ساعة واحدة
العالم علوم - عودة حرائق الغابات إلى المتوسط.. كيف تستعد الدول المغاربية وبأية وسائل علمية؟
الجمعة، 3 يوليو 2026

في ظل موجات حر غير مسبوقة، يشهد حوض البحر الأبيض المتوسط موسمًا مبكرًا لحرائق الغابات وسط تحذيرات علمية من تزايد الحرائق العملاقة بفعل تداخل الجفاف والحرارة والرياح في سياق تغير المناخ. وبينما تطور دول شمال المتوسط أنظمة متقدمة للإنذار المبكر، بدأت الدول المغاربية بدورها توظيف الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي لفهم الظاهرة والتنبؤ بها.
تشهد دول حوض البحر الأبيض المتوسط منذ مطلع الصيف موجات حر متعاقبة جاءت هذا العام في وقت أبكر من المعتاد، الأمر الذي أدى إلى بداية مبكرة لموسم حرائق الغابات. ففي جنوب فرنسا، اندلعت خلال الأيام الأخيرة سلسلة من الحرائق الكبيرة قبل نحو ثلاثة أسابيع من الموعد الذي يبدأ فيه هذا الموسم عادة.
وتتكرر في كل مرة العوامل نفسها. فموجات الحر تؤدي إلى جفاف الغابات وتحولها إلى وقود شديد القابلية للاشتعال، بينما قد تكفي شرارة واحدة لاندلاع حريق واسع، خصوصًا عندما تتزامن مع رياح قوية تحمل الجمرات المشتعلة إلى مئات الأمتار، فتشعل بؤرًا جديدة وتزيد من صعوبة السيطرة على النيران.
ورغم أن حرائق الغابات ليست ظاهرة جديدة في حوض البحر الأبيض المتوسط، فإن وتيرتها وحدتها أخذتا في الازدياد خلال السنوات الأخيرة. ويكفي التذكير بالحرائق التي شهدتها منطقة القبائل في الجزائر بين عامي 2021 و2023، والحرائق التي عرفتها منطقة الريف شمال المغرب، إضافة إلى الكوارث التي طالت اليونان وإسبانيا والبرتغال. وتؤكد الدراسات العلمية هذا المنحى. فقد أظهر تقرير برنامج كوبرنيكوس الأوروبي لعام 2024، استنادًا إلى تحليل صور الأقمار الصناعية، اتساع رقعة المخاطر في مختلف أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط، مع تسجيل أرقام قياسية في بعض المناطق، وامتداد موسم الحرائق، وارتفاع عدد الأيام المصنفة ضمن مستوى الخطر الأقصى.
يميز الباحثون بين أسباب اندلاع الحريق في حد ذاته، والتي قد تكون بشرية أو طبيعية، وبين العوامل التي تجعل الحرائق أكثر اتساعًا وأطول زمنًا وأكثر تدميرًا.
فما يشهده حوض المتوسط اليوم لا يقتصر على حرائق موسمية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف، بل يعكس ظاهرة مناخية معقدة تنتج عن تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه. وقد خلصت إلى ذلك دراسة نشرت عام 2026 في مجلة npj Natural Hazards، بعد تحليل آلاف الحرائق الكبرى في بلدان البحر الأبيض المتوسط، حيث قدمت نموذجًا يفسر الكيفية التي تتحول بها الحرائق العادية إلى حرائق عملاقة.
وتوضح الدراسة أن البداية الحقيقية لأي حريق كبير تكون قبل أسابيع أو حتى أشهر من اندلاعه. فخلال فترات الجفاف الطويلة تنخفض رطوبة التربة وتفقد النباتات جزءًا كبيرًا من مخزونها المائي، فتتحول الغابات تدريجيًا إلى وقود جاف جاهز للاشتعال. ومع حلول موجات الحر ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات تفوق المعدلات المناخية المعتادة، فتتسارع عملية جفاف الغطاء النباتي ويزداد خطر الاشتعال. أما العامل الحاسم في انتقال الحريق إلى مرحلة الكارثة فهو الرياح القوية، التي تغذي ألسنة اللهب بالأكسجين وتحمل الجمرات المشتعلة إلى مسافات بعيدة، فتتسبب في اندلاع بؤر جديدة أمام جبهة النار.
وتسلط الدراسة الضوء أيضًا على عامل آخر أصبح يحظى باهتمام متزايد، وهو الليالي الحارة بصورة غير اعتيادية. ففي الظروف الطبيعية تساعد برودة الليل على إبطاء انتشار الحرائق ورفع نسبة رطوبة النباتات، مما يمنح فرق الإطفاء فرصة أكبر للسيطرة على النيران. أما عندما تبقى درجات الحرارة مرتفعة طوال الليل، فإن الغطاء النباتي لا يستعيد رطوبته، وتواصل الحرائق انتشارها بالوتيرة نفسها تقريبًا التي تكون عليها خلال النهار.
وتؤكد الدراسة أن تحول الحريق إلى حريق عملاق لا ينتج عن عامل واحد، بل عن اجتماع هذه الظروف المناخية والبيئية في الوقت نفسه. ويرى الباحثون أن التغير المناخي يمثل العامل الذي يزيد من احتمال تزامن هذه الظروف. فمع استمرار احترار المناخ العالمي، أصبحت موجات الحر أكثر تكرارًا وأشد حرارة، وازدادت فترات الجفاف طولًا، وارتفعت درجات الحرارة الليلية، وهو ما يوسع النافذة المناخية الملائمة لاندلاع الحرائق العملاقة، من دون أن يكون التغير المناخي سببًا مباشرًا لاشتعال الحريق نفسه.
رغم أن معظم الدراسات المتعلقة بحرائق الغابات أُنجزت تاريخيًا في بلدان شمال البحر الأبيض المتوسط، فإن السنوات الأخيرة شهدت اهتمامًا متزايدًا بالمغرب والجزائر وتونس، في ظل تصاعد الحرائق التي عرفتها هذه البلدان.
وفي الجزائر، نشر فريق بحث جزائري–أوروبي قبل أسابيع دراسة أولية أنجز من خلالها أول قاعدة بيانات مرجعية عالية الدقة للمناطق التي احترقت في الغابات الجزائرية خلال الفترة الممتدة بين 1984 و2025، اعتمادًا على صور الأقمار الصناعية من برنامج Landsat. وتهدف هذه القاعدة إلى تحديد مواقع الحرائق ومساحاتها وتواريخها بدقة، كما تسمح بمقارنة البيانات الوطنية بقواعد البيانات العالمية. ولم تخضع الدراسة بعد لمراجعة الأقران، إلا أنها تمثل خطوة أساسية نحو بناء مرجع علمي يمكن أن تعتمد عليه الدراسات المستقبلية لفهم تطور حرائق الغابات في الجزائر، وتحليل علاقتها بالمناخ والغطاء النباتي، وتطوير أنظمة للتنبؤ والإنذار المبكر.
أما في المغرب، فقد انتقلت الأبحاث إلى مرحلة أكثر تقدمًا. ففي عام 2024 نشر باحثان دراسة محكمة تناولت التنبؤ المتقدم بحرائق الغابات باستخدام الذكاء الاصطناعي. وانطلقت الدراسة من فكرة مفادها أن نجاح نماذج الذكاء الاصطناعي يعتمد أولًا على جودة البيانات التي تتعلم منها. ولهذا الغرض طور الباحثان قاعدة بيانات متعددة المصادر خاصة بالمغرب، جمعت بين صور الأقمار الصناعية، والبيانات المناخية، وخصائص الغطاء النباتي، والتضاريس، وبعض المؤشرات المرتبطة بالنشاط البشري، من أجل تدريب نماذج تعلم آلي وتعلم عميق تراعي الخصائص البيئية والمناخية المحلية، والتي تختلف عن تلك السائدة في كاليفورنيا أو أستراليا أو جنوب أوروبا.
ويتمثل الهدف النهائي لهذا العمل في تطوير نظام إنذار مبكر يساعد أجهزة الوقاية المدنية والسلطات المختصة على تحديد المناطق الأكثر عرضة لخطر اندلاع الحرائق قبل وقوعها، بما يتيح توجيه الموارد وفرق التدخل بصورة أكثر فعالية.
Loading ads...
وتعكس هذه الدراسات تنامي الجهود العلمية الرامية إلى مواكبة التحولات التي تشهدها حرائق الغابات في الدول المغاربية. وفي الوقت الذي تعلن فيه الحكومات، مع بداية كل صيف، عن تعبئة إمكاناتها البشرية واللوجستية لمواجهة هذه الحرائق، يرى الباحثون أن تسارع وتيرة التغير المناخي يفرض تحديات متزايدة قد تتجاوز قدرات العديد من دول جنوب وشمال البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يجعل الاستثمار في البحث العلمي، والإنذار المبكر، وإدارة الغابات، جزءًا أساسيًا من استراتيجية التكيف مع المستقبل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




