3 أشهر
بعد أحداث الشيخ مقصود.. رعاية انتقائية لأحياء دون أخرى تفتح باب الجدل في حلب
الخميس، 29 يناير 2026
مع بداية العام الحالي 2026، وبالتزامن مع العمليات العسكرية التي استهدفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وأخرجتها من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، شهدت المحافظة اهتماماً رسمياً ملحوظاً بالنازحين هناك، حيث تم نقلهم إلى مراكز إيواء مؤقتة ثم إعادتهم إلى منازلهم، إضافة إلى تقديم مختلف أنواع الدعم الإنساني، وتنفيذ عمليات إصلاح وتنظيف عاجلة في الأحياء المحررة.
إلا أن هذا الاهتمام أثار جدلاً واسعاً بين أهالي الأحياء الشرقية في حلب والنازحين المقيمين في مخيمات شمالي المحافظة، الذين يرون أن الرعاية التي حظي بها سكان الشيخ مقصود والأشرفية لم تنعكس على واقعهم، حيث ما تزال شوارع الأحياء الشرقية تغص بالنفايات وتعاني من تدهور الخدمات الأساسية، في حين يواصل آلاف النازحين حياتهم في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات العيش الكريم.
أداء المحافظة يوسع الفجوة
رئيس مجلس محافظة حلب السابق، بريتا حاجي حسن، قال لموقع تلفزيون سوريا إن ما تشهده أحياء المدينة اليوم من تكدس للقمامة، ولا سيما في الأحياء الفقيرة والشعبية، يشكل انعكاساً مباشراً لغياب سياسة عامة واضحة لإدارة هذا الملف الخدمي البسيط، وذلك بعد أكثر من عام على التحرير، وأضاف أن ملف النظافة يعد من أبسط مؤشرات الحكم المحلي الرشيد، لكن الواقع القائم يعبر عن تقصير لا يمكن تبريره.
وأشار حاجي حسن إلى أن الحديث عن "رؤية حلب الكبرى" وخطة "حلب 2026" وحملة "حلب ست الكل" بعد ثلاث حملات متتالية لم يؤمن أي حل مستدام، يبدو مفارقة ساخرة في وقت تعجز فيه الإدارة عن ضمان أبسط حقوق السكان، وهي شوارع نظيفة وبيئة صحية مقبولة.
وأوضح أن مجلس المدينة تحدث عن أسطول من الآليات الخدمية التي توجهت إلى أحياء الشيخ مقصود والأشرفية فور تحريرها، لكن أثر هذا الأسطول لم يلحظ في أحياء مثل السكري، تل الزرازير، الشعار، الفردوس وغيرها من المناطق والأحياء المتضررة، كما لم يسجل حضور فعلي للمحافظة في مدن الشمال والجنوب التي تعرضت لدمار واسع نتيجة القصف الروسي وقصف قوات النظام المخلوع خلال السنوات الماضية، وما تزال تعاني حتى اليوم، وأكد أن الحاضنة "الثورية" ليست ضمانة دائمة للمسؤول ولا مبرراً لتهميش أهلها، مشدداً على أن استمرار هذه السياسات قد يبدد صبر الأهالي وكرمهم.
أسئلة مشروعة حول العدالة
وتابع حاجي حسن أن ما يحدث اليوم يفرض التوقف وطرح الأسئلة من باب الحرص لا الاعتراض، مشيراً إلى أن هناك استعراضاً غير مبرر وصورة مخملية تقدم للخارج، بينما في الداخل آلاف الحالات لأشخاص نزحوا لسنوات طويلة ولم يملكوا حتى ثمن أجرة العودة لرؤية منازلهم المدمرة، هؤلاء لم ترسل لهم حافلات، ولم تفتح لهم حملات دعم، ولم يحظوا بتغطيات إعلامية، في حين أن نزوحاً لأيام قليلة حظي بحافلات وإعانات واسعة.
وأضاف أن الظلم لا يقاس بالمدة أو بالصورة، وأن تعدد المعايير والكيل بمكاييل مختلفة يعمق الشرخ القائم بين نازح قديم ونازح جديد، وبين مهجر ومن بقي، وبين معتقل وغير معتقل، ورغم أن تصرف الحكومة في العملية العسكرية لتحرير الشيخ مقصود والأشرفية وما تلاها من اهتمام والعمليات التالية وصولاً إلى مسكنة، يشكرون عليه من حيث المبدأ، إلا أن السؤال يبقى، هل هذا الاهتمام متوازن مع واقع أكثر من مليون إنسان ما زالوا في المخيمات، ومع آلاف الخيام، ومع الأحياء المدمرة في مدينة حلب وقرى شمالها التي دمرت بنسبة تصل إلى 70%؟
ومن حي بستان الباشا، قال أبو بسام لموقع تلفزيون سوريا إن الخدمات معدومة: "الصرف الصحي مسكر، النظافة معدومة، الكهرباء أعطال يومية وانقطاعات متكررة، الشوارع مليئة بالحفر والوحل والطين، والقمامة منتشرة في كل مكان، ما أدى إلى انتشار الجرذان والفئران والحشرات، المختار والأعضاء يوصلون المعاناة اليومية للمسؤولين لكن لا حياة لمن تنادي"
نازحون مدللون ونازحون منسيون
في ريف حلب الشمالي، يعيش آلاف النازحين في مخيمات عشوائية مثل الزيتون والكازية والزهور وغيرها، حيث ما تزال الخيام المهترئة هي المأوى الوحيد لهم، ورغم وجود قرى سكنية مخصصة للنازحين، تركها سكانها بعد عودتهم إلى مناطقهم الأصلية، إلا أن المحافظة لا تعمل على نقل النازحين إليها.
يرى نازحون التقاهم موقع تلفزيون سوريا أنهم "منسيون"، بينما يحظى آخرون، مثل الذين خرجوا من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، بدعم مضاعف ووجدوا منازل تؤويهم في قرى سكنية بمنطقة عفرين، ويقول أبو أحمد، وهو نازح من ريف حماة الشرقي يقيم في مخيم الزيتون: "نحن هنا منذ سنوات، نعيش في خيام لا تقي من البرد ولا المطر، بينما نرى نازحين آخرين يحصلون على بيوت إسمنتية ودعم كبير. لماذا هذا التمييز؟ نحن أيضاً فقدنا منازلنا، وهي مدمرة بالكامل ولا يمكن العودة إليها، بقاؤنا في رحلة النزوح سيطول، لكننا نطالب بمعاملة عادلة ونقلنا إلى تلك القرى السكنية الفارغة".
يبدو أن القرى السكنية التي خصصت في وقت سابق للنازحين في مناطق مختلفة شمالي حلب، مثل اعزاز والباب وعفرين وجرابلس، والتي فرغ قسم كبير منها بعد عودة بعض سكانها إلى مناطقهم الأصلية، ما تزال حتى اليوم شبه فارغة، إبقاء هذه القرى دون إشغال ومنع النازحين المقيمين في المخيمات العشوائية من الانتقال إليها يفسر من قبل كثيرين على أنه جزء من توجه عام يهدف إلى دفع النازحين للمغادرة نحو قراهم الأصلية، هذا التوجه ترافق مع انخفاض ملحوظ في مستويات الدعم الإنساني بعد سقوط النظام المخلوع، ما جعل الأمر يبدو وكأنه سياسة غير مباشرة، وربما مقصودة، من الجهات الرسمية المسؤولة عن الملف في الحكومة، لدفع النازحين إلى العودة.
ويؤكد كثير من النازحين الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا أنهم لا يملكون بديلاً عن الخيمة، إذ إن قراهم ومنازلهم مدمرة بشكل شبه كامل، ويصعب عليهم ترميمها في ظل غياب الإمكانيات المالية والدعم اللازم، حتى أولئك الذين حاولوا ترك المخيمات وبناء خيمة قرب منازلهم المهدمة، أشاروا إلى أنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة، مثل انعدام الخدمات الأساسية، غياب فرص العمل لأبنائهم، وعدم توفر مدارس كافية، وإن وجدت فهي بعيدة عن مناطقهم، وهذه الظروف دفعت قسماً منهم إلى العودة مجدداً إلى المخيمات، رغم قسوتها، على الأقل للحصول على بعض الخدمات الأساسية وضمان أن أبناءهم يتمكنون من العمل أو متابعة تعليمهم.
Loading ads...
وفي هذا السياق، تساءل عدد من النازحين عن سبب إبقاء القرى السكنية فارغة في وقت يعيش فيه آلاف الأشخاص داخل خيام مهترئة، ويواجهون يومياً تحديات البرد والجوع وانعدام الاستقرار، كما أن الجدل المتصاعد حول أداء المحافظة يعكس حجم الفجوة في الرعاية والدعم بين فئات مختلفة من النازحين، وبينما تحظى بعض المناطق والأحياء باهتمام رسمي وإعلامي واسع، يظل آخرون يعانون التهميش والنسيان في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




