يروي عاطف نعنوع، مؤسس "فريق ملهم التطوعي" ومديره التنفيذي، قصة طريفة عن بداية علاقته بالجولاني. فيقول إنه كان ينوي إجراء بث مباشر لجمع التبرعات إثر الزلزال الذي تأثرت به مناطق الشمال السوري، في شباط من العام 2023، وكان حذراً من تنظيمه في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام"؛ عندما تدخل قائد هذه الجماعة لتقديم التغطية اللازمة للأمر. بل إنه زار موقع البث في وقتٍ كان مبرمجاً، بالصدفة، للقاء عبر الإنترنت مع المطربة أصالة نصري لدعم للبث.
ولما علم "الشيخ" بذلك، وعلى عكس ما هو متوقع، قال: "أف! جارتي... أخوها صديق أخي، وهم من حارتي"، وبعد ساعات، في لقاء طويل امتد إلى الفجر، سأل نعنوع مضيفه عن سبب انفتاحه عليه فأجابه: "قالوا لي عنك إنك ابن حارة... وأنا ابن حارة"، ويضيف أن كل ما رآه الناس من أحمد الشرع، بعد سقوط النظام، كان قد سمعه منه وقتئذ.
ومن جهته قال الشيخ أسامة الرفاعي، الذي عيّنه رئيس المرحلة الانتقالية مفتياً عاماً للجمهورية ومشرفاً على أعمال "مجلس الإفتاء الأعلى"، في مقطع مصور حديث، إن الشرع كان قد أعلن، قبيل "الفتح"، أنه ترك "التشدد والنصرة والوهابية وكذا، وهو مع أهل السنة والجماعة والأشاعرة... واتصل بي وقال أنا وضعي كذا كذا".
وفي سياق ثالث، ربما يجمع القصتين، اختار الشرع محمد أبو الخير شكري، شيخ جامع "الشافعي" بحيّه المزّة، حيث تلقى المبادئ الأولى للعلوم الشرعية بعد تبنيه التوجه الإسلامي، وزيراً للأوقاف في حكومته الأولى المستمرة منذ أواخر آذار من العام 2025 حتى الآن.
لا يبدو حضور هذا الحيّ/ الحارة عارضاً في تكوين الشرع، فهو المكان الذي قضى فيه المدة التأسيسية، الأطول، من حياته، منذ عودة الأسرة من المملكة العربية السعودية حتى مغادرته إلى العراق ليبدأ مرحلة متعرجة من التنقلات والتحولات أوصلته إلى "قصر الشعب"حيث أعلن، مراراً، أنه يريد أن يحكم سوريا بما يليق بمكانة «الشام»، التي نضيف أنه عرفها من خلال هذا الحيّ.
في أراضي القرية القديمة المتاخمة لدمشق نشأ الحي الجديد أولاً كمساكن شعبية ضمن تصور الاشتراكية العربية الذي حمله جمال عبد الناصر في عهد الوحدة ثم حزب البعث، لكن السبعينات والثمانينات حوّلت المنطقة وطبيعة أهلها إلى أن تصير مسكناً لبعض كبار المسؤولين والضباط ومقراً لسفارات ووزارات وكليّات، لا سيما بعد تنظيم الأوتوستراد ونهوض الجمعيات السكنية فيه حاملة موظفين عصاميين من الرتب المتوسطة في أبنية طابقية عالية، وقيام الفيلات الشرقية والغربية على طرفيه لذوي المهن الحرة الصاعدين، وتوسع الأحياء الطرفية بالمخالفات التي تباينت في درجات بؤسها ومدى قانونية مستنداتها، خاصة مع اليد المطلقة لرفعت الأسد الذي سكن الحيّ وسيطر على أراض كبيرة منه لصالح قوات "سرايا الدفاع" التي كان يقودها، وأتاح لمنتسبيها البناء المخالف في محيط ما كان يُعرف بالكتيبة 86 التي أعطت إحدى "المزّات" المتعددة اسمها. في حين شيّد شقيقه الرئيس "قصر الشعب" على مرتفع تابع للمزّة ويشرف عليها.
على كل حال لا يمكن للسلفية الجهادية أن تحكم المزّة، بوصفها "حارة" حديثة مختلطة لا تقبل التنميط ومن هنا أجرى أحمد الشرع الكثير من التحولات، التي لم يكن كلها معلناً، منذ مرحلة إدلب..
من الناحية السكانية لا يمكن عدّ الحيّ توسعاً للشام بقدر ما هو امتداد لـ"عاصمة" بالمعنى الحضري، فقد حوى تعدداً أهلياً وطائفياً وطبقياً قل أن تجده في مكان آخر من هذه المدينة المتضخمة بفعل النمو الديمغرافي العالي للأسر العربية وبتأثير الهجرة الكبيرة من المدن والأرياف لأسباب مختلفة منها الطبيعي ومنها المقوّى بهرمونات دعم السلطة وحراستها.
لتحكم دمشق من المزّة، وسوريا من "قصر الشعب"، عليك أن تراعي حساسيات متعددة، وحين انحاز بشار الأسد إلى مزّةٍ على حساب أخرى انفجرت في وجهه مزّة قديمة خرجت في المظاهرات ضدّه ولم يستطع السيطرة عليها تماماً إلى أن قرّر استئصال ما تبقى من بساتينها وبنائها العشوائي بقوة قانون جائر أراد أن يبني مشروع "ماروتا سيتي" لأبناء النخب المترفة، وهو ما يبدو أنه مرشح للتكرار، باتجاه معاكس، في هذه الأيام.
على كل حال لا يمكن للسلفية الجهادية أن تحكم المزّة، بوصفها "حارة" حديثة مختلطة لا تقبل التنميط ومن هنا أجرى أحمد الشرع الكثير من التحولات، التي لم يكن كلها معلناً، منذ مرحلة إدلب، كما تدل مؤشرات ليس آخرها حديث نعنوع، ولو أنّ المسيرة لم تكن في هذا الاتجاه لما حظي انتقال السلطة في دمشق بما حصل عليه من مباركة دولية ما تزال الداعم الأساس لوجوده.
أحاطت بحفلة أصالة نصري سجالات طويلة، وكانت معركة كسر عظم هادئ بين تيار "براغماتي" في السلطة وبين بعض قاعدتها وحاضنتها، وكشفت عن قوة الطرفين رغم حسمها لصالح الأول، مما يقول الكثير عن إمكانية تجدد التناحر بينهما على كثير من القضايا العامة.
Loading ads...
ليست هذه أفضل صيغ المراحل الانتقالية لكنها "نصيب" هذا البلد منها للأسف. ويبدو أننا نحتاج إلى وقت طويل قبل بناء توافق حول توجه البلاد أو، على الأقل، ترتيب أساليب الاختلاف بصورة مدنية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


