2 أيام
اعتدنا أن نرى الرواية تتحول إلى فيلم… ماذا يحدث إذا انقلبت المعادلة؟ - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

تنحصر سيرة العلاقة بين فن الصورة المتحركة وفن الكلمة في كونها مساراً يمتد في اتجاه واحد، حيث تقف السينما ومعها التلفزيون ومنصات العرض الحديثة، موقف المتلقي الذي يغترف من معين الأدب ويستقي منه حكاياته وأساليب سرده. ولطالما نال هذا الاقتباس من الأعمال الأدبية اهتماماً وتقديراً. ولكن ماذا عن السير في الاتجاه المعاكس؟
فقد تشكلت نصوص أدبية تستلهم من إنتاجات الأفلام والمسلسلات وتستدعي منجز الصورة داخل نسيجها؛ فتستعير شخصيات متخيلة أو تستحضر مشاهد أو تتأمل ما يجري خلف الكواليس، لتصيغه داخل البنية السردية. هذه الأعمال المكتوبة تنهل من تراث الشاشة واسع التأثير والانتشار، وتنظر إلى الإبداع باعتباره عملية تتقاطع فيها الفنون وتتآزر، تماماً كما تشير الدراسات المتخصصة الحديثة.
يزدهر هذا النمط من التفاعل بين الأدب والسينما/التلفزيون في إنتاجات عالمية متنوعة، حيث نجد روايات وقصصاً قصيرة كُتبت من منطقة شغف متبادل بين الوسيطين. لكن على الرغم من عدم شيوعه في منطقتنا العربية، نشهد تجارب متنوعة في هذا الاتجاه المعاكس، تتجاوز في جوهرها استعارة تقنيات السرد السينمائي أو محاكاة قالب السيناريو في الكتابة.
هي واحدة من التجارب الأدبية النادرة التي يصدر فيها الفيلم ثم تُكتب الرواية لاحقاً. لكن كواليس صناعة الفيلم ونجاحه على المستويين الجماهيري والنقدي تعطينا تصوراً عما أغوى الكاتب أمين يوسف غراب ليستفيض في بناء عالم "شباب امرأة" روائياً، وكأنه يحاول استعادة ملكية حكاية ولدت وسط خصومات تشبه في حدتها أفلام السينما ذاتها.
فبينما تفيد تترات الفيلم، الذي يُعد من كلاسيكيات السينما المصرية، أن القصة لأمين يوسف غراب، وقد شارك أيضاً في كتابة السيناريو مع المخرج صلاح أبو سيف، فيما يُنسب الحوار إلى السيد بدير، تأتي "مذكرات صلاح أبو سيف" لتقدم رواية مختلفة؛ حيث يوضح أن القصة تخصه وعايشها بنفسه حينما سافر إلى باريس شاباً فقيراً على نياته، وتورط في علاقة مع سيدة تمتلك نزلاً صغيراً، وقد طلب من أمين يوسف غراب أن يحولها لحكاية مصرية.
يقول أبو سيف في مذكراته: "استجاب وكتبها في عدة أوراق اشتركنا في تحويلها إلى سيناريو: نجيب محفوظ والسيد بدير وولي الدين سامح وأنا، وكتب السيد بدير الحوار، ولم يستطع أمين يوسف غراب أن يكون على مستوى هذه المجموعة ولكنه زعم غير ذلك، زعم أنه مؤلف القصة، مع أنه لم يكتبها ولم ينشرها إلا في سنة 1958". ويستدرك مضيفاً أن غراب تحايل ليثبت ادعائه بخدعة أجراها على المنتج رمسيس نجيب، ووصل الأمر إلى ردهات المحاكم.
لكن بتنحية هذه الملابسات الجدلية، يظل ما صنعه أمين يوسف غراب تجربة أدبية لافتة تندرج تحت مفهوم الـNovelization، أي تحويل العمل السينمائي إلى نص روائي، حيث أعاد صياغة الحكاية بلغة أدبية تتوسع في أعماق الشخصيات، وتغوص فيما يختبرونه من مشاعر وأفكار، إلى جانب تفكيك بعض الأحداث وتوسيع خلفياتها، بما يمنح القصة حياة أخرى خارج الشاشة.
يمنح النص الأدبي مساحة رحبة للروابط القديمة التي جمعت بين إمام (شكري سرحان) وسلوى (شادية) والتي لم يذكرها الفيلم إلا في عبارات مكثفة. تفتح الرواية صفحاتها قبل سبعة أعوام من زمن الشاشة، لترسم ملامح علاقة بين طفلين على أعتاب المراهقة؛ فتروي تفاصيل حياتهما في القرية قبل أن يفرق بينهما رحيل الفتاة نحو القاهرة. نجد وصفًا لألعابهما ومزاحهما، وصولًا إلى إرهاصات الصبا واستكشافهما الفطري لتبدلات الجسد الذي يبلغ. كما ينشغل النص بتشييد عالم القرية البسيطة، وشخصياتها، والفقر الذي نشأ فيه إمام، حيث ذاق مرارة الحرمان خاصة بعد رحيل والده، ولم يكن أمامه سوى العلم للعيش بكرامة.
وعلى نقيض الفيلم الذي منح إمام استقراراً سريعاً في بيت شفاعات (تحية كاريوكا)، تتوقف الرواية عند لحظة وصوله إلى القاهرة، حيث ترصد تعثره في إيجاد مأوى وشعوره بالاستنزاف داخل نزل بسيط. هذا التوسع السردي يمنحنا تفسيراً أعمق لتمسكه بفرصة الإقامة لدى شفاعات، وأسباب تورط في شباك السيدة الخطرة.
فيما يلتزم العمل الأدبي بالخطوط العريضة للفيلم ولا يحيد عنها كثيراً، حتى في ذلك التشبيه البصري بين إمام و"بغل السرجة" الذي أطّرته أسلوبية صلاح أبو سيف على الشاشة. لكن الافتراق الجوهري يكمن في تتابعات النهاية؛ فبينما اختار الفيلم نهاية وعظية تنهي حياة شفاعات بصورة وحشية، في إدانة صريحة لها وحدها تتيح لإمام العودة إلى أحضان أحبابه، اتخذ أمين يوسف غراب مساراً مختلفاً فيما يخص إمام؛ إذ يضحي إمام بنفسه ويتزوج شفاعات لإنقاذ أمه المريضة، ومع ذلك يواجه الخسارة المطلقة بموت الأم.
في هذه المجموعة القصصية لمي التلمساني، الصادرة عام 2017، تتخذ بعض النصوص من السينما مرجعية أساسية ومساحة لتأمل مرحلة صناعة الفيلم ذاتها. لا تتوقف التلمساني عند ما استقر على الشاشة، بل تتسلل إلى ما قبله وما يحيط به، محاولة قراءة الطبقات الخفية التي لم ترها العين. تفسح المجال لخيالها كي يقتفي أثر الكواليس، وفي هذا المسار تذوب الحدود بين الممثلين والشخصيات، بين الواقع والأداء. ومع هذا التداخل، لا يبقى القارئ في موقع المتلقي، بل ينجذب إلى الداخل، محملاً بما يعرفه سلفاً، فيصبح جزءاً من هذا النسيج.
في القصة الافتتاحية "تسلل منظم"، تلتقط الكاتبة لحظتين لافتتين في رحلة عبد الحليم حافظ مع السينما، ودون أن تذكر اسمه أو عناوين الأفلام بشكل مباشر، تكتفي بإشارات تقود الوعي نحو تفاصيل تسكن الذاكرة الجمعية ولا تخطئها أبداً. تصف أجواء التصوير المزدحمة، والمعدات المكدسة أمام البحر، لتعقد مقارنة بين مشاعر المغني وهو يرى حياته تتكرر في لحظتين تتشابهان في المكان، وتفترقان في كل شيء آخر.
ترتد اللحظة الأولى إلى فيلم "حكاية حب" (1959)، حين كان شاباً في الثلاثينيات من عمره، يبث حزنه للبحر في "في يوم في شهر في سنة". أما اللحظة الثانية، فتعود إلى فيلم "أبي فوق الشجرة" (1969)، حيث نرى رجلاً في الأربعين يغني "دقوا الشماسي" ببهجة يملؤها الصخب. يحضر في الأذهان كل ما قيل عن كواليس صناعة الأغنيتين وما عاناه المغني خلف الكاميرا. وتنتصر الكاتبة في النهاية للحظة الأولى لكونها أكثر صدقاً واتساقاً مع جوهر حياته، مقارنة بالثانية التي بدا فيها وكأنه يطارد أيام صبا قد مضت.
تتكرر اللعبة في قصة "شرع المحبين" ولكن بصورة أكثر مغامرة وتجريب؛ حيث تستحضر الكاتبة مشهداً رومانسياً من فيلم "دعاء الكروان" لهنري بركات، لتنطلق منه نحو آفاق تتخيل فيها ما يسكن عقول الشخصيات، نافذة لتلك اللحظة التي تتحد فيها روح الممثل مع الشخصية؛ حين تتماهى فاتن حمامة مع آمنة وما يختلج صدرها وهي على وشك تقبيل المهندس. كما تتبع خطوات أحمد مظهر وهو في طريقه للقاء هنادي، وما يعتري المهندس من مشاعر تجاه تلك المنطقة النائية التي ساقه إليها العمل. وترهف السمع لما تحسه روح هنادي وشقيقتها في صحبة الحبيب، وما تستشعره زهرة العلا في لحظة مقتل الشخصية بخنجر الخال.
تتحرك التلمساني بحرية، تقدم وتؤخر في مشاهد الفيلم، باحثة عما وراء الشخصيات، ومتحررة من قيود المصدر الأدبي لطه حسين الذي اقُتبس منه الفيلم. تتخيل المخرج هنري بركات وهو يعيد تصوير مشاهد بعينها، وتثمن استخدامه لصوت الكروان كبديل عن هنادي وصوتها. كما تتأمل نظرة الوصم التي لازمت هنادي، وتسعى للإجابة عن مدى رضا تلك الشخصية المعذبة عن نهاية الفيلم.
تستعير نصوص روائية عديدة عناوينها من ذاكرة السينما والتلفزيون، في محاولة لخلق تقاطع يغوي القارئ ويحفز فضوله نحو العمل الجديد، غير أن أغلبها لا تنشغل بالاشتباك بشكل فعلي مع العمل المستدعى. أما رواية "بورتريه لأبي العلا البشري" للكاتب باهر بدوي (الصادرة عام 2025)، فتذهب إلى أبعد من مجرد استحضار شخصية خيالية ذات حضور في الثقافة الشعبية؛ إذ يجعل بدوي من هذا الاسم عتبةً للدخول إلى نص أدبي يفيض بشغف عميق تجاه عوالم الصورة.
تتخذ الرواية من الغزو الأمريكي للعراق زمناً لأحداثها، لتحكي عن وقت عصيب ترك آثاره على الوطن العربي، حيث بدا العالم مجرداً من المنطق، وبات الواقع يشبه في ارتباكه تلك المصحة النفسية التي تدور فيها الأحداث. هنا يتلاشى الحد الفاصل بين الحقيقة والضلالة، وتتقاطع مصائر الشخصيات في مزيج يجمع بين الألم والسخرية.
تستدعي هذه الأجواء أعمالاً سينمائية ومسرحية خالدة جعلت من المصحات عالماً لها، مثل فيلم "أحدهم طار فوق عش الوقواق" (ميلوش فورمان، 1975) أو مسرحية "وجهة نظر" (محمد صبحي، 1989)، لكننا هنا أمام شخوص تملك فرادة خاصة تبدأ من أسمائها الغريبة التي تلتصق بالذاكرة (سماح تسلخات، وسيد مهجة، ومصطفى رزّة، وهاني نوفا، وأمين سنقر)، وتفاصيل قصصها التي تجسد صوراً بصرية يسهل تخيلها على الشاشة.
يبرز التلفزيون في النص كقوة مهيمنة تتجاوز دورها في عرض الأخبار أو المواد الترفيهية، لتصبح هي أزمة الراوي وجوهر صراعه. يتملكه ظن أن هذا الجهاز وسيلة للتنصت يتربص بحياته ويبث أسراره؛ إذ يرى تفاصيل يومه تتجسد أمامه بعد قليل كجزء من مشاهد راسخة في الوعي الجمعي. ويصبح واقعه انعكاساً لحيوات مستعارة من الشاشة؛ فتارة يتقاطع مع "عاطف السكري" وهو يرسم لأمه ذلك البورتريه في "العيال كبرت" (سمير العصفوري، 1979)، وتارة يجد نفسه في مواجهة توبيخ الأب تماماً كما حدث مع "كمال" في "بين القصرين" (حسن الإمام، 1964).
يلجأ الراوي دوماً إلى عالم الصورة في توصيف الأشخاص والمواقف؛ فهذا يتحدث على غرار الأفلام القديمة وذاك يحدث على طريقة أفلام هوليوود المرعبة. كذلك تتماهى الشخصيات المحيطة به مع أنماط مستوحاة من إرث الصورة المرئية. وبشكل عام، تحضر الفنون بأشكالها عبر النص الأدبي، في بورتريهات الراوي، وموسيقى أحمد منيب، والسيناريوهات التي يكتبها أحد النزلاء، وحتى في تمردهم نفسه، الذي لا يجد سبيلاً إلا عبر الفن. لكن هذا الفن الذي صاغ وعي الراوي، يجمح به أيضاً نحو الحافة، حتى يغدو من الصعب التفرقة بين شطحات الخيال وتجليات الجنون.
هذا النص صدر ضمن مجموعة قصصية تحمل ذات العنوان لعبد الله محمد عبد الله في 2025، ليقدم مثالاً بارزاً للتوليف بين الحقائق التي نعرف أنها وقعت والخيال الذي يمنح الحكاية سحراً ويجعلها أكثر اتساعاً من حدود التوثيق. يتخذ الراوي من الكتابة خطاباً موجهاً إلى أبيه الراحل؛ ذلك الرجل الذي كان مولعاً بمسلسل "ليالي الحلمية" وأورث هذا الشغف لابنه. يسوق الابن لأبيه خبراً يقلب عليه مواجع الغياب، وهو الشروع في صناعة جزء جديد من المسلسل بعد رحيل قطبيه، المؤلف أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبد الحافظ.
يقول الراوي: "سيكون مسخاً يا أبي سيقتلون معه أجمل ذكرياتنا معاً... الحلمية... جوهرتنا المكنونة ودرتنا المصونة". من خلال النص، يقدم الراوي مرثية متعددة الأبعاد؛ فهي رثاء للأب ولزمن رائق يحن إليه، ولأسامة أنور عكاشة الذي أثرت مسلسلاته في البسطاء والمثقفين على حد سواء. وهي أيضاً مرثية لـ"علي البدري" بروحيه؛ الشخصية التي توطدت علاقة الجمهور معها عبر الأجزاء، وتحولت من نزوع الحلم إلى مكابدة العذابات ثم الانخراط في عالم المال، والممثل ممدوح عبد العليم أيضاً الذي تتشابك نهايته المفاجئة مع الراوي.
لكن أهم ما يميز هذا النص الأدبي المؤثر هو قدرته على وصف العلاقة التي تنشأ بيننا وبين الفنون عموماً والشاشة خصوصاً؛ كيف تشكل الدراما ذكرياتنا، وتصبح رابطة تجمعنا بمن نحب، نستدعي المشاهد ولحظات البكاء والضحك، وننغمس في تحليل الشخصيات وعلاقتها بصنّاعها، ويصبح مجسّدوها أصدقاءنا حتى لو لم نلتقهم أبداً. وتتحول مشاهدة عمل قديم طقساً لاستدعاء ذكريات كثيرة يستحيل تكرارها.
ينتمي الكاتب مصطفى ذكري إلى عالمَي الصورة والكلمة بالقدر نفسه، فهو السيناريست صاحب فيلمَي "عفاريت الأسفلت" و"جنة الشياطين"، فضلاً عن إنتاجاته الأدبية المتنوعة. يوضح في مقدمة كتاب "ما يعرفه.. أمين!!": "أعلنت مراراً كوني ممارساً لنوعين فنيين، هما الأدب والسينما، وأن هذه الممارسة تجد معناها الجمالي في الإزاحة الدائمة، وأنا في نوع فني، على النوع الآخر، بحيث تبقى القيمة في استدعائها لكل حيل وألعاب النوع الغائب".
تتجلى فلسفة ذكري في الاشتباك مع الوسيطين داخل كتابه "يوميات"، حيث ينطلق من منظور ذاتي ليحكي عما يثير شغفه عموماً من أفكار وتأملات فلسفية، جنباً إلى جنب مع ما يحب من عوالم لأدباء ومخرجين. لكن ما يجعل نصه نموذجاً للاستدلال هنا، هو أن حديثه عن السينما لا يقف عند حدود التحليل النقدي أو ذكر تصريحات بعينها لصناع الأفلام، بل يذهب نحو الموازاة؛ فيجمع بين تجاربه الحياتية ومشاهد الأفلام، متنقلاً بلا قيود في مساحة تذيب الحدود بين الخاص والعام، والشخصي والسينمائي.
Loading ads...
على سبيل المثال، يكتب في أحد الفصول عن تلك العبارة التي داهمته وهو يقضي حاجته في الحمام؛ عبارة تُبشر بتغيير ثوري على صعيديه الشخصي والمهني. يروح ويغدو بها عبر ردهات البيت، منبهاً لارتباطها بالماء، فيستدعي ذكرى عمله لصيفين متتاليين منقذاً على حمام السباحة. ومنها يعبر إلى فيلم "سايكو" لهيتشكوك ومشهد الحمام الشهير، حيث يتأمل تبدل موقفه من ذاك المشهد؛ فبعدما كان يراه أيقونةً أيام الدراسة في معهد السينما، بات الآن يراه أضعف مشاهد الفيلم، مستغرقاً في تحليل عوالم هيتشكوك، وكأن السينما تنفذ إليه من أبسط أفعاله اليومية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





