ساعة واحدة
منذ اندلاع الحرب إلى "فجر اليمن".. كيف تبدلت خريطة السيطرة في اليمن؟
الخميس، 22 أكتوبر 2026
في ظل التصعيد العسكري في اليمن بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله (الحوثيين) واشتداد جبهات المعارك وهدوء بعضها، تبرز الحاجة إلى قراءة التحولات التي طرأت على خريطة السيطرة، لا سيما منذ إطلاق عملية "فجر اليمن" في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
ويرصد هذا التقرير أبرز جبهات المواجهة الراهنة، وما إذا كانت العمليات الأخيرة قد أحدثت تغييرا فعليا في خطوط التماس، ضمن قراءة أوسع لمسار الصراع على مدى نحو 12 عاما، تخللته هدن مؤقتة وجولات من التصعيد.
بعد 17 يوما من إطلاق عملية فجر اليمن، تتجه الأنظار إلى تعز والساحل الغربي ومحيط مضيق باب المندب، حيث تتداخل الهجمات البرية والتحركات المضادة مع التنافس على المرتفعات والطرق الحيوية، بالتزامن مع عمليات عسكرية في مأرب والجوف ومحافظات أخرى.
وقد أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إطلاق العملية في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، بهدف استعادة مؤسسات الدولة على كل الأراضي اليمنية، بما فيها العاصمة صنعاء.
ومنذ ذلك الحين، أعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم في مواقع إستراتيجية، في حين يتحدث الحوثيون عن تقدمات مع تواصل المواجهات على جبهات متعددة، وسط تقارير عن خسائر ميدانية وتغيرات في السيطرة على بعض المناطق والمحاور.
لكن السؤال ليس عدد العمليات العسكرية التي أعلن كل طرف تنفيذها، بل ما إذا كانت هذه العمليات قد أحدثت تحولا جغرافيا مستداما، يجيب على التالي: أين تغيرت خطوط التماس فعليا؟ وما المواقع التي انتقلت السيطرة عليها؟ وأي الجبهات لا تزال مفتوحة على الكر والفر؟
وتأتي هذه التطورات بعد تغيرات شهدتها خريطة السيطرة رغم تبدلات بعضها خلال الأشهر السابقة، ولا سيما على الساحل الغربي وفي محافظات الجنوب والشرق.
كما تكشف مقارنة المراحل المتعاقبة منذ عام 2014 -وفق تقرير للجزيرة الإنجليزية- أن الحرب لم تنتج سلطة موحدة تماما في بعض المحافظات، بل أفضت إلى مناطق نفوذ متداخلة، تتفاوت فيها السيطرة بين المدن والطرق والمرتفعات والمناطق الريفية.
تمثل محافظة تعز والساحل الغربي الممتد باتجاه باب المندب المحور الأبرز لفهم التصعيد الحالي، نظرا إلى موقعه الرابط بين المناطق الداخلية والساحل المطل على البحر الأحمر، وأهميته في حركة القوات والإمدادات.
وفي محيط تعز، تتوزع المواجهات على جبهات متعددة، تشمل المداخل الغربية والمناطق الجنوبية والشرقية، فيما تتواصل العمليات في الريف الغربي. وتكتسب مواقع مثل جبل هان والربيعي والأقروض أهميتها من إشرافها على طرق الحركة ومداخل المدينة، فضلا عن دورها في تمكين القوات من الضغط على خطوط دفاع الطرف الآخر.
وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت القوات الحكومية إفشال هجوم للحوثيين في الجبهة الغربية، وقالت إن ضربات جوية استهدفت تجمعات وآليات عسكرية ومواقع لإطلاق الصواريخ.
ولا يعني تصاعد القتال في محيط تعز انتقال السيطرة على مركزها؛ إذ ينبغي التمييز بين استمرار الضغط على المداخل والمرتفعات، وبين السيطرة الفعلية على الأحياء والمرافق والطرق التي تصل المدينة بمناطق الحكومة.
وتزداد أهمية هذه الجبهات بسبب ارتباطها بالطريق الواصل بين تعز والساحل الغربي، والممرات التي تربط المناطق الجنوبية بميناء المخا ومحيط باب المندب.
غرب تعز، امتدت جبهات القتال عبر مناطق الوازعية ومقبنة والكدحة والبرح، وصولا إلى ذو باب والمخا ومحيط مضيق باب المندب.
وشهدت المنطقة منذ مطلع سبتمبر/أيلول تحولات كبيرة، بعدما تقدمت القوات الحوثية على الساحل الغربي وسيطرت على مدينة المخا ومواقع ساحلية إستراتيجية. وأفادت مصادر حكومية لاحقا بتحركات مضادة استعادت خلالها القوات مواقع في محيط ذو باب وباب المندب، مع إعلان تقدم في مرتفعات غرب تعز والوازعية.
ويوم 5 أكتوبر/تشرين الأول، تزامن إطلاق عملية "فجر اليمن" مع إعلان القوات الحكومية استعادة مواقع في ذوباب ومحيط باب المندب، إضافة إلى مواقع جبلية في حيفان وغرب تعز والوازعية، في وقت أعلنت قوات تابعة تحقيق تقدم في جبهات مأرب، قبل أن تتغير السيطرة في بعض تلك المواقع.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين السيطرة على موقع ما، والقدرة على التأثير الناري في الطريق، والسيطرة الفعلية على الطريق وتأمينه. فامتلاك أحد هذه العناصر لا يعني بالضرورة تحقق العناصر الأخرى.
فالتغير في السيطرة على المخا وذو باب والممرات المحيطة بباب المندب يؤثر في التوازن العسكري على الساحل الغربي، كما ينعكس على أمن الملاحة في البحر الأحمر، في حين أن السيطرة على مرتفعات غربي تعز وسلسلة مرتفعات وجبال كهبوب تؤمن بشكل كبير السيطرة على الساحل الغربي ومضيق باب المندب.
كما تمثل لحج امتدادا جنوبيا لجبهات تعز والساحل الغربي، بالنظر إلى اتصال مناطقها الشمالية بالممرات الجبلية والطرق المؤدية إلى عدن والساحل.
وتؤثر التحركات في هذه المناطق في أمن الطرق والمناطق المجاورة، لكن إثبات تغير خطوط التماس يتطلب تحديد المواقع التي انتقلت السيطرة عليها، ومدى قدرة القوات على الاحتفاظ بها وتأمين الوصول إليها.
وفي المقابل، لا ينبغي إدراج كل محافظة تعرضت لغارة جوية أو هجوم صاروخي ضمن خريطة الاشتباك البري. فمناطق الضربات الجوية، ومواقع إطلاق الصواريخ، والجبهات التي يتواجه فيها الطرفان على الأرض، تمثل أنماطا مختلفة من النشاط العسكري، وينبغي إظهار كل منها بصورة منفصلة في الخريطة.
في الشرق والشمال الشرقي، تواصلت العمليات في مأرب والجوف، حيث أعلنت القوات الحكومية استهداف مواقع وتحصينات وتحركات عسكرية للحوثيين، بالتزامن مع تقارير عن صد وتقدم في مواقع على بعض المحاور.
وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول، قال الناطق باسم القوات الحكومية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات نفذت 835 عملية استهداف خلال الساعات الـ24 السابقة، شملت مواقع وتحركات وآليات في جبهات عدة، بينها غرب مأرب.
وبحسب البيان نفسه، قدرت القوات الحكومية خسائر الحوثيين بنحو 285 عنصرا، وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ووسيلة عسكرية وطائرة مسيرة.
وفي الجوف، تكتسب المواقع المرتبطة بطرق الإمداد والمحاور المؤدية إلى المناطق الداخلية أهمية خاصة، لكن تحديد حجم التغير في السيطرة يتطلب مقارنة دقيقة بين وضع الجبهات قبيل العملية وما ثبت ميدانيا بعدها.
وبذلك، لا تعني كثافة العمليات على جبهات مأرب والجوف بالضرورة حدوث اختراق إستراتيجي، ما لم تقترن بتغير في المواقع والطرق والمناطق الخاضعة لسيطرة كل طرف.
تشير التقارير والمعلومات المحلية إلى 3 تطورات رئيسية منذ إطلاق "فجر اليمن":
ومنذ انطلاق "فجر اليمن" أعلنت القوات الحكومية، عبر بيانات عسكرية شبه يومية للمتحدث باسمها، تنفيذ آلاف عمليات الاستهداف ضد مواقع وتحركات الحوثيين.
وشملت العمليات، بحسب الإعلانات العسكرية، ضربات بالطيران الحربي والمسيّر، وقصفا مدفعيا، واستخدام الراجمات ووحدات القناصة، واستهداف مواقع عسكرية وتحصينات وآليات.
وعلى صعيد الخسائر، أعلنت القوات الحكومية "تحييد" الآلاف من مقاتلي الحوثيين خلال الفترة من 3 إلى 10 أكتوبر/تشرين الأول، وفق المصدر المشار إليه، مع تسجيل حصائل يومية مرتفعة. كما تحدثت عن تدمير وإعطاب مئات الآليات والعربات العسكرية، واستهداف مواقع للقيادة والسيطرة ومستودعات أسلحة وتحصينات دفاعية.
بالمقابل، لم تعلن جماعة الحوثي حصيلة إجمالية لعملياتها منذ إطلاق "فجراليمن" الحكومية، وتكتفي الجماعة ببيانات متفرقة أعلنها المتحدث العسكري باسمها يحيى سريع أو أخبار لوسائل إعلام تابعة لهم.
وشملت الإعلانات الحوثية استهداف معسكرات ومواقع عسكرية حكومية، بينها هجمات صاروخية مؤخرا على مطاري عدن والريان ومواقع في شبوة، إلى جانب هجمات معلنة على أهداف داخل السعودية، وإعلان إسقاط مسّيرات. كما تحدثت الجماعة عن تقدم وتصدٍ لهجمات ميدانية من القوات الحكومية في جبهات تعز ومأرب والساحل الغربي.
ومع كل هذه العمليات والإعلانات، لا يمكن أيضا الجزم بأن خطوط التماس استقرت تماما عند حدود جديدة في جميع هذه المحاور التي قد تشهد تغيرات محدود بين فينة وأخرى، في ظل المواجهات الميدانية ومدى قدرة قوات كل طرف على الاحتفاظ بمكاسبها.
قبل إطلاق "فجر اليمن" بنحو شهر، شهد الساحل الغربي تحولا ميدانيا كبيرا، بعدما شنت القوات الحوثية هجوما غرب تعز مطلع سبتمبر/أيلول، في محاولة لتوسيع نفوذها باتجاه البحر الأحمر وقطع طرق الوصول إلى الساحل.
وأعلنت القوات الحكومية في البداية تحقيق مكاسب في حيس وغرب تعز، قبل أن تفيد الأخبار في العاشر من سبتمبر/أيلول بسقوط مدينة المخا ومينائها في أيدي الحوثيين، بعد انسحاب قوات المقاومة الوطنية بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، وإعادة تموضعها.
واليوم التالي، أفادت مصادر بتقدم الحوثيين نحو ذو باب وجزيرة ميون، مما أثار مخاوف من اتساع سيطرتهم على الشريط الساحلي المطل على البحر الأحمر ومحيط مضيق باب المندب.
وأدى هذا التقدم، وفق التقارير المنشورة آنذاك، إلى زيادة الضغط على الطرق والممرات التي تربط تعز بالساحل الغربي، وفتح المجال أمام مواجهات أوسع في المرتفعات المحيطة.
وردت القوات الحكومية بتكثيف العمليات الجوية والبرية، بينما دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى التعبئة العامة، وأعلن عفوا عن مقاتلي الحوثيين الذين يقررون الانشقاق عن الجماعة.
وفي الجانب الإنساني، أشارت تقارير أممية إلى موجة نزوح واسعة جراء تصاعد القتال، في حين أفادت منظمة الصحة العالمية اليوم الخميس بمقتل 1574 و6939 جريحا هم عدد ضحايا التصعيد العسكري باليمن حتى 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وهكذا، لم تبدأ التحولات في الساحل الغربي مع "فجر اليمن" بل سبقتها موجة تقدم حوثي غيّرت مواقع السيطرة ودفعت القوات الحكومية إلى شن هجمات مضادة.
وتمثل هذه التطوات الأخيرة في اليمن عودة لتصعيد أوسع أنهى هدنة أممية كانت دخلت حيز التنفيذ في 2 أبريل/نيسان 2022 واستمرت من خلال تمديدات متعاقبة، لكن كل ذلك لم ينهِ الحرب أو يبدّل خريطة السيطرة بصورة حاسمة.
ومع تجدد التصعيد هذا العام، عادت الجبهات إلى الواجهة، في امتداد لصراع طال أمده وتوالت خلال سنواته الغارات والمعارك وتبدلت بعض مناطق السيطرة والتحالفات، وتروي المحطات التالية مسار التحولات التي أعادت رسم خريطة الحرب في اليمن لأكثر من 11 عاما.
بدأ التحول الأبرز في خريطة السيطرة اليمنية مع دخول الحوثيين صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014، بعد تقدمهم من معقلهم في محافظة صعدة شمالي البلاد.
واستثمر الحوثيون حالة السخط الشعبي على الحكومة عقب رفع دعم الوقود في يوليو/تموز 2014، وما أعقبه من احتجاجات طالبت بالتراجع عن القرار واستقالة الحكومة، كما سهّل تحالفهم مع قوات موالية للرئيس الراحل علي عبد الله صالح السيطرة على مواقع عسكرية ومؤسسات حكومية.
وفي فبراير/شباط 2015، غادر الرئيس عبد ربه منصور هادي صنعاء إلى عدن، قبل أن يلجأ إلى الرياض مع تقدم القوات المتحالفة مع الحوثيين وصالح نحو المدينة جنوب البلاد.
وفي مارس/آذار 2015، تدخلت السعودية عسكريا على رأس تحالف "عاصفة الحزم" لدعم الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الحرب امتدت إلى جبهات متعددة، وأحدثت تحولات متعاقبة في السيطرة على المدن والطرق والموانئ.
ومنذ ذلك التاريخ، ظلت صنعاء تحت سيطرة الحوثيين، بينما توزعت المناطق الأخرى بين الحكومة وقوى محلية وتشكيلات عسكرية متنافسة انضوى بعضها ضمن المعسكر المؤيد للحكومة، مع تغيرات متكررة في التحالفات ومناطق النفوذ.
وبحلول أواخر عام 2016، كانت جغرافيا اليمن قد انقسمت إلى مناطق سيطرة متنافسة، بعد عامين من سيطرة الحوثيين على صنعاء.
فقد سيطر التحالف بين الحوثيين والرئيس الراحل علي صالح على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد وغربها، حيث تتركز غالبية السكان. في حين احتفظت الحكومة بمناطق في الجنوب والشرق بدعم من التحالف بقيادة الرياض.
ولم تتمكن الحكومة الشرعية من استعادة صنعاء، وهو ما رسخ الانقسام الجغرافي والسياسي الذي استمر السنوات التالية. ومنذ ذلك الحين، لم تتمكن أي جهة من بسط سيطرتها على كامل الأراضي اليمنية، رغم تغير التحالفات وتبدل خطوط القتال على مدى سنوات.
شهد ديسمبر/كانون الأول 2017 انكسارا كبيرا في التحالف الذي جمع الحوثيين بالرئيس علي صالح، بعدما بدا أن الأخير يتجه إلى تغيير موقفه والتحالف مع خصوم الجماعة.
واندلعت مواجهات بين الطرفين في صنعاء، انتهت بمقتل صالح على أيدي الحوثيين في ديسمبر/كانون الأول. وبعد انهيار ذلك التحالف، انفرد الحوثيون بالسيطرة على مناطق واسعة من شمال غرب البلاد، بما فيها صنعاء والحديدة، بينما انتقل بعض الموالين لصالح إلى المعسكر المناهض لهم.
بحلول مارس/آذار 2019، ظل الحوثيون يسيطرون على صنعاء ومعظم المرتفعات الشمالية الغربية، بينما احتفظت القوات الموالية للحكومة بمناطق واسعة في الجنوب والشرق.
وكان اتفاق ستوكهولم، الذي توصلت إليه الأطراف في ديسمبر/كانون الأول 2018، قد أوقف هجوما للقوات الحكومية على مدينة الحديدة ومينائها الذي يمثل منفذا حيويا لدخول الغذاء والوقود والمساعدات الإنسانية.
ولم يحقق أي طرف انتصارا عسكريا حاسما، في حين أسهمت الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين في إضعاف الجهود الرامية إلى استعادة المناطق الخاضعة للجماعة.
وعكست هذه المرحلة حالة من الجمود النسبي على خطوط المواجهة الرئيسية، من دون أن تعني توقف الاشتباكات أو زوال الانقسامات السياسية والعسكرية.
بحلول عام 2022، كان المجلس الانتقالي الجنوبي (المعلن حله لاحقا) قد رسخ سيطرته على عدن التي استولى عليها عام 2019، وأصبح يدير مناطق نفوذ منفصلة عن الحكومة المعترف بها دوليا.
ورغم انضوائه رسميا ضمن المعسكر المناهض للحوثيين، خاض هذا المجلس مواجهات مع القوات الحكومية، في ظل الخلاف حول مستقبل الجنوب، على الرغم من الدعوات الحكومية اليمنية التي دعمتها السعودية لاحقا لإجراء حوار جنوبي جنوبي بشأن القضية.
وفي أبريل/نيسان من العام نفسه، نقل الرئيس الراحل منصور هادي صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي المؤلف من 8 أعضاء، في محاولة لإعادة ترتيب قيادة المعسكر المناهض للحوثيين وتوحيد مكوناته.
لكن تشكيل هذا المجلس لم ينه التباينات بين القوى المنضوية فيه، كما لم يفض إلى استعادة صنعاء أو فرض سلطة مركزية موحدة على المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين.
وأظهرت هذه المرحلة أن تعدد التشكيلات العسكرية ومراكز القرار يمثل أحد أبرز العوائق أمام تغيير خريطة السيطرة على المستوى الوطني.
لم تؤد الهدنة التي بدأت في أبريل/نيسان 2022 إلى إنهاء الحرب أو توحيد مناطق السيطرة، لكنها أسهمت في خفض حدة المواجهات الواسعة لفترة، وفتحت المجال أمام مفاوضات.
وبحلول أبريل/نيسان 2023، ظل الحوثيون يسيطرون على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال غرب اليمن، بينما احتفظت الحكومة بمناطق واسعة في الشرق والجنوب.
وفي الوقت نفسه، واصل المجلس الانتقالي الجنوبي تعزيز نفوذه في الجنوب، تحت شعاره "استعادة دولة الجنوب" في حين احتفظت قوات النخبة الحضرمية التابعة له بنفوذ في أجزاء من ساحل حضرموت.
أما على الساحل الغربي، فاحتفظت قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح بمناطق في المخا والساحل، قبل إعادة ترتيب القوات في ظل التقدم الحوثي الأخير هناك وصولا إلى جزر باب المندب.
بحلول عام 2025، كان الحوثيون قد احتفظوا بصنعاء ومعظم شمال غرب البلاد لأكثر من عقد، بينما واصلت القوات الموالية للحكومة السيطرة على مناطق واسعة في الجنوب والشرق.
لكن أهمية الساحل الغربي تجاوزت المواجهة الداخلية، مع تصاعد الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر، التي قالت الجماعة إنها تأتي تضامنا مع الفلسطينيين في قطاع غزة.
وأدت هذه الهجمات إلى ضربات إسرائيلية وأمريكية وبريطانية على أهداف داخل اليمن، ما أضاف بعدا إقليميا ودوليا إلى الصراع، وربط التطورات الميدانية في الساحل اليمني بأمن الملاحة الدولية.
وفي هذه المرحلة، ظل التحدي الأساسي أمام القوات الحكومية يتمثل في الانقسامات داخل معسكرها، وعدم توحيد التشكيلات العسكرية، فضلا عن استمرار سيطرة الحوثيين على العاصمة والمناطق الأكثر كثافة سكانية في الشمال الغربي.
وبذلك، أصبحت السيطرة على الساحل والموانئ والممرات البحرية جزءا من معادلة أوسع، تتداخل فيها الحسابات العسكرية المحلية مع أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
كما شهدت بداية عام 2026 تحولا آخر بخريطة النفوذ، وهذه المرة في الجنوب والشرق، بعدما استعادت القوات الحكومية حضرموت والمهرة من المجلس الانتقالي الجنوبي الذي كان قد سيطر عليهما في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وجاءت السيطرة تلك في أعقاب ضربات جوية سعودية وتقدم للقوات الحكومية، وسط انقسام داخل قيادة المجلس الانتقالي، قبل أن يعلن وفد من المجلس في الرياض حل المجلس، بعد أن غادر رئيس المجلس عيدروس الزبيدي البلاد.
وأعادت هذه التحولات رسم موازين القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، إذ عززت موقع مجلس القيادة الرئاسي في مناطق واسعة من الشرق، لكنها لم تنه التنافس على النفوذ في الجنوب، ولا سيما المناطق التي تتداخل فيها السلطات العسكرية والأمنية والسياسية.
وأظهرت هذه المرحلة أن خطوط السيطرة في اليمن لا تتحدد فقط بالمواجهة بين الحكومة والحوثيين؛ فالصراع بين القوى المناهضة للحوثيين نفسها خلال السنوات السابقة أسهم في تغيير خريطة النفوذ، وأثر في قدرة الحكومة على توحيد القوات تحت قيادة واحدة.
وإجمالا، تظل خريطة السيطرة العسكرية في اليمن مفتوحة على تحولات ميدانية، في ظل استمرار التصعيد بين الحوثيين والقوات الحكومية.
ورغم ما أعلنته الحكومة من تقدم ضمن "فجر اليمن" في أعقاب سيطرة الحوثيين على جبهات الساحل الغربي ومحيط باب المندب، فإن تعز ومأرب والجوف ومناطق أخرى لا تزال تشهد مواجهات ومحاولات لتغيير خطوط التماس.
Loading ads...
وحتى الآن، لم تُفضِ هذه التحركات إلى حسم عسكري شامل أو تغيير واضح منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء ومحافظات عدة شمال البلاد، فيما يبقى تثبيت المكاسب الميدانية واتساع نطاقها العامل الأبرز في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة بعد مسار طويل من الصراع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




