هذا النموذج باعتقاد راسخ في وول ستريت، مفاده أن المستثمرين يفضلون حكومة لا يستطيع فيها طرف سياسي واحد تمرير ما يشاء من التشريعات.
فالقرارات الكبرى المتعلقة بالضرائب والإنفاق والتجارة والرقابة التنظيمية تصبح أكثر صعوبة، وتضطر الأطراف السياسية إلى التفاوض للوصول إلى تسويات. وقد يكون ذلك بطيئاً ومزعجاً لصناع القرار، لكنه يمنح الشركات قدراً أكبر من القدرة على التنبؤ بالبيئة التي تعمل فيها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في وقت تواجه فيه الأسواق ضغوطاً متزايدة، مع تراجع أسهم بعض شركات الذكاء الاصطناعي وتصاعد المخاوف بشأن الإنفاق الضخم على مراكز البيانات، إلى جانب استمرار القلق بشأن التضخم وأسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية.
تدعم بعض البيانات التاريخية الاعتقاد بأن الأسواق تميل إلى تحقيق مكاسب أفضل في ظل الحكومات المنقسمة، ولو بفارق ضئيل.
متوسط مكاسب مؤشر "إس أند بي 500" في ظل أنظمة مختلفة
انقسام السلطة الحالة التي لا ينفرد فيها حزب واحد بالسيطرة على السلطتين التنفيذية والتشريعية
السلطة الموحدة (حيث ينتمي الرئيس والكونجرس للحزب نفسه)
*بيانات 50 عامًا حتى الثالث والعشرين من أكتوبر 2026
لكن هذه النتائج لا تنهي الجدل، فدراسة أكاديمية أوسع نطاقًا، توضح أن الفارق في عوائد سوق الأسهم بين فترات الحكم الموحد وفترات الجمود السياسي (حين تتوزع السلطة بين أحزاب مختلفة) سيكون أكبر بكثير إذ امتدت البيانات إلى فترة أطول.
أظهرت الدراسة التي أعدها باحثون من جامعة ييل وكلية (ITAM) للأعمال وجامعة أكسفورد، تحت عنوان "الدورة الحكومية وسوق الأسهم"، أن الأسهم الأمريكية حققت منذ عام 1871 عوائد سنوية أعلى في ظل الحكومات الموحدة، بفارق بلغ 7.05 نقطة مئوية مقارنة بالحكومات المنقسمة.
وتكشف هذه النتائج أن العلاقة بين شكل الحكومة وأداء الأسهم ليست قاعدة ثابتة يمكن الاعتماد عليها للتنبؤ باتجاه السوق.
وينطبق الأمر نفسه على الاعتقاد بأن الجمهوريين أكثر دعماً للأسهم من الديمقراطيين، فبحسب البيانات التاريخية منذ عام 1945، تفوق أداء السوق في المتوسط عندما كان الديمقراطيون يسيطرون على الرئاسة ومجلسي الكونجرس، بفارق 4.8 نقطة مئوية سنوياً.
ومع ذلك، فإن الدلالة الإحصائية لهذا الفارق ضعيفة، بما يشير إلى أن هوية الحزب الحاكم لا تفسر وحدها تحركات الأسهم.
مخاوف تتجاوز صناديق الاقتراع
بعيداً عن المتوسطات التاريخية، تحمل الانتخابات تداعيات مباشرة، فإذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب، فمن المتوقع أن تتسع الرقابة على إدارة "ترامب" والشركات التي تعاملت معها.
ويبرز قطاع مراكز البيانات باعتباره أحد أكثر المجالات حساسية لهذه التحولات؛ وقد يؤدي تشديد الرقابة إلى زيادة الضغوط على شركات التكنولوجيا، حتى إذا لم تصل الأمور إلى إصدار تشريعات تعطل مشروعات التوسع بصورة جوهرية.
ولا تتوقف المخاطر عند الشركات والقطاعات، فسقف الدين الأمريكي قد يتحول إلى اختبار صعب للكونجرس الجديد، خصوصاً إذا تعثرت المفاوضات بين الحزبين بشأن رفعه، وأي إخفاق في التوصل إلى اتفاق قد يضع الحكومة أمام خطر التخلف عن سداد التزاماتها.
كذلك، قد تؤدي سيطرة الديمقراطيين إلى تعقيد المفاوضات بشأن الموازنة والإنفاق العام، لكن السيطرة على الأغلبية لا تعني بالضرورة القدرة على تنفيذ هذه المقترحات؛ لأن "ترامب" سيظل في البيت الأبيض لعامين آخرين، ويتمتع بحق النقض ضد التشريعات التي لا تحظى بموافقته، كما أن تمرير بعض القوانين في مجلس الشيوخ يتطلب تجاوز عقبات إجرائية وسياسية كبيرة.
وفي مذكرة بحثية، رأى سكوت كرونرت، استراتيجي الأسهم الأمريكية لدى "سيتي جروب"، أن رد فعل السوق قد يختلف باختلاف نتيجة الانتخابات؛ فاحتفاظ الجمهوريين بمجلس الشيوخ مع فوز الديمقراطيين بالنواب قد يكون إيجابياً للأسهم، بينما قد يؤدي اكتساح الديمقراطيين للمجلسين إلى رد فعل سلبي.
في النهاية، لا تبدو مقولة إن وول ستريت تزدهر كلما تعثرت السياسة في واشنطن حقيقة تاريخية راسخة بقدر ما هي اعتقاد شائع لا تصمد أمامه جميع البيانات.
بل تبدو الأسواق أمام احتمالات متعددة، لا يحسم أي منها اتجاه الأسهم بصورة منفردة، فقد تمنح الانتخابات المستثمرين قدراً من الارتياح إذا أعادت توزيع السلطة ومنعت القرارات المتسرعة، لكنها لن تعفي الأسواق من اختباراتها الاقتصادية، أي أن الكونجرس يستطيع تغيير قواعد اللعبة السياسية، لكنه لا يستطيع وحده تحديد مسار الأسهم.
Loading ads...
المصادر: دراسة بعنوان "الدورة الحكومية وسوق الأسهم" - موقع "ماركت ووتش" - "جانوس هاندرسون" – بيانات شركة "دبليو تي ويلث مانجمنت" – شبكة "سي إن بي سي" - بلومبرج
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



