تساعد معطيات كثيرة على النظر إلى السلطة السورية الحالية على أنها حكم إسلامي أو في الطريق إلى أن تصبح كذلك. هناك، أولاً، خلفية الجماعة المسيطرة، «هيئة تحرير الشام»، التي تعدّ حفيدة «جبهة النصرة» السلفية الجهادية التي ارتبطت بتنظيم «القاعدة». وثانياً فإن القرارات المحلية المؤسلِمة تتلاحق بشكل يوحي بأنها ممنهجة وإن لم تظهر، بعد، في دستور البلاد وقوانينها المركزية. وأخيراً فإن عزوف أكثر السوريين عن متابعة أخبار «الهيئة» لسنوات، إبان حكمها في إدلب، جعل الحديث عن «تحولات» منهجها، في رأي العديدين، مجرد محاولة، ماكرة بالضرورة، لإخفاء أهدافها الحقيقية، المكشوفة كذلك، بانتظار أن تبلغ «التمكين». كما أن هناك رسائل داخلية تبثها «الهيئة» عن هذه النقطة الأخيرة، وتتسرب إلى خارجها بطبيعة الحال، تغذّي الالتباس وتبقي السؤال عن جدية تغيرها على الطاولة.
لاختبار الأمر يبدو لازماً عرض المدخل السوري إلى السلفية الجهادية، الذي لم يكن متصلاً بمحضنها الأساسي في أفغانستان مباشرة. فالمقاتلون السوريون هناك لم يعودوا إلى بلدهم باستثناء حالات مغمورة نادرة، في حين احتك مواطنون لهم بهذا التيار لاحقاً حين قاتلوا في العراق المجاور، ثم عاد بعضهم موفداً من «دولة العراق الإسلامية».
والحق أن هذه الطبعة من الجهادية تعود بجذورها إلى الصدّامية في العقد الأخير المتدين من حكمها، عقب إطلاق «الحملة الإيمانية» في العام 1993، في إثر الهزيمة في حرب الخليج الثانية والحصار. وتضمنت أسلمة القادة وحزب البعث وعموم الطلاب عبر تغيير المناهج، والتهدئة مع التيارات السلفية التي عملت بجوار نشاط الصوفية (النقشبندية)، وانتشار النزوع الطائفي عقب انتفاضة شيعة الجنوب، والقومي المستمر أصلاً، مما أنتج «العروبة الطائفية المتأسلمة» وفق تعبير فالح عبد الجبار. ومهد لأبي مصعب الزرقاوي، «الذباح» الذي لمع نجمه قبل أن يبايع «القاعدة» ثم يدفع باتجاه إنشاء «الدولة الإسلامية».
بعبور الحدود، التي يتبيّن مرة أخرى أنها من صنع «المستعمر» لا الديموغرافيا، لم تختلف الأمور كثيراً. خاصة وأن ذلك حصل وسط نزاع يوشك أن يصبح حرباً ذات ملمح طائفي، تتطلب التوسع في التجنيد والتحشيد لا الاكتفاء بنموذج «القاعدة» النخبوي الأصلي. وبهذا تحولت «جبهة النصرة» إلى فصيل التحقت به جماعات كانت متبلورة، واتحد مع فصائل في طريق «هيئة تحرير الشام»، وقاتل فصائل أخرى مبتلعاً بعض قادتها وأفرادها.
يجيب ياسين الحاج صالح مؤخراً أننا لا نسير نحو حكم إسلامي يقوم على الشريعة، بعد سعي من كانوا في خانة السلفية الجهادية إلى النأي بأنفسهم عنها؛ بل إلى نظام تسلطيّ محافظ
كما أن ثلاثة عشر عاماً عاشتها الجماعة، بمراحلها المختلفة من تأسيسها وحتى سيطرتها على الحكم، أدت إلى تطبّق أجيال من المنتسبين تلقوا دورات شرعية متباينة جزئياً، ومتفاوتون عمرياً، لا سيما بعد سعي «الهيئة» خلال ما تعدّه سنوات التنظيم والإعداد، بين 2020 و2024، إلى استقطاب الشبان الصغار، الذين نشؤوا في أجواء الحرب المغلقة. وبتتالي الأجيال تراجع إلحاح الهدف البعيد؛ إقامة دولة إسلامية، لصالح تهديد العدوّ القريب؛ «النصيرية» و«الرافضة» و«الملاحدة».
ثم إن «الهيئة» لا تنفرد بصياغة المزاج العام. فلها حلفاء لهم حصتهم من وزارة الدفاع ومن الجغرافيا ومن الحاضنة، وهم لا يتطابقون معها في الآيديولوجيا وإشراطاتها. كما أن لديها جمهور مستجد في المناطق التي كانت تحت سيطرة الأسد، استيقظ على نشوة انتصارية طائفية وقومية فعدّ نفسه شريكاً فيها وحارساً لها.
من كل هذه الخلطة، في البيئات العربية السنّية، إلى أين نتجه؟ يجيب ياسين الحاج صالح مؤخراً أننا لا نسير نحو حكم إسلامي يقوم على الشريعة، بعد سعي من كانوا في خانة السلفية الجهادية إلى النأي بأنفسهم عنها؛ بل إلى نظام تسلطيّ محافظ، يستند إلى طائفية سنّية نشطة، يبذل جهده كي يشبه البلدان العربية الأخرى.
وإذا كان النموذج الخليجي من الدول هو ما يراود مخيلة قمة السلطة، فإن ما يبدو أقرب إلى قاعدتها الشعبية هو المثال الصدّامي.
فالصدّامية، وخاصة من دون صدّام، تتيح لكل طامحٍ أن يحاول أن يكونه في مملكته الصغرى وحدود تسلطه. والصدّامية من دون «دولة» كانت تحدّ الصدّامات أحياناً، أو بوجود دولة ذات قدرة ضبط ضعيفة؛ تُشرع الباب أمام الغرائز على إيقاع «لبت.. لبت».
وقد شهدنا آثار هذا في المناسبات الكبيرة التي أتيحت فيها لهذه القواعد فرصة ممارسة دورها بوصفها «الدولة»، أو مؤازرتها، أو الحلول محلها جزئياً، في الساحل والسويداء، فعبّرت عن نفسها من خلال الفزعة الأهلية أو العشائرية، ومارست أثناءها كل ضروب الاستباحة والتوحش والإهانة، مما فاض عن قدرة السلطة على تطويق النتائج، وخرج عن «الجهاد»، كما تفترضه الجماعات الإسلامية، إلى الهمجية.
تتألف الصدّامية من خلطة الاعتداد القومي المبالغ فيه، المنتقل فجأة إلى افتخار عشائري بما دون الدولة، مروراً بأفضلية الكيان «العظيم». مع كراهية الأقليات القومية أو الطائفية. وصلف ذكوري يقيس الناس بحسب تدرجهم على سلّم القوة. وتقديس الصلابة والخشونة. وعدم احترام القوانين والسخرية منها بوصفها حيلة الضعفاء لا القساة، باستثناء ما يختار المرء أن يلزم نفسه من ضوابط مزاجية.
Loading ads...
والحقيقة أن معالم ذلك كله تظهر بوضوح في قاعدة السلطة وحاضنتها الشعبية الاحتياطية المسلحة أكثر بكثير من سمات الجهاديين المنظمين، «رهبان الليل وفرسان النهار» كما يحلو للأدبيات الإسلامية أن تحدد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

بدء الإنتاج التجريبي في معمل إسمنت طرطوس
منذ دقيقة واحدة
0



